اطبع هذه الصفحة


قراءة في كتاب (مفهوم المجتمع المدني والدولة المدنية – دراسة تحليلية نقدية)
تأليف الأستاذ الدكتور / محمد أحمد مفتي

قراءة  وضاح بن هادي
@wadahhade

 
بسم الله الرحمن الرحيم


كثير هي المصطلحات المستوردة التي تبنتها الكثير من أصحاب الأفكار الملوثة، بل أضحى تقديس تلك المفاهيم وأفكارها وأجندتها تقليدا يدل على النباهة والنجابة..
وإن المرء ليعجب من أمة قامت على مفاهيم عن الحياة كيف أصبحت تقتات على مفاهيم غيرها، وتعمل على تطويعها إما بتقريبها من مفاهيمها المندثرة، أو بإحلالها محل المفاهيم "التاريخانية" التي لم تعد صالحة لمعالجة الواقع..
ولا يمكن لقارئ وعاقل أن يفصل تلك المفاهيم والمصطلحات المستوردة عن أجندتها ودلالاتها ومآلاتها التي لا تنفك عنها ولا تقوم لها قائمة بدونها، ومن تلك المفاهيم التي غزت الساحة وفشت لها فاشية، وصار لها مروجون ومطبلون مفهوما (المجتمع المدني) و(الدولة المدنية)..

وهذه محاولة في عدة تغريدات منتقاه من كتاب (مفهوم المجتمع المدني والدولة المدنية – دراسة تحليلية نقدية)، للدكتور محمد أحمد مفتي، ومن إصدارات مركز البيان للبحوث والدراسات :

يشير "إهنبرغ" إلى أن مفهوم المجتمع المدني "مفهوم ضبابي ومطاط على نحو لا مناص منه، بحيث أنه لا يوفر بسهولة قدرا كبيرا من الدقة".

ليس المجتمع المدني الجمعيات والمؤسسات التي تمارس أنشطة مختلفة داخل دولة، بل هي المؤسسات التي تمارس عملا محددا ينطلق من قواعد فكرية محددة ويخدم رؤية عقدية معينة تربط وجود المؤسسات بتحقيق أغراض معينة لحل العديد من المسائل السياسية.

إذا فالمجتمع المدني مجتمع له غاية من وجوده تتمثل في بناء الديمقراطية؛ فهو يحمل دلالات أيديولوجية تبنى على الرؤية الليبرالية القائمة على الربط بين وجود المجتمع المدني والديمقراطية.

لمّا كان التراث الغربي يشكل المرجعية الفكرية التي بُني عليها مفهوم المجتمع المدني فإنه لا يمكن مفكر مهما حاول أن يُضفي على المفهوم من رؤى، أن يقدّم تفسيرا للمفهوم خارج إطار الرؤية الغربية من عصر النهضة وصولا إلى ماركس وهيغل وغرامشي.

فالمجتمع المدني والدولة اللادينية وجهان لعملة واحدة، أو مدخلان نظريان وواقعيان، تاريخيان، يُفضي كل منهما إلى الآخر بالضرورة.

ولابد من أجل قيام مجتمع مدني حقيقي؛ أن تكون البيئة الحاضنة له بيئة لا علاقة لها بالدين أي بالأوامر والنواهي الشرعية المقيدة للحياة؛ وذلك لارتباطه الوثيق بتجرد الإنسان من القيود الدينية والثقافية والاجتماعية وغيرها.
ولذلك "فاللادينية" تُعدّ روح المجتمع المدني، ولا يمكن تحقيقها إلا في درجة جذرية من انفصال الدين عن الدولة، وهذا ما لا يمكن حدوثه إلا في ظل سيادة العقلانية، واستقلال المجتمع المدني عن السلطة الدينية.

إن المناداة بتبني مفهوم المجتمع المدني لمحاربة الاستبداد تؤدي إلى تبني مفاهيم مناقضة للشرع الإسلامي يصبح الداعي إليها كالمستجير من الرمضاء بالنار.

يربط أغلب المنادين بالمجتمع المدني بين وجوده والديمقراطية التي يعوّل عليها في تحرير الإنسان العربي وانتشاله من أزماته ومشاكله والتي على رأسها الاستبداد السياسي، وهو ما لا يمكن أن يتم دون التحول الديمقراطي الشامل للحياة – كما يتوهمون -.

ومن ثم فهناك علاقة طردية بين الديمقراطية والمجتمع المدني مؤداها أنه متى ما ترسخت أسس الديمقراطية تدعمت مؤسسات المجتمع المدني، ومتى ما انحسرت الديمقراطية تراجعت مؤسسات المجتمع المدني.

ففي المجتمع المدني الديمقراطي التعددي لا يوجد دين موحد واحد، بل تتحول المعتقدات إلى هويات يجعل من المستحيل الدعوة إلى الدين لخروجه من كونه عقيدة ملزمة إلى هوية يحملها أفراد.

من المفاهيم التي يتقنع بها المتقنعون : مفهوم المجتمع المدني الذي يُستخدم لبناء مجتمع لا ديني.. ونظرا لأن مصطلح (المجتمع المدني) لا يدل صراحة على اللادينية؛ فإن استخدامه يمكّن من تمرير الأجندة اللادينية المطلوبة بربطه بمفاهيم جذابة كالديمقرطية والحرية وغيرها، مع بقاء الغاية المتمثلة في إقامة مجتمع لا ديني كما هي.

إن من أهم مبادئ المجتمع المدني؛ أنه هو الذي يصوغ قوانينه وشرائعه بنفسه، ولا علاقة للدين بشيء من مجالات حياته السياسية، والاقتصادية، والفكرية، والاجتماعية، فالحلال والحرام، والواجب والمستحب والمكروه؛ هو ما يقرره المجتمع المدني لا الدين.

يؤكد أغلب الباحثين أن هناك تلازما بين (الدولة المدنية) واللادينية؛ حيث لا دين في الدولة المدنية، ولا دولة مدنية بدين.

الدولة المدنية دولة "مواطنة" قائمة على المساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات كافة؛ فلا دولة مدنية بدون مواطنة، ولا مواطنة بدون دولة مدنية.

كما أن مفهوم "المواطنة" في الدولة المدنية يلغي أي نوع من أنواع الانتماء "ما قبل الوطني"؛ كالانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي، فالهوية وكل الحقوق والواجبات ذات صبغة وطنية بحتة، أي لا دخل للدين فيها.
أضف إلى ذلك : أن المواطنة لا تتحقق إلا في نظام سياسي ديمقراطي تعددي يقر حرية العقيدة في إطار دستور مدني يقره الشعب.

إن المطالبة بإقامة "دولة مدنية" في بلاد المسلمين انطلاقا من تجربة أوروبا المريرة مع الدولة الثيوقراطية التي تحكم بتفويض إلهي يُعدّ ضربا من الحماقة أو التحامق، ويُصبح أول ما يجب أن يطالب به المطالبون (بالدولة المدنية) هو ذكر أوجه التشابه بين الشريعة الإسلامية وقانون الكنيسة الكاثوليكية.

وبناء على ذلك فإن الدعوة إلى إقامة دولة مدنية في مجتمع أغلبيته من المسلمين ليس لها أي دعائم منطقية تبرر مناقشتها من الأساس.

ويتضح مما سبق أن مصطلح (الدولة المدنية) أضحى لافتة العلمانيين والليبراليين الجدد في البلاد العربية والإسلامية في حربهم ضد الإسلام، حيث أخذ الليبراليون يتلصصون تحت شعار الدولة المدنية الحديثة في حربهم على الثوابت والعقائد والقيم الراسخة.


إن الدعوة إلى التوفيق بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية بإضافة قيد (التقيد بالمرجعية الإسلامية) يعبر عن دعوة "للتوفيق بين المتناقضات".


قراءة
وضاح بن هادي
10/6/1435 هـ

 

وضاح هادي
  • القراءة
  • التربية والدعوة
  • مشاريع قرائية
  • قراءة في كتاب
  • تغريدات
  • أسرة تقرأ
  • الصفحة الرئيسية