اطبع هذه الصفحة


[] ظلامٌ []
21/5/2008
16/5/1429

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق


" رُبَّ دُرَّةٍ في مَزبَلَةٍ "

الظلامُ جزءٌ في وصف حالَي الزمن ، جزءٌ مُشرقٌ و الآخرُ مُظلمٌ ، جزءان هما في عقلِ الإنسانِ ، لا ينفصلان عنه أبداً ، فعينُ رأسِه تراهما في الكون ، و عينُ تفكيره تراهما في الكيف .
لتتوازَن حياةُ الإنسانِ كان الجزءانِ الضدَّان موجودان فيها ، و لن يكونا موجودان في آنٍ واحدٍ ، إلا في حالِ اختلافِ العينين ، ففي عينِ الرأسِ الكونُ مُشرقٌ و في عينِ الفكرِ مُظلمٌ ، و ربما كان الظلامُ في عين الرأسِ و غدا الإشراقُ في عين الفكرِ .
هكذا نظرتنا لحياتنا ، و عين الرأسِ تبعٌ لعينِ العقلِ ، فكيفيةُ تفكيرِ العقلِ توحي لجوارحِ التلقي فَهمَ الحياةِ ، و ترْسم عين العقلِ ما ستؤمن به عين الرأس .
حين يَسْمرُ الإنسان في ظلمةِ الليلِ ، يُناغي النجومَ ، و يُغازلُ القمرَ ، و يُفضي إلى الليلِ سِرَّه و خبرَه ، فإنه يكون مُكَيِّفاً ظُلمةَ الليلِ نهاراً مُشرقاً في عين عقلِه ، و حين ينبثقُ الفجرُ يسأمُ النهارَ و كأنه محبوسٌ ، فمن الظلامِ ظلامُ الكيفيات و هو أشدُّ .
و في الظلامِ إشراقٌ ، فليسَ كلُّ ظلامٍ ظلامٌ ، ففي عُمقِ الألَمِ يُولد الأملُ ، و في غَلَسِ الليلِ بُدُوِّ الفجرِ ، و ارتقابُ إشراقِ الظلامِ ، و البحثُ عَن جُزئه المُشرِقِ الخَفِيِّ ليس كلٌّ يُهدى إليه ، حيثُ الدُرَرُ في أصدافِ الغَرَرِ .
إن ازدحمَ الناظرون إلى القمرِ في اكتمالهِ ليُسامروه ففي جانبه الذي لا يرونه إشراقٌ لا يعرفه إلا مَن ذهبَ إليه ، فهو محلُّ التفرُّدِ بالإشراقِ الخاصِّ دون زحامٍ ، فلن يكون القمرُ منيراً من جهةٍ واحدةٍ في ليلةِ اكتماله إلا عند أصحابِ العين الواحدة ، و عيناكَ تُرْشدانِك إلى تلك الجهةِ التي لا يعرفونَ ، و هذه هي الحياةُ تزدحمُ الناسُ على جُزءٍ مُشرقٍ في عينِ الرأسِ مُظلمٍ في ذاتِ العين ، و الألباءُ الفُطناءُ يجدونُ في الجزءِ المظلمِ نوراً و إشراقاً بعين العقلِ ، حيثُ النظرةُ البعيدةُ المدى ، فكانوا بالتفكيرِ قد امتازوا و عن قُصورِ النظرِ انحازوا .
حديثٌ مع إشراقِ الفجرِ .


Abdullah.s.a
 

عبدالله العُتَيِّق
  • مقالات
  • كـتـب
  • خواطر
  • أدبيات
  • كَلِمَات طـَائِرَة
  • الصناعة البشرية
  • منتقيات
  • للتواصل مع الكاتب
  • الصفحة الرئيسية