اطبع هذه الصفحة


احـذروهما

يحيى بن موسى الزهراني

 
الحمد لله القائل : { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [ النساء18 ] ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك القائل في محكم التنزيل : { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [ الحشر2 ] ، والقائل في معجزة التأويل : { يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ } [ الحج19 ] ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه ، والمحذر من نيرانه ، القائل : " كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " قالوا : يا رسول الله ، ومن يأبى ؟ قال : " من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى " ، صلوات ربي وسلامه عليه ما أقبل نهار ، وأدبر ليل ، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . . أما بعد :
فما من بلاء إلا ولهما منه أكبر الحظ والنصيب .
ما من معصية إلا ولهما كفل من بعيد أو قريب .
إنهما دمار . . ويؤديان للعار . .
كم من بيت أضرما فيه النار . .
كم من أسرة تفككت أواصرها بسببهما . .
كم من رجل فعل الفاحشة بمحارمه لوجودهما . .
كم من فتيل أشعلاه . .
كم من هادئ أقلقا حياته . .
كم من متمسك بدينه خلعاه منه . .
كم زينا من معاص وآثام . .
كم جرا من ويلات عظام . .
كم من امرأة خانت بيتها وزجها وأطفالها لأجلهما . .
كم من امرأة هتك عرضها بسببهما . .
كم أفقدا فتاة عفافها وطهرها وكبرياءها . .
كم أوقعا من الرجال في الزلات والخطايا . .
كم جرا من ويلات وبلايا . .
إنهما سبب خراب البيوت ودمارها . .
إنهما سبب هلاك الدور وعمارها . .
إنهما سبب القحط والجدب . .
إنهما سبب عموم البلاء وكثرة الداء . .
سبَّبَا الطلاق . .
وأوجدا العقوق . .
بسببهما كثرة الجريمة . .
بسببهما وقعت ضائقات الأمور . .
ولأجلهما انتحر أناس . .
بسببهما زادت الهموم وتفاقمت الغموم . .
لوجودهما قلد شبابنا الكفار والمجرمين . .
لتأثيرهما السيئ تقمص أبناؤنا أشكال الفاسقين . .
ماذا أقول ؟ عن وحشين كاسرين ، عن ذئبين جائعين ، عن جنديين قاتلين ؟
ما أزهد سعرهما ، وما أشد تأثيرهما ؟
ما أسهل تركيبهما ، وما أصعب خروج أفكارهما ؟
لو أردنا أن نعدد مساوئهما لاحتجنا لوقت طويل ، وجهد ليس بالقليل ، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ، ومن السوار ما أحاط بالمعصم ، والعاقل تكفيه الإشارة .
والعبرة بمن اعتبر ، ولا عزاء لمن لم يتعظ ويتذكر .
فمن هما يا تُرى ؟
إنهما :
الإنترنت
والدش

أيها المسلمون في أنحاء الأرض . .
أيها المؤمنون في أصقاع المعمورة . .
أنشدكم الله أن تتأملوا كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتتمسكوا بهما فهما حصنان حصينان ، من لجأ إليهما نجا من الفتن ، وعصم من المعاصي والمحن ، ومن تركهما زاغ وضل سبيل المؤمنين ، قال ربنا تبارك وتعالى : { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً } [ النساء115 ] .
كم يسعى اليهود والنصارى ومن حذا حذوهم ، ونحا نحوهم ، واقتفى أثرهم لإشاعة الفاحشة بين المسلمين ، فمن استجاب لدعوتهم ، وقع في الحرام ، ومن وقع في الحرام ، استحق العقاب ، كم زينوا للناس الباطل على أنه حق ، والحرام على أنه حلال ، فوقع ضعاف النفوس فيما لا تحمد عقباه ، سفهاً منهم وتعمداً ، وربما أراد آخرون أن يجربوا فوقعوا فيما لا تقوى أنفسهم على مقاومته ومدافعته ، فأدمنوا مواقع الحرام في الإنترنت ، ومشاهد العري والفضيحة في القنوات ، حتى أضحت الأرض جدباء مقحلة ، لا ماء ولا نبات ، يستسقون فلا يُسقون ، يدعون فلا يُستجاب لهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
قال صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم " [ أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن ووافقه الألباني رحمه الله ] .
وويل لمن أراد إشاعة الفاحشة بين المسلمين ، ويل له ، ويل له ، قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النور19 ] .
وإني سائل كل من ركب دشاً على سطح بيته ، أو وضع الإنترنت في منزله ، أليست هناك أوقاتاً ، تتنقل فيها بين القنوات التي تعرض ما لا يجوز لك رؤيته ؟ أليست هناك لحظات تكتب في محرك البحث ما يحرم عليك مشاهدته ؟
أجب نفسك وأنت تقرأ هذه الأسطر ، فإن كان الجواب : نعم ، فاحذر من ذلك ، وأخرج ما أدخلته ، واخلع ما ركبته ، قبل أن تزل قدمك ، ويأبى عن قول شهادة الحق لسانك ، وحذاري أن تموت وأنت على معصية ، فالإنسان يُبعث على ما مات عليه .
وأحذرك من أولئك الدعاة من العلمانيين وأسيادهم الذين جلبوا لنا البلاء إلى عقر ديارنا ، لنشاهد الحرام ، ونسمع الحرام ، وبالتالي نقع في صنوف من الحرام ، وأنواع من الآثام ، حتى تستمرئها النفوس ، وتقبلها القلوب ، فتنكت فيها نُكتاً سوداء ، فتصبح لدينا قلوباً لا تنكر منكراً ، ولا تعرف معروفاً ، بل تنقلب الموازين والفطر ، وتنتكس المفاهيم ، فيصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً .
عن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ رضي الله عنه يَقُولُ : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ، قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَفِيهِ دَخَنٌ " ، قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : " قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْىٍ ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ " ، قُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا " ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : صِفْهُمْ لَنَا ؟ قَالَ : " هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا " ، قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : " تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ " ، قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ ؟ قَالَ : " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ " [ متفق عليه ] .
وكم رأينا اليوم ممن هم من بني جلدتنا ممن نافقوا اليهود والنصارى وقبلوا دينهم ، وارتووا من مذهبهم حتى سقطوا في الفتنة والعياذ بالله ، وبدءوا يروجون لذلك بين المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
قال تعالى : { وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [ النساء14 ] .
واحذر أيها العبد الضعيف الفقير أن يكون الله الجبار القهار أهون الناظرين إليك ، فإن فعلت فإنك إذاً من الخاسرين .
تذكر أن الله معك بسمعه وبصره ، يسمعك ويراك ، ويعلم علانيتك ونجواك ، فلا تنساه ، فإن نسيته فلن يقيم لك يوم القيامة وزناً ، وسوف تهلك مع الهالكين ، قال الله تعالى : { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً } [ النساء108 ] .
وقال عز من قائل عليماً : { الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } [ الأعراف51 ] .
وتأمل هذه الآية المزلزلة حيث يقول عز من قائل سبحانه : { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [ يونس61 ] .
فطوبى للمعتبرين والمنتهين ، وويل للمنتهكين والمُصرين .
والله من وراء القصد ، وهو وليي وعليه التكلان ، وبه المستعان .
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
 

كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك

 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية