اطبع هذه الصفحة


التوبة وكسب الحسنات

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


التوبة والندم ، والرجعة والعزم


الحمد لله الذي بتحميده يستفتح كل كتاب ، وبذكره يصدر كل خطاب ، وبحمده يتنعم أهل النعيم في دار الثواب ، وباسمه يتسلى الأشقياء وإن أرخى دونهم الحجاب ، وضرب بينهم وبين السعداء بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، ونتوب إليه توبة من يوقن أنه رب الأرباب ، ومسبب الأسباب ، وقاهر الصلاب ، ونرجوه رجاء من يعلم أنه الملك الرحيم الغفور التواب ، ونمزج الخوف برجائنا مزج من لا يرتاب ، أنه مع كونه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ، ونصلى ونسلم على نبيه محمد الأواب ، الداعي إلى المنهج القويم الصواب ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه خير أهل وأصحاب ، وأفضل آل وأحباب ، صلاة تنقذنا من هول المطلع يوم العرض والحساب ، وتمهد لنا عند الله زلفى وحسن مآب .
أيها الأخوة الكرام ، اعلموا أن الله خلق بني آدم معرضًا للخطيئات ، وكذلك معرضًا للتقصير في الواجبات ؛ فضاعف الحسنات ، ولم يضاعف له السيئات ، قال الله تعالى : { مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [ الأنعام160 ] .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا ، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ ، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا ، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا ، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً " [ رواه البخاري ومسلم ] .
فشرع الله لكسب الحسنات ، طرقًا للخيرات ، وفرائض مكفرات للسيئات ، رافعة للدرجات .
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ " [ رواه مسلم ] .
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رضي الله عنهما يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاَهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا ، رَجَاءَ ثَوَابِهَا ، وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا ، إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ " ، قَالَ حَسَّانُ _ أحد رواة الحديث _ فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ ، مِنْ رَدِّ السَّلاَمِ ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً " [ رواه البخاري ] .
وعَنْ أَبِى ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " الإِيمَانُ بِاللَّهِ ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ " . قُلْتُ : أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَناً " . قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ : " تُعِينُ صَانِعاً ، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ " . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ ؟ قَالَ : " تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ " [ رواه البخاري ومسلم ] .
وعَنْ أَبِى ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : " لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ " [ رواه مسلم ] .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا " [ رواه مسلم ] .
وكما شرع الله كثرة أبواب الخير والحسنات ، سد أبواب الشر والمحرمات ؛ وحرم وسائل المعاصي والسيئات ، وكل ما يفضي إلى فعلها والوصول إليها ، ليثقل ميزان البر والخير ، ويخف ميزان الإثم والشر ، فيكون العبد من الفائزين المفلحين ، قال الله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ الأعراف 33 ] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " [ رواه البخاري ومسلم ] .
وجماع الخير ، وملاك الأمر ، وسبب السعادة في الدنيا والآخرة ، التوبة إلى الله عز وجل ، قال الله تعالى : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ النور31 ] .
ومعنى التوبة : الرجوع إلى الله ، والإنابة إليه من فعل المحرم والإثم ، أو من ترك واجب ، أو تقصير فيه ، بصدق قلب ، وندم على ما كان .
وقد أجمع علماء الأمة الإسلامية على وجوب التوبة ، قال القرطبي رحمه الله : " واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين " .
وقد آن الأوان للتوبة في عصر بَعُدَ فيه الكثير عن دين الله ، فاستصغروا الذنوب ، واستسهلوا أمرها ، وغفلوا عن تبعتها ، فلم يبالوا بما اقترفوه من ذنوب وآثام ، ولم يشعروا بالذنب ولا بتأنيب الضمير ، فعمّت المعاصي ، وانتشر الفساد .
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه قَالَ : " إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً ، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُوبِقَاتِ " [ رواه أحمد ] .
فإن كان هذا حالهم في ذلك الزمان، فما بالنا نحن في زماننا هذا؟.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ " ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلاً : كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاَةٍ ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِىءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِىءُ بِالْعُودِ ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَاداً _ أعواداً كثيرة _ فَأَجَّجُوا نَاراً ، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا " [ رواه أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 2687 ] . ‌
فكذلك الذنوب إذا تكاثرت على العبد ، وأغرق نفسه في لججها وأهوالها ، فإنه ربما خُتم على قلبه والعياذ بالله ، فمات عليها ، فأهلك نفسه .
والتوبة النصوح يحفظ الله بها الأعمال الصالحة التي فعلها العبد ، ويكفر الله بها المعاصي التي وقعت ، ويدفع الله بها العقوبات النازلة والآتية ، قال تعالى : { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } [ يونس 98 ] .
فلا ينبغي أن ينظر المرء إلى صغر المعصية بل ينظر إلى عظمة من عصى، قال تعالى : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ } [ الحجر50 ] .
ليسلك جميع المذنبين طريق التوبة ، لينجوا بأنفسهم من عذاب الله .
روى ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية عن قتادة قال : " لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت إلا قوم يونس ؛ لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح ، وألهوا بين كل بهيمة وولدها _ أي فرقوا بينهما _ ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة ؛ فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم .. انتهى " ، وقال تعالى : { وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } [ هود 3 ] .
والتوبة واجبة على كل أحد من المسلمين ؛ فالواقع في كبيرة تجب عليه التوبة ، لئلا يبغته الموت وهو على المعصية ، والواقع في صغيرة تجب عليه التوبة ، لأن الإصرار على الصغيرة يكون من كبائر الذنوب ، والمؤدي للواجبات التارك للمحرمات تجب عليه التوبة أيضاً لما يلزم في العمل من الشروط ، ولما يلزم من انتفاء موانع قبوله ، وما يُخشى على العمل من الشوائب المُحذر منها كالرياء والسمعة .
عن الأَغَرَّ _ رَجُلاً مِنْ جُهَيْنَةَ _ يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ " [ رواه مسلم ] .
والتوبة باب عظيم يتحقق به الحسنات الكثيرة العظيمة التي يحبها الله ؛ لأن العبد إذا أحدث لكل ذنب يقع فيه توبة ، كثرت حسناته ، ونقصت سيئاته ، قال الله تعالى في آياته وعظاته : { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } [ الفرقان 68-70 ] .
ثم اعلموا أيها الأخوة في الله ، أن سعة رحمة الله ، وعظيم فضله ، وحلمه وجوده وكرمه ؛ منة منه على عباده ، فهو سبحانه يقبل توبة التائبين ، ويقيل عثرة المذنبين ، ويرحم ضعف هذا الإنسان المسكين ، ويثيبه على التوبة ، ويفتح له أبواب الطهارة والخيرات ، عَنْ أَبِى مُوسَى رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا " [ رواه مسلم ] .
والتوبة من أعظم العبادات وأحبها إلى الله تعالى ، من اتصف بها تحقق فلاحه ، وظهر في الأمور نجاحه ، قال تعالى : { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ } [ القصص67 ] .
وكفا بفضل التوبة شرفاً ، فرح الرب بها فرحاً شديداً ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ ، مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضِ فَلاَةٍ " [ رواه البخاري ومسلم ] .
والتوبة من صفات النبيين عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين ، قال الله تعالى : { لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة 117 ] .
وقال تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام : { قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف 143 ] ، وقال تعالى عن داود عليه السلام : { اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ ص 17 ] ، وقال تعالى : { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة 112 ] .
ألا ما أجل صفة التوبة التي بدأ الله بها هذه الصفات المُثلى من صفات الإيمان ، والتوبة تكون بالجوارح والقلب .
واليوم الذي يتوب الله فيه على العبد خير أيام العمر ، والساعة التي يفتح الله فيها لعبده باب التوبة ويرحمه بها أفضل ساعات الدهر ، لأنه قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً .
وفي قصة توبة الله على كعب بن مالك عن تخلفه عن غزوة تبوك ، أنه قَالَ : فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَيَقُولُ : " أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ " [ رواه البخاري ومسلم ] .
أيها الأخوة ، لابد أن تحيط بالإنسان أخطار عظيمة ، وتتخلله خُطوب جسيمة ، وقد نزل بالمسلمين نوازل وزلازل ، وأصابتهم الفتن والمحن ، وإنه لا مخرج لهم من هذه المضايق وهذه الكربات إلا التوبة إلى الله والإنابة إليه ؛ فالتوبة واجبة على كل مسلم على وجه الأرض من الذنوب صغيرها وكبيرها ، ليرحمنا الله في الدنيا والآخرة ، ويكشف الشرور والكربات ، ويقينا عذابه الأليم ، وبطشه الشديد .
قال أهل العلم : إذا كانت المعصية بين العبد وربه ، ولا حق لآدمي فيها ، فشروطها ما يلي :
1- أن يقلع عن المعصية فوراً .
2- وأن يندم على فعلها ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " النَّدَمُ تَوْبَةٌ " [ رواه ابن ماجة عن ابن مسعود ، والطبراني من حديث أبي سعيد ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 6803 ] .
3- وأن يعزم على ألا يعود إليها .
4- وأن يخلص لله في ذلك ، فمن أخلص لله قبل الله توبته ، ومحا خطيئته ، قال صلى الله عليه وسلم : " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصاً وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ " [ رواه أبو داود والنسائي ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ] .
5- وأن يصدق مع الله ، فمن صدق الله ، صدقه الله عز وجل ، فالصدق ينجي من المهالك ، ولو كان في الظاهر أنه يودي بصاحبه إلى المهالك ، بل طريق إلى الجنة ، قال الله تعالى : { قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ المائدة119 ] ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقاً ، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّاباً " [ رواه البخاري ومسلم ] .
وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي ، فلا بد مع هذه الشروط من شرط سادس :
6- أن يؤدي إليه حقه ، أو يستحله منه بالعفو عنه ، واحرص كل الحرص أن لا يبقى لإنسان عندك مظلمة في هذه الحياة الدنيا ، بل قبل ذلك احرص على ألا تظلم أحداً من خلق الله ، وإلا فستبوء بالخسارة يوم القيامة ، يوم الحسرة والندامة ، حيث هناك الحسنات والسيئات ، وهي رأس كل مسلم يوم القيامة ، إذ لا تنفع الأموال ولا العقارات ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ " ، قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ ، فَقَالَ : " إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي ، من يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي وقَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ " [ رواه مسلم ] .

وقد ساق ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابيه :
الجواب الكافي ، والفوائد ، أضراراً كثيرة للذنوب منها :
 

حرمان العلم

الوحشة في القلب

تعسير الأمور

وهن البدن

حرمان الطاعة

محق البركة

قلة التوفيق

ضيق الصدر

تولّد السيئات

اعتياد الذنوب

هوان المذنب على الله وهوانه على الناس

لباس الذل

الطبع على القلب والدخول تحت اللعنة

منع إجابة الدعاء

ذهاب الحياء

زوال النعم ونزول النقم

الرعب في قلب العاصي

الوقوع في أسر الشيطان

سوء الخاتمة

عذاب الآخرة

 


ويجب على من رغب في التوبة وخشي أن لا يغفر الله له أن يتأمل قوله تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر53 ] .
وأن يتفكر في الفوائد التي سيجنيها من التوبة :
فالتوبة تمحو الذنوب ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ " [ رواه ابن ماجة عن ابن مسعود ، والطبراني من حديث أبي سعيد ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 3008 ] .
والتوبة تبدل السيئات إلى حسنات ، قال تعالى : { إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } [ الفرقان70 ] .
والتوبة سبب في الفلاح في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ } [ القصص67 ] ، وقال سبحانه : { إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً } [ مريم60 ] .
والتوبة من جميع الذنوب واجبة ، وإن تاب من بعض الذنوب صحت توبته من ذلك الذنب ، وبقي عليه ما لم يتب منه ؛ فتوبوا إلى الله أيها المسلمون ، وأقبلوا إلى رب كريم ، أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ، وآتاكم من كل ما سألتموه ، ومد في آجالكم .
وتذكروا قصص التائبين المنيبين الذين من الله عليهم بالتوبة النصوح بعد أن غرقوا في بحار الشهوات والملذات ؛ فانجلت غشاوة أبصارهم وحيت قلوبهم واستنارت نفوسهم ، وأيقظهم الله من موت الغفلة وبصرهم من عمى الغي وظلمات المعاصي ، وأسعدهم من شقاء الموبقات فصاروا مولودين من جديد مستبشرين بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ التحريم 8 ] .
ولقد وهب الله لكم الآجال ، ومكنكم من صالح الأعمال ، لتجعلوها وسيلة إلى مرضاة ربكم ذي العزة والجلال ، فبالعمل الصالح يتقرب العباد ، وبه تتطهر القلوب من الزيغ والفساد ، قال الله تعالى : { وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } [ سبأ 37 ] .
واعلموا أن وراءكم طالباً حثيثاً لن تفوتوه ؛ فلا تدرون متى يفجأ أحدكم الموت ، عندئذ يتمنى المرء لو فسح له في أجله ، وأصلح من عمله ، فلا يؤخر في الأجل ، ولا يتمكن من صالح العمل ، قال الله تعالى : { حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [ المؤمنون 99 – 100 ] ، وفي الحديث عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ " [ رواه الترمذي وقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَمَعْنَى قَوْلِه : " مَنْ دَانَ نَفْسَهُ " يَقُولُ : حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ] .
فتذكروا أين آباؤكم وجيرانكم وأصدقاؤكم وأقرباؤكم ، لقد قدموا على الله بأعمالهم ، وكل مجازى بحسب عمله ، فريق في الجنة ، وفريق في السعير ، وأنتم على آثارهم سائرون ، وبهم لاحقون ؛ فهل ترون من الأجيال الخالية أحد ؟ أو تسمعون لأصواتهم صدى ؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " اذكروا هادم اللذات _ يعني الموت _ ما ذكر في قليل إلا كثره ، ولا في كثير إلا قلله " ، واستعدوا له بالتوبة الصادقة في كل وقت لئلا يحال بين أحدكم وبين الدنيا بعمل سيء ، يشقى به ، ولا يفلح بعده .
اللهم ألف بين قلوب المسلمين ، وأصلح ذات بينهم ، وأصلح أحوالهم يا أرحم الراحمين ، اللهم أصلح ذات بينهم ، واهدهم سبل السلام ، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك إنك أنت القوي المتين يارب العالمين .
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ونفس كرب المكروبين من المسلمين ، اللهم واشف مرضانا ومرضى المسلمين يارب العالمين ، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين ، اللهم ضاعف حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم يا أرحم الراحمين .
اللهم أعذنا وذريتنا من إبليس وذريته وجنوده وشياطينه يا رب العالمين ، اللهم أعذ المسلمين من الشيطان الرجيم وذريته وجنوده وشياطينه يارب العالمين ، اللهم اجعل بلادنا آمنة مطمئنة رخاء وسائر بلاد المسلمين يارب العالمين ، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ولاة أمورنا .
اللهم وفق ولي أمرنا إمامنا لما تحب وترضى ، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك ، اللهم وأعنه على أمور الدنيا والدين ، اللهم انصر به دينك وأعلي به كلمتك إنك على كل شيء قدير ، اللهم ووفق نائبه لما تحب وترضى ، اللهم أعز به الإسلام إنك أنت الله لا إله إلا أنت ، أنت على كل شيء قدير .
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة .
يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله ، اللهم أعذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأعذنا من شر كل ذي شر يارب العالمين يا أرحم الراحمين ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
 

كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك

 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية