اطبع هذه الصفحة


[ المجموعة الأولى ]
تغريدات منتقاه من كتاب
#مذكرات_قارئ
للمفكر : محمد حامد الأحمري

كتبها بتصرف : وضاح بن هادي
@wadahhade

 
بسم الله الرحمن الرحيم


بدايتي مع القراءة كان إحساسا بواجب، وتدريبا للمستقبل، لكنّي فجأة وجدتُ شيئا جديدا يحدث، إنه الإدمان، إدمان القراءة والكتاب، حتى أصبح الكتاب رفيقا لا غنى عنه، فأنساق وراء مكانه، وأحترم عشّاقه، وأُكبر صُنّاعه ..

وكنتُ قد قرأتُ في الكتب السريعة والتجارية أن السرعة هي كل شيء أو أكثر شيء جدوى، ولكن يُخطئ من يُصدّق كل رأي ويؤيّد كل حكمة، فلكل حكمة مكانها ..

الكتاب الجيد يحتاج إلى مراجعة وأناة وزمان؛ لأنه يبحث عن قارئ يقول عند الصفحة الأخيرة : رائع، قد آن لي أن أعيده، فلم يكن ممتعا فقط، بل مفيدا ..

قد تجوّد كتابك، وتُراجعه حتى تملّ، وتُعطيه أصحابك الثقاة يروزونه ويصقلونه أو يعيبونه، ثم تُرسله للناشر فلا يأبه، ولو كان له كنزا ماليّا، فأنّى لجهلهم أن يعرف ما تحمل إليه؛ لأن كثيرا من الناشرين – فضلاً عن القرّاء – لا يُدركون بعض الكنوز المالية والعلمية التي تُعرض عليهم ..

إذا وقفتَ على كتاب قيّم فاعلم أنك قد لا تحوز على كل ما فيه من أول قراءة، وتواضع إن لم تفهمه تماما، وافرح بما حصّلت منه، وحاول العودة إليه مرّات أخرى ..

إن الكتب الجيّدة هي التي يكتبها مؤلّفوها لأنفسهم أولا، يُخاطبون فيها مراقي الخير في أنفسهم، ويتحرّرون بها من كبت أفكارهم ..

الكتب موائد للعقل والروح متنوعة فهناك ‘النص الطريف‘ السريع الذي يصعب على القارئ أن يجمع معه سواه، وهناك ‘النص الدسم‘ والممتع جدا وهو الذي يتذوقه كل يوم، يجد غنى ومتعة وعلما وجمالا، ويُشفق عندما ينتهي منه فيبدأه مرة أخرى ..

قد قال لي قارئ أمريكي مسلم مرةً : إنّ عنده كتابا يقرأه قطعة قطعة، يخاف أن ينتهي الكتاب، فيتذوّق منه في كل يوم مقطعا!! وقال : إنه يُحقّق متعة قراءته مترسّلا متأنيا مشفقا أن ينتهي منه ..

قد وجدتُ بعض محققي كتب السلف الكبار يمرّون بالكلمات الغريبة عنهم فيُنكرون عروبتها، وهم أولى بالنُكران، ومثله محقق ‘ديوان البرعي‘، فقد جاء بالمضحكات، وكنتُ لا أعرف أأضحك من بلادة المحقق، أم أعجب من شاعرية ومواعظ ومدائح البرعي؟!

قد كان [ نيتشه ] يرى الراحة في احتضان الكتب، ويرى القراءة تخلّصا من الواجبات والعمل، فيقول : ‘وبالنسبة لحالتي الشخصية فأنّ كل أنواع القراءة تُعدّ استراحة، وهي من الأشياء التي تُبعدني عن نفسي، وتُمكنّني من التفسّح بين علوم وأنفس غريبة عنّي، إن القراءة بالفعل تُريحني من جدّيتي‘.

إن القرّاء يأتون للكتب بحثا عن القوة، أو المعرفة، أو المتعة، أو العلاج؛ غير أن الكتب التي تأتيها مختارا قد تبقى معها دون اختيار، فتسجنك بلا وعي بقيودها، وقد تسلبك القوة وأنت تتوهم أنها تُعطيك ..

قصّ علينا الدكتور فاروق القاضي؛ أن أحد أساتذة ‘جامعة عين شمس‘ عاد من التدريس ليجد زوجته الألمانية قد أخرجت كتبه للشارع، وبدأت تُشعل فيها النار، وقد كان محظوظا إذ لم تتم عملية الإحراق، أو تم جزء يسير منها ..

الأسباب الإسلامية للقراءة والمعرفة أسباب مهمة في الاطلاع والفهم والعبادة بقراءة القرآن، أو ممارسة شعائر الدين وفهمه، والحاجة الروحية الإيمانية دافع، ورغبة المعرفة دافع كبير أيضا، فنحن نقرأ لنتعلم امتثالا لقول ربنا : {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ..

قال لي قارئ : ‘إنّه سلك طريق القراءة لأنه الجانب الوحيد الذي يعرف أنّه سيبزّ غيره من زملاء فصله الدراسي فيه‘، وهذا أحد الدوافع الخفيّة للتعلّق بالقراءة ..

ولطالما سُئلتُ السؤال المعروف : متى بدأتَ القراءة؟ ولماذا أحببت القراءة؟ وأعترف أنني لا أمتلك إجابة دقيقة، غير أنّي أظن أن تمكّن الطالب من القراءة، وتغلّبه على عقدة الفهم في الأعوام الأولى من سني الدراسة، سوف تُساعده على الاستمرار في القراءة ..

أسرع الطلاب تولّعا بالقراءة هم الذين يمتلكون مهارة القراءة مبكّرا، أمّا من تأخرت قراءته فسوف يرى طوال حياته أن القراءة همٌّ وعبء ثقيل؛ فإن اكتسب الطفل هذه المهارة مبكّرا، وانبثق في روحه حبّ الاطلاع، فقد رسخ في نفسه لغة الكتب، وأرضها الخضراء المنزلقة والمتحركة بشراهة ..

وهناك رجال عاقتهم القراءة في بداياتهم، فأخلصوا لها ولتعلّمها، فتجاوزوا بسبب العقدة أغلب الناس؛ فأنتَ تقرأ عن [ محمود شاكر ] أنّه رسَب في امتحان اللغة العربية، فتوجّه لها وأخلص الاهتمام بها حتى تجاوز في إدراكه لروح العربية ونصوصها كل الذين نعرفهم في العصور المتأخرة ..

لا تُذهب نفسك حزنا على أنّك لم تستكمل من العلم مرادك، فذلك ما لا تبلغه الهمم العالية، ولكن عليك أن تعلم أنك لن تكون كل شيء في زمانك، ولن تُدرك الكثير من علومه، والتخصص يفيدك ويعلي معرفتك، ثم تضع بجوار تخصصك اهتمامات رافدة، وهي سترفد تخصصك مهما يكن من العلوم، وإن كان بعيدا جدّا في ميدانك ..

إننا نقرأ للمتعة، وهذا يكون خير مدخل للقراءة، فالذي يقرأ لأنه مجبر قد لا يستفيد ولا يستجيب لهدف النص، ولا يُدرك هدف القراءة ودوافعها ..

القراءة من أجل المتعة والتلذذ بالمغامرات والأفكار والمشكلات والصور الفكرية والتاريخية والأدبية، تجعل من القراءة رغبة دائمة؛ وعيب هذه الرغبة أنها تجرف القارئ ليقرأ فقط، وربما ليحقّق شهوة دون عبادة، وليستمتع ويخرج من متعة نص لمتعة نص آخر، وهكذا يسلمه كتاب لكتاب وكاتب لكاتب ويفقد هدف القراءة، هذا إن لم تجرفه الكتب ليفقد هدف الحياة ..

ليس طريق المعرفة هو ذات طريق المتعة غالبا، ولكن عادة القراءة تتحوّل تدريجيا مع الزمن إلى متعة، تختلط فيها خيوط المتعة بخيوط الواجب والمنفعة والعلم ,,

قراءة الكتب تنقسم لأنواع : فمنها ما لا بد منه، كالقراءة اللازمة لعملك، والقراءة اللازمة لمساعدة أطفالك، وقراءة الأخبار التي تُحب بها أن تَعرِف حركة العالم في يومك، وهذه ليست المقصودة هنا بالمتعة ولا بالتعب، ولكن قراءة المتعة هي تلك التي ينضجها القارئ بجانب قراءاته الواجبة، وتنتج له جانبا ممتعا مؤنسا يحبه كلما وجد فرصة للهرب له، وهي تخضع للجوانب التي تمرن فيها القارئ ..

من مفيد الأساليب في القراءة أن تستجمع في ذهنك الكتب والموضوعات والمعلومات المتعلقة بالنص المقروء، فهذه تُغني وتوقظ وتربط اطراف الموضوع، فالوعي ليس حفظا، والعلم ليس جمعا فقط ..

القراءة الواعية عملية إحياء وبحث للروح في الكلام المسطور أمامك، وتجاوب وأخذ وردّ ..

الصحفي يُحب الحديث عن الكتب الجديدة وكأن المعرفة ولدت اليوم، والسياسي المسن يبحث عن النص السياسي المتجدد في ثقافته الماضية ويُحاكم الناس لها، فاحذر ترك القديم، واحذر الغرق في الجديد ..

إن الجواب عن ‘ماذا أقرأ؟‘ عمره عمر السؤال، غير أني أقول لك : إنّ جُلّ من قرأت لهم من قومنا ومن غيرنا يقولون : عليك بالمنابع العظمى، عليك بالكتب الأصيلة الجيدة، عليك بكتب المؤسّسين الكبار للعلوم والأفكار ..

ربما المشكلة الأبرز التي تواجهنا في القراءة عموما، وفي قراءة (الأصول) على وجه الخصوص هي اللغة، فنحن نحب ما سَهُلت عبارته وعاصرت واعتدناها ..

والكتب أنواع؛ فمنها : كتاب مستولٍ على قارئه، يخدّر أو يحاول القضاء على فريسته (القارئ)، وآخر محاور منبّه ومستفز للعقل، أو مؤثّر يذهب ويجيء دون سبب ظاهر، وآخر يؤكّد رغبات مجتمعٍ ما وميوله، وكتب أخرى هي من اللغط المنتشر، ومن الكتب ما هو وسط في جودته، وهذه أكثر ما بأيدي الناس، وهي تجلب الغم والبلادة ..

كما أن فرعاً ضيّقا يضيق الحياة والفكر، فإن البقاء الدائب مع الكتب بعيدا عن حركة الحياة اليومية مرض عضال، ونقص في التجربة والفهم، ويُشير جبرا لهذه الفكرة في قوله : ‘علينا أن نُكثر من المطالعة، على أن نجعل منها عونا في حركتنا الدائبة، لا تعويضا عنها، فتُصبح الكتب مراجع للحياة لا بديلة عنها‘.

الهدف من القراءة والكتابة حراثة العقل وتقليبه وتجديده، وإنقاذه من الترهّل والموت البطيء وليس العكس، فإذا أصبحت القراءة سجنا جديدا لذواتنا علينا أن نعاود النظر في آلية القراءة وما نقرؤه، فالقراءة حقا هي النافذة نحو الحياة، لكنها ليست السجن الذي نُحبس فيه.

من المهم التوسّع شيئا فشيئا في الكتب التي تقرأها، وأن تُعرّض نفسك للأفكار العظيمة؛ ويُوصي ستيفن كوفي بقراءة كتاب في الشهر، ثم كتاب كل أسبوعين، ثم كتاب كل أسبوع، فالشخص الذي لا يقرأ ليس خيرا من الأمّي الذي لا يعرف القراءة، واحذر من عقدة إصدار الأحكام على الكتب قبل فهمها؛ لأن هذا يُضعف ائدة قراءتها.

اُنظر للذين شغلوا أنفسهم بعيوب الكتب والكُتّاب؛ إنّ قراءتهم لم تنهض بهم عقلا ولا سلوكا ولا قدرة على الكتابة ولا القراءة الصحيحة، وأسوأ منهم حالاً من جعل غايته كتاب أو كاتب أغلق عليه طرق الفهم، وما أكثر هذه الأنواع، وإنّي أكاد أقول إنّ هذا من أسرار استيطان السطحية والتقليد والبلادة.

القراءة حين تتحول إلى عادة، يُصبح الإنسان أكثر قدرة على التعاطي مع الكتاب ومرافقته، إلا أن هذا الانسجام لا يجب أن يصل إلى حد الذوبان، فإن من الخطر الاستسلام للكتب دون تفكير فيها وفي النصوص المقروءة، وكذا الثقافة الباردة المجردة من المهارات العملية، فعليك أن تُبعد نفسك بعض الوقت عن القراءة المستمرة، وتُفكّر فيما قرأته بعين ناقدة.

ميزة قرين القراءة أنّه قرين الهواية، وذلك تجده حيث تجد روحك وعقلك، وليس في ميدان واحد.

لا يغرينك تنوّع الكتب وبهجتها بأن تتنقل فيها مجدّدا لها، ومعيدا لقراءتها طوال العمر، فإن من الكتب ما يستحق القراءة مرّات عديدة، وكلما فرغت منه عُدتَ له، حتى قال الإمام المزني : ‘قرأتُ كتاب الرسالة خمسين مرة أو أكثر، وكنت أستفيد منها في كل مرة ما لم أستفد في السابقة‘.

ولتكرار المقروء فائدة أخرى قد تخفى على البعض، وهي تقوية الذاكرة والاستفادة منها على الوجه الأكمل، ولهذا يقول مطهري في كتابه مقالات إسلامية : ‘كل ذاكرة مهما كانت قوية تفتقر إلى قراءة الكتاب الجدير بالقراءة مرتين على الأقل، وبصورة متوالية‘.

كثيرين من عباقرة العالم عانوا كثيرا من ضعف حافظتهم، حتى قيل : أن القراءة استغرقت الجاحظ حتى نسي ما لا ينسى، رُوي عنه أنه قال : ،نسيتُ كُنيتي ثلاثة أيام حتى أتيتُ أهلي فقلتُ لهم : بمَ أكنّى؟ قالوا : بأبي عثمان‘.

ولذا ربما تجد بعضهم يصدّ عن المعرفة بحجة سوء ذاكرته، وهذا صحيح؛ فقد تكون الذاكرة ضعيفة أو تتردّى، ولكن القراءة لا تحمل المعلومة فقط، فالمعلومة غلاف للفهم، وكم لقينا ممّن هذّبته المعارف، ورَقتْ بعقله وذوقه، ولم تنهض به ذاكرته!.


 

 

وضاح هادي
  • القراءة
  • التربية والدعوة
  • مشاريع قرائية
  • قراءة في كتاب
  • تغريدات
  • أسرة تقرأ
  • الصفحة الرئيسية