اطبع هذه الصفحة


العشر من ذي الحجة وفضائلها

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفَّق من شاء من عباده لمداومة أعمال الطاعة، ونهى عن سلوك مسالك أهل التفريط والإضاعة، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من عبد ربه وأطاعه، اللهم صلِّ وبارك عليه وعلى آله وصحبه أفضل النماذج لمن طلب الخير واتباعه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى قيام الساعة، وسلم يا ربِّ تسليمًا كثيرًا . . أمّا بعد : فأوصيكم _ عبادَ الله _ ونفسي بتقوى الله ، فهي أربَح بضاعَة ، واستقيموا على أعمالِ الخير والطّاعة ، إلى أن تقومَ السّاعة ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } .

أيها المسلمون : أخرج الإمام أحمد في مسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَلاَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ _ يعني عشر ذي الحجة _ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ " [ رواه أحمد ] ، نعم عباد الله ، عشر ذي الحجة ، كالعشر الأواخر من رمضان ، فنحن نرى الناس يتسابقون في العشر الأواخر من رمضان إلى الأعمال الصالحة ، ويغفلون عن أيام العشر من ذي الحجة ، وقد قال جمع من أهل العلم : أن الأيام العشر الأول من ذي الحجة ، أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان ، وليالي العشر الأواخر من رمضان ، أفضل من ليالي العشر الأوائل من ذي الحجة ، فاغتنموا الفرص واقتنصوها ، وأكملوا عملها ولا تنقصوها ، وأروا الله من أنفسكم خيراً ، فعظموا حرمات الله ، وأشهره المحرمة ، قال تعالى : { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } ، فأنتم في أيام العشر ، في ميدان التسابق ، ومضمار التنافس ، فتزودوا من الأعمال الصالحة ما يقربكم من ربكم زلفى ، قال تعالى : { وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } ، فتصدقوا ، وصوموا ، وكبروا ، وهللوا ، واحمدوا ، وسبحوا ، وافعلوا الخير لعلكم تفلحون .

أيها المسلمون : من أعظم فضائل هذه الأيام ، أنها فيها ركناً عظيماً من أركان الإسلام ، فمن أقامه أقام الدين ، ومن هدمه جاحداً لوجوبه فقد هدم الدين ، ألا وهو الحج ، فالحج واجب على الفور لمن توفرت فيه شروطه ، من إسلام وعقل وبلوغ واستطاعة ، قال تعالى : { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ ، فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا " [ رواه أحمد وأبو يعلى والبيهقي وقال الشوكاني : حسن بالمتابعات ] ، فمن استطاع الوصول إلى بيت الله الحرام ، وأداء مناسك الحج ، وملك الزاد والراحلة ولم يحج ، فهو آثم مخطئ مُلام ، فمن لم يحج حج الفريضة ، الحج الواجب ، فالبدار البدار بالحج ، قبل أن تحصل العوائق ، وتحل الصوارف ، وطوبى للحجاج ، وهنيئاً لمن أعد العدة للحج هذا العام ، فقد جاء في فضل الحج أنه يغفر الذنوب كلها ، أولها وآخرها ، وأنه سبب لدخول الجنة ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رض الله عنه - قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : " مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ ، فَلَمْ يَرْفُثْ ، وَلَمْ يَفْسُقْ ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " ، وعَنْه رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا ، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ " [ متفق عليهما ] ، فبادروا بالحج ، واغتنموا فرص العمر والصحة والسعة والعافية ، قبل الفقر والهرم والشغل والمرض ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " تَعْجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِى الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ " [ رواه أحمد ] .

أيها المسلمون : قال تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ، وأخرج مسلم في صحيحه عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا ، لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ " ألا ما أعظم الله ، ألا ما أكرمه ، ما أحلمه ، ما أرأفه ، أكرم الأكرمين ، وأرحم الراحمين ، يمهل للمذنب لعله يتوب ، ويؤخر للعاصي لعله يئوب ، قال الرءوف الرحيم : { وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } ، من أجل ذلك شرع الله لعباده أوقاتاً ، وأزمنة تكفر الذنوب ، وتزيل الخطايا ، وتذهب الرزايا ، فمن ذلك يوم عرفة ، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة ، فقد جاء في فضله ، قوله صلى الله عليه وسلم : " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ " [ رواه مسلم ] ، فصوموا هذا اليوم ، وتحروا صيامه ، ففضله عظيم ، وثوابه جزيل ، فما أعظمه من يوم ، يوم يقف فيه المسلمون في خشوع وخضوع ، في دعاء ونداء ، يقفون لله الواحد القهار ، العظيم الجبار ، يرجون رحمته ، ويخشون عذابه ، إنه يوم عرفة ، وما أدراكم ما يوم عرفة ، ذلكم اليوم الذي يعتق الله فيه العباد من النار ، قال صلى الله عليه وسلم : " مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ " [ رواه مسلم ] ، يوم عرفة ما رؤي الشيطان أصغر ولا أحقر ولا أدحر منه في مثل يوم عرفة ، إلا ما كان يوم بدر ، فاقدروا له قدره ، واعرفوا له مكانته .

أخوة التوحيد والدين : ومن فضائل العشر من ذي الحجة ، أن فيها يوماً عظيماً ، وموسماً كريماً ، إنه يوم عيد الأضحى المبارك الذي عظم الله أمره ، ورفع قدره ، وسماه يوم الحج الأكبر ؛ لأن الحجاج يؤدون فيه معظم مناسكهم ، يرمون جمرة العقبة ، ويذبحون هداياهم ، ويحلقون رءوسهم ، ويطوفون بالبيت ، ويسعون بين الصفا والمروة ، في هذا اليوم المبارك ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى بعدما وقفوا الموقف العظيم يوم عرفة ، ورفعوا أكف الضراعة ، وذرفوا دموع التوبة والإنابة ، وتضرعوا إلى من بيده التوفيق والإجابة ، ثم أفاضوا إلى المزدلفة ، وباتوا بها اتباعاً لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم القائل : " خذوا عني مناسككم " ، يوم عيد الأضحى المبارك ، جعله الله عيداً يعود بخيره ، وفضله ، وبركته على المسلمين جميعاً ، حجاجاً ومقيمين ، فيه يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح هداياهم وضحاياهم ، اتباعاً لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فقد نحر صلى الله عليه وسلم الهدي بيده الشريفة ، في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة ، " وضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ " [ رواه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه ] ، اللهم استر عيوبنا ، وامح ذنوبنا ، وتقبل توبتنا ، وتجاوز عن سيئاتنا ، اللهم فرج كربتنا ، واشف مرضانا ، وعاف مبتلانا ، برحمتك يا أرحم الراحمين ، عباد الله : أقول ما سمعتم ، وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه وتوبوا إليه ، فيا فوز المستغفرين والتائبين .

الحمد لله عظيم الآلاء ، نحمده على ما منح من النعماء ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أخرجنا من الجاهلية الجهلاء ، والظلمة الظلماء ، إلى النور والضياء ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير الأصفياء ، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الأوفياء ، والتابعين لهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء .

عباد الله : أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِذَا رَأَيْتُمْ هِلاَلَ ذِي الْحِجَّةِ ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ " ، فمن دخلت عليه العشر من ذي الحجة ، وهو يريد أن يضحي ، فلا يأخذ من شعره أو ظفره أو بشرته شيئاً حتى يذبح أضحيته ، وهذا الحكم يخص صاحب الأضحية أي من يشتريها ليضحي بها ، ولا يخص من يُضحى عنه ، كالزوجة والأولاد ، فليسوا مخاطبين بالإمساك عن شعورهم وأظفارهم وأبشارهم ، إنما الحكم منوط بالمضحي ، ومن أخذ شيئاً من شعره أو ظفره متعمداً ، فهو آثم ، وعليه التوبة والاستغفار ، والأوبة إلى الله والاعتذار ، وأضحيته صحيحة ولا فدية عليه ، سوى الندم والخوف من الله الواحد القهار ، ألا فاعلموا عباد الله أن الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها ، ولا ينبغي لمسلم موسر وسع الله عليه ، أن يدعها لما فيها من اتباع لهدي كتاب ربنا ، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } ، وقال صلى الله عليه وسلم : " مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا ، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْساً " [ رواه الترمذي وقال حديث حسن ] ، فالحكمة العظمى من ذبح الأضاحي تظهر في قوله جل وعلا : { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } فالذبح وإراقة الدماء في المناسك على اسم الله ، مشروعاً في جميع الملل ، فضحوا تقبل الله ضحاياكم ، وتقربوا إلى الله بهداياكم .

أيها المسلمون : ونحن نستقبل العشر من ذي الحجة ، فإنه يسوؤنا والله ما آلت إليه أحوال أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وما انتهت إليه أوضاعنا الحاضرة ، وأخبارنا المعاصرة ، من صور مأساوية ، في كثير من الأقطار الإسلامية ، فإذا نظرت يميناً أو شمالاً رأيت الأشلاء والدماء ، ومشاهد القتل الهمجي ، والوضع الوحشي القمعي ، منافسات سياسية ، وأوضاع متردية اقتصادية ، وتفككات أسرية ، قتال وتداحر ، وتطاحن وتناحر ، تناثر جمع الأمة ، وانفرط عقدها ، لقد أصبحت الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم : " غثاء كغثاء السيل " ، كل يقول : نفسي ، نفسي ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، أنهكتنا ، الأسهم والسندات ، وجمع الأموال والتجارات ، حتى تردى حال الأمة ، وزادت عليها الغمة ، ونسينا إخواناً لنا قتلهم الجوع والعطش ، ومات أطفالهم مرضى ، وأضحت ديارهم قفراً ، وتعامينا عن قول ربنا في سورة القتال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، وقول الكبير المتعال : { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ } ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : " الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ " [ متفق عليه ] ، لماذا تحرك العالم بأكمله شجباً واستنكاراً عند انفجار الهند ، وتغاضى أو تعامى عما يحصل للمسلمين في فلسطين من قهر وظلم ؟
هل قتل صهيوني واحد جريمة لا تغتفر *** وقتل شعب مسلم قضية فيها نظر
فالأقصى يدنس ، وهيكلهم المزعوم يقدس ، أين العالم بأممه وهيئاته ومنظماته عن ظلام غزة الدامس ؟ إنها هيئات مزعومة ، ومنظمات موهومة ، تسعى لحقوق الكفار الفجار ، وتتغاضى عن حقوق المسلمين الأحرار ، لكم الله يا أهل غزة ، لكم الله يا أهل غزة ، فابشروا وأملوا خيراً ، فما بعد العسر إلا يسراً ، وليس بعد الذل إلا عزاً ، ولا يتبع الظلم إلا نصراً ، قال تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ } ، ما أعظم الجراح ، وما أشد العويل والصراخ ، ينطلق من هنا وهناك ، ولا ناصر لهم إلا العلي القدير ، ولا مجيب لهم إلا السميع البصير ، فنعم المولى ونعم النصير .

أيها المؤمنون الموحدون : إنه كلما كثرت مآسي المسلمين فإن البشائر كثيرة ، والفأل مطلوب ، وأمة الإسلام أمة معطاءة ، أنجبت القادة والعلماء ، والأبطال والعظماء ، والخير فيها إلى قيام الساعة ، فاليأس مردود ، والتشاؤم مذموم ، وبشائر نصرة الإسلام كاثرة متكاثرة بحمد الله ومنته ، فياله من دين عظيم قويم ، لو كان له متبع مستقيم ، إن كثيراً من الكفار يريدون الإسلام ويبحثون عنه ، لما يمتاز به من تحقيق الأمن والأمان ، ومن توفر الكمال والشمول ، مما لا يتحقق في ظل الأنظمة الأرضية ، والشعارات الجاهلية البشرية ، التي بان عوارها ، وثبت إفلاسها ، ألا وإن المستقبل بحمد الله لهذا الدين ، وإن النصر والعز والتمكين ، لعباد الله المؤمنين وصدق القوي المتين : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ } ، فتمسكوا بدينكم ، وعضوا عليه بالنواجذ ، ففيه الهدى والنور ، وفيه النصر والحبور ، والبشر والسرور ، هذا وصلوا وسلموا على سيد المجاهدين ، وإمام الفاتحين ، وقائد المقاتلين ، محمد بن عبد الله ، فقد أمركم الله بذلك فقال عز من قائل سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } اللهم صل وسلم وبارك على الحبيب محمد ، النبي المسدد ، وعلى آله وأصحابه والتابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، ودمر أعداء الدين ، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، الله وفق ولي أمرنا بتوفيقك ، وأيده بتأييدك ، واجعل عمله في رضاك ، اللهم هيئ له بطانة صالحة ، تدله على الخير وتعينه عليه ، وجنبه بطانة السوء الخائنة ، اللهم وفقه وإخوانه ووزراءه وأمراءه وعماله ، لكل ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين ، اللهم أصلح وسائل الإعلام ، في بلاد الإسلام ، يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم اجعلها قنوات خير وبر وتوجيه وإرشاد ، اللهم أصلح القائمين عليها ، اللهم من أرادنا وأراد ديننا بسوء فاشغله بنفسه ، اللهم من أراد شبابنا ونساءنا بشر ، فاجعل كيده في نحره ، واجعل تدميره في تدبيره يا قوي يا عزيز ، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ، يا حي يا قيوم ، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين ، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين ، اللهم انصر إخواننا المسلمين المضطهدين في دينهم في كل مكان ، اللهم هيئ لهم وسائل النصر والتمكين على أعدائهم ، يا قوي يا عزيز ، اللهم عليك بالصهاينة المعتدين ، اللهم عليك باليهود الغاصبين ، والأعداء المحتلين المعاندين ، اللهم فرق شملهم ، وشتت جمعهم ، واجعل بأسهم بينهم ، اللهم أحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تبق منهم أحداً ، يا رب العالمين ، عباد الله : إن الله أمركم بثلاث ، ونهاكم عن ثلاث ، فقال سبحانه : { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون .
 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية