اطبع هذه الصفحة


واقع القراءة في عالمنا العربي ..
ورقة مقدمة في احتفالية النادي الأدبي بجدة باليوم العالمي للكتاب

أعدّها : وضاح بن هادي
@wadahhade

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 

الحمد لله الذي علّم بالقلم .. وسلّم
أبارك للنادي الأدبي بجدة ولبرنامج جليس الثقافي هذه الفعالية التي تتزايد أهميتها كلما زادت التحديات التي تواجه الكتاب والكتّاب والقراء ، ولاشك أنها تزدان جمالا بجمال هذا الحضور الشبابي من الإخوة والأخوات ..
وأحسب أن مثل هذه الفعاليات ، وهذه المشروعات هي خطوة في طريق العودة لأمة اقرأ ..

ودائما ما أسأل ربي أن يجعلني وإياكم سببا لعودة أمة اقرأ إلى اقرأ ..
وأسأله جل وعلا أن يبهجنا بعودة حقيقية قريبة عاجلة لأمة اقرأ إلى اقرأ ..

سؤال يتصدر هذه الأمسية :
لماذا المطالبة والإلحاح للعودة إلى اقرأ؟
والإجابة الصحيحة على مثل هذا السؤال ؛ أن نقول لماذا البداية باقرأ؟
لماذا كانت انطلاقة الوحي الرباني على نبي هذه الأمة باقرأ؟
ولو أردنا أن نضع عشرات الاستفهامات أمام هذا الأمر الرباني الذي دوّى في الكون أول ما دوّى بقولة ‘اقرأ‘
لماذا كل هذا وعلى نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب عليه الصلاة والسلام؟
لماذا كل هذا وعلى أمة جاهلية تعشعش عليها الأوهام والخرافات والأساطير؟
لماذا ‘اقرأ‘ تقدمت على ما يربو عن 77 ألف كلمة في القرآن؟
لماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟


وما ذاك باختصار :
إلا لأن القراءة وحدها هي الكفيلة بأن تحوّل هذه الأمة من أمة كانت السمة التي توسم بها هي (الجاهلية) ، إلى أمة تدبُّ فيها الحياة والنور والتغيير والخلافة في الأرض والشهادة على غيرها من الأمم ..

ولذلك كانت اقرأ ..


وأحسب أن هذا وحده كفيل بأن يجعلنا موقنين بأهمية القراءة ..


وأمة اقرأ اليوم ليست بحاجة إلى من يذكّرها بأهمية القراءة ..

بل المؤسف حقيقة : أن العالم الأول كما يسمونهم أضحى لديه ما يسمى بعيادات (العلاج بالقراءة) ، يُعالجون من خلالها الإنفصاميين والمدمنين والمنحرفين سلوكيا ، ولازال فينا نحن أمة اقرأ من لازال يسأل حول جدوى وأهمية وانعكاسات وثمار القراءة ..


أين موقع أمتنا ، أين موقع عالمنا العربي من هذه الحقيقة ، حقيقة العودة للكتاب؟
وهل نشكّل رقما صعبا ، أو على الأقل رقما لافتا بين الدول الحريصة على إدراج القراءة والمطالعة كخط الدفاع الأول؟


يجب أن نقول أولا : أننا نتحدث اليوم عن العالم العربي وهو يعيش أزمة بل أزمات كبرى ، والقراءة أحد هذه الأزمات ، بل تأتي في مقدمة هذه الأزمات التي تعصف بالعالم العربي اليوم ..

وأزمة القراءة لا تنفك عن باقي أزماتنا التي نعايشها ، سواء كانت أزمة معيشية اقتصادية ، أو كانت أزمة سياسية ، أو كانت أزمة تعليمية ، أو حتى كانت أزمة اجتماعية تربوية ..


والتخلّف الحضاري كما يقولون يجعل الإنسان مهووسا مشغولا بتلبية حاجاته الأساسية ، مقابل أنه يجعل دوافعه ضعيفة تجاه ما يُحسّن نوعية حياته ، ويترقى بها إلى مراقي الكمال البشري ..
وشيوع هذه الأمية الحضارية جلب على الأمة مشكلات هي أكبر مما نظن ؛ ليس فقط على مستوى الإنتاج والمعيشة ، بل حتى على مستوى فهمنا للإسلام ، وتطبيقاته في واقعنا ..

طبعا وهذا أحد الأعاذير التي يتذرع بها الكثير من الناس ، الكثير من الأسر حين تطالبهم بجعل القراءة أحد أولوياتهم ؛ إلا وبادروك بسيل من الأعاذير ، يتقدمها قولهم : الوقت والمال ، ‘ليس لدي الوقت الكافي‘ ، أو بسبب ‘البحث عما يسد جوعة صبيتي‘ ..

لو أردنا أن نعود للإجابة على سؤالنا الرئيس حول موقع القراءة في عالمنا العربي ؛ ما كان لنا أن نتجاوز الأرقام المخجلة التي تقول باختصار : أننا نقبع في زاوية بعيدة جدا عن أن تكون زاوية يسطع منها النور وتُضيئ لمن حولها ..


بمعنى أن الأرقام تُشير أننا متخلفون تخلفا يجعلنا في ذيل القائمة ..

الأرقام تقول : أننا تخلفنا ما يربو عن 400 عام في إدخال الطباعة لعالمنا العربي ، بعد أن ابتكر العالم الغربي المطبعة في عام 1450م.

أيضا لو أردنا أن نُعرّج إلى ما يتعلق بموضوع النشر ؛ فإن نصيب العالم الغربي من النشر حوالي مليون ومائتين وخمسين ألف عنوان كل عام ، في حين أن العالم العربي مجتمعا يُنتج حوالي 20 ألف عنوان ، بل ويدخل في هذا العدد المتواضع الكتاب المدرسي والجامعي!!


هل تُصدّقون

بأن كتابا واحدا فقط يصدر لكل ربع مليون مواطن عربي سنويا ، بينما في المقابل يصدر كتاب لكل 15 ألف مواطن في العالم الأول؟!


هل تتخيلون

أن الناشر العربي لا يطبع أكثر من 3000 نسخة من الكتاب الواحد ، وغالبا هذا العدد المحدود لا ينفد في أقل من ثلاث سنوات عادة ؛ على حين تتجاوز أرقام التوزيع في الدول المتقدمة ذلك بكثير ، بل تضرب بعض الكتب أرقاما فلكية؟!


حجم المبيعات ..

حجم مبيعات الكتب في الولايات المتحدة وحدها تصل لأكثر من 26 مليار دولار سنويا ، بينما في العالم العربي أجمع تصل نسبة مبيعاته للكتب إلى أقل من مليار دولار ..


فيما يختص بالمطالعة والقراءة ..

هل تتصورون أن متوسط القراءة في العالم العربي يوازي ست دقائق في السنة للفرد الواحد ، وبعض الدراسات تقول : نصف كتاب في العام ، بينما الفرد الألماني على سبيل المثال يقرأ من 28 إلى 30 كتاب في العام الواحد؟!


وهذا ينسحب أيضا على مستوى الطفل الذي يعيش تجاهل وتقاعس كبير من المؤسسات ودور النشر والحكومات ..   


على مستوى الأسرة مثلا ..

تقول الدراسات : لو افترضنا أن دخل الأسرة الواحدة في اليابان المكونة من أربعة أفراد يصل إلى 1000 دولار شهريا ؛ فإن إنفاق هذه الأسرة على الكتب يصل لـ1440 دولار للعام الواحد ، بينما واقع أسرنا لا يحفل بأرقام في هذا الجانب ؛ إما لعدم توافر الدراسات والأرقام في هذا ، وإما لعدم التفاتة الأسرة العربية حقيقة لجعل القراءة أحد اهتماماتها!!


أعتقد أن هذا الحد البسيط من الأرقام كاف جدا لندرك حجم الهوة التي نُعاني منها في عالمنا العربي على كافة المجالات ..


إذاً نحن أمام حراك عالمي معرفي تقاعسنا مع الأسف الشديد عن مواكبته ..


هذه الأرقام التي تقرأ حال واقعنا أفرزت لنا العديد من الظواهر والملاحظات التي يعجز وقتنا أن يُلم بها ؛ لكن أحد هذه الظواهر : الخلل الذي نشهده من الميسورين ، حيث تجد الكثير من أصحاب الإنفاق يختل لديهم فقه الأولويات ، فتجد المسجد بجوار المسجد بجوار المسجد ، ولا تجد في رقعة كاملة مكتبة عامة أو مدرسة خيرية أو معهد متخصص ..

ظاهرة أخرى ؛ هي ظاهرة تفشّي الأمية بصورة كبيرة في بلداننا العربية والإسلامية ، وهو ما يعني غياب العلم والالتفات للعلم والمعرفة حقيقة ، ففي مصر على سبيل المثال وصلت نسبة الأمية في الفئة التي ما فوق سن الخامسة عشرة 29.6% ، وهذا يعني أن من بين كل عشرة ثلاثة تقريبا لا يعرفون القراءة ولا الكتابة ..

وحتى نعي خطورة هذا الرقم ؛ حين نقارنه بنسبة الأمية في إسرائيل التي لم تصل حتى إلى 3% فيما فوق 15 سنة ..

ظاهرة ثالثة

وهي ظاهرة ما يسمى بهجرة العقول أو ‘استنزاف العقول العربية‘ ، واستقطابها لأن تُقدّم عطائها وإبداعها لتلك الدول الغربية ، يكفي أن نُشير إلى أن أمريكا خصصت في 2003 مائتي ألف تأشيرة لاستقطاب كفاءات في مجالات علمية معينة ، منها مائة ألف تأشيرة لاستقطاب مبرمجي كمبيوتر من الهند.. بل أحد الدراسات التي أُجريت على الطلاب العرب الذين يسافرون لتحصيل العلم من أوروبا وأمريكا ؛ أن 54% منهم لا يعودون إلى بلدانهم ..

الملاحظات كثيرة حقيقة ..

ناهيك عن مجال الإنفاق على البحث العلمي ، مجال الأجور والرواتب التي تُمنح للعلماء والأساتذة .. إلخ.

إذاً نحن أمام أرقام وإحصاءات ودراسات ليست خافية على أصحاب الاهتمام والبحث ، وهي ليست فقط دراسات غربية لواقعنا العربي ، بل أظهرت كثير من هذه الأرقام مؤسسات عربية ، كمؤسسة الفكر العربي ومنظمة اليونسكو وغيرها ..    


والسؤال الأهم ونحن في تظاهرة أصبحت تشهد حضورا لافتا في عالمنا العربي من كل عام ؛ وهي تظاهرة يوم الكتاب العالمي :
لماذا كل هذه الأرقام المفجعة والمخجلة التي تتزايد يوما عن آخر في واقعنا وعالمنا العربي؟


أحسب أنكم توافقوني أننا لا يمكن أن نُحصي كل تلك الأسباب ومسبباتها التي تقف وراء هذا التقهقر المعرفي والعلائقي ما بين الفرد والكتاب ؛ إلا أننا بإمكانا أن نشير بأصابعنا إلى الجهات المسئولة بشكل مباشر وفاعل تجاه هذه الأزمة.. (أسرنا ، مدارسنا ، إعلامنا ، المؤلفين ، دور النشر ، بائعي الكتب ، الذين أجملهم وأسماهم الدكتور غازي القصيبي بظاهرة ‘الناشر المنشار‘) ..

والقائمة تطول حول الجهات المسئولة عن كل هذا ..

ولو أردنا أن نغرّد بمانشتات سريعة لأمكننا القول :

وراء كل مجتمع قارئ أسرة تقرأ.

وجود المكتبة وحدها في بيوتنا ليس كافيا ، بل أن يبصر الطفل الحياة من حوله ، فيرى أبا ممسكا بكتابه ، وأما تقرأ في مجلتها.. وهكذا.

كم نحن بحاجة إلى أن نُهيّئ أمناء المكتبات كما نُهيّئ مدراء المدارس ، ولا أرى بأسا أن أقول : أن دور أمين المكتبة قد يفوق دور مدير المدرسة أحيانا. 

وأحسب أننا بجهود بسيطة نستطيع أن نحوّل مكتباتنا المدرسية إلى فسحة يلجأ إليها الطلاب عند أوقات فراغهم.

مخجل حقيقة ما نشهده في واقعنا من بروز كثير من المولات التجارية يوما بعد آخر ، ولا نجد من يُرحّب بمبادرات شبابية لفتح زوايا وأركان للتشجيع على القراءة وحب الكتاب في تلك المولات.

كثير من الأفراد الذي وصلوا لمرحلة النهم بالقراءة ؛ لم تكن انطلاقتهم كونهم يعرفون قيمة أو أهمية القراءة ، بل لأنهم وجدوا قدوات من حولهم تقرأ فأردوا أن يحذوا حذوهم.

ليس لدي وقت ، لم أنشأ في أسرة قارئة ، لم أجد من يحفزّني للقراءة ، أعاذير وأوهام تتذرع بها النفس العاجزة ، ولو قرأنا وقرأنا لشعرنا بالفرق التي ستُحدثه القراءة على مستوى ذواتنا وأهدافنا وطموحاتنا وتصوراتنا ، ولما وجدنا لكل تلك الأعاذير مكانا في أذهاننا.

وختاما


وأمام هذه السوداوية القاتبة والأرقام المخجلة ؛ بإمكانا أن نقول :
أننا اليوم أصبحت لدينا الكثير من المشاعل ، الكثير من المشروعات التي وضعت يدها على الجرح من جهة ، ثم لم تقف عند هذا ، بل أنها أسهمت وبشكل فاعل في حفز الشباب ، حفز الأطفال ، حفز الأسر ، حفز المجتمعات للحاق بركب القرّاء ..

هناك الكثير من المشروعات التي أضحت نموذجا مشرقا في عالمنا العربي لإعادة امة اقرأ إلى اقرأ ؛ وهي كأنها تقول لكل من أسهب في جلد ذاته وذات الأمة ؛ أمَا آن لك أن تلحق بركبنا ، بل أمَا آن لك أن تُسهم باستنساخ أي مشروع من تلك المشاريع الوضّاءة على مستوى بيئتك ، على مستوى حيّك ، على مستوى مدرستك ، على مستوى كليتك ، بل على مستوى ذاتك أولا ..


وبكبسة زر واحدة على تويتر أو الفيس أو الانستقرام ستظهر لنا عشرات ، بل مئات المشروعات الشبابية التي تستحق أن تتصدر مجالسنا وملتقياتنا لإعادة الأمل لأمة اقرأ ، والتي هي جديرة بأن تمحو اللغة الدارجة على أفواه كثير منا "أن أمة اقرأ لا تقرأ" ، بل ‘أمة اقرأ عادت تقرأ‘ ..

 

والله أسأل أن يجعلنا وإياكم مفاتيح للخير والأمل والفأل ..

 

وضاح هادي
  • القراءة
  • التربية والدعوة
  • مشاريع قرائية
  • قراءة في كتاب
  • تغريدات
  • أسرة تقرأ
  • الصفحة الرئيسية