اطبع هذه الصفحة


خطبة استسقاء

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول،لا إله إلا هو إليه المصير،وكل شيء إليه يسير، له الخلق والتدبير ، يرفع العمل الصالح ويقبله وهو السميع البصير ، يفيض على عباده النعم ، ويزيل عنهم النقم بمنه وكرمه وإليه المرجع والمصير ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء قدير ، يُعصى فيغفر ، ويُطاع فيشكر ، وهو الحكيم الخبير ، هو الغني عن عباده وهم الفقراء إليه وهو العلي الكبير ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخيرته من خلقه ، عظيم السجايا ،كريم العطايا ،خير من أعطي فشكر ، وأتقى وصبر ، وصلى وصام واستغفر ، صلوات ربي وسلامه عليه،وعلى آله وأصحابه الميامين الغرر ،والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المحشر . . أما بعد : فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أن ما بكم من نعمة فمن الله : { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } .
عباد الله : إنكم قد خرجتم من دياركم تشكون إلى الله جدب أرضكم ، وانحباس المطر عن إبانه ، وإنكم لم تخرجوا أشرين ولا جبارين ، ولا للجاه سائلين ، ولا للمال طالبين ، وإنما خرجتم افتقارًا لرب العالمين ، ولمغفرته طالبين ، ولرزقه راغبين ، مبتهلين للولي الحميد ، أن يعفو عنكم ، ويتجاوز عن ذنوبكم ، ويغفر لكم ؛ فأروا الله من أنفسكم ما يستجلب خيره ، ويرفع ضره .
عباد الله : ما من ذنب يقع إلا بمعصية ، ولا يرتفع إلا بتوبة ، فالمعاصي معاول هدم ، وأدوات دفن ، تهدم العقيدة ، وتدفن التوحيد ، والتوبة تجدد الإيمان ، وتزيد الإحسان ، وتبعث في النفس سراج النور ، ومشعل الحق والسرور ، لأجل المعاصي والآثام ، والجرائم العظام ، يعاني العالم بأكمله تحديات متنوعة ، ومصائب متكاثرة ، وآفات مختلفة ، فها هو العالم ينادي ، مستغيثًا من ارتفاع معدلات الجريمة ، وكثرة أنواع الجناية ، تدهور في الاقتصاد ، واحتباس للحرارة في شتى البلاد ، كل ذلك بما كسبت أيدي العباد ، فقر يراد ، وغلاء يزداد ، تضخم مخيف ، وتمرد سخيف ، ديون تتراكم ، وويلات تتعاظم ، ألا فلنأخذ من ذلكم العظات والعبر ، والدروس الدرر ، ألا فلنعلم أن الربا سبب للحرمان من الأمطار ، ومنع الزكاة حبس عن الخير المدرار ، وانتشار الفواحش يؤدي إلى موت الدواب والأشجار ، وافتقار الفيافي والقفار ، ألا وإن أعظم أسباب فقدان الأمن ، وحلول المخاوف والمصائب ، البعد عن المنهج الإلهي ، والمخالفة للنهج النبوي ، فتسود المعاصي والشنائع ، وتتفشى الذنوب والفظائع ، يقول ربنا جل وعلا : { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } ، ويقول ربنا جل وعلا في كلامه العظيم ، مصورًا لنا واقعا يعانيه مجتمع اليوم : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } ، نستغفر الله ، نستغفر الله ، نستغفر الله .
عباد الله : ألا إنه ما ابتعد الناس عن التقوى والإيمان ، إلا وفقدوا الاستقرار والأمان ، وابتلوا بالمصائب والنكبات ، ومنعوا القطر والزخات : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِـم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } ، فإذا ما رمتم أمطاراً غزاراً ، وماءً وأنهاراً ، وقوة وانتصاراً ، فاستغفروا الله إنه كان غفاراً ، { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } ، وما دواء العصيان إلا التوبة ، ودرب الاستقامة مطراً وماءً { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا } ، وما علاج القحط إلا الاستغفار ، والتفكر والاستبصار ، والندم والانكسار : { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ويُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكِمْ جِنّاتٍ وَيَجْعَلْ لًكُمْ أًَنْهَاراًَ } ، ألا فاعلموا أن الاستغفار ، أمان من عذاب الله الشديد ، وأمن يوم الوعيد ، قال الولي الحميد : { وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } ، نستغفر الله ، نستغفر الله ، نستغفر الله ، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، اللهم ارحمنا بترك المعاصي أبداً ، فضلاً منك ومنَّاً .
عباد الله : ما أحلم الله على عباده ، ما أعظم صبر الله ، ما أطول إمهال الله ، الله يمهل ولا يهمل ، ولو أنه أخذ الناس بأول الجرم ، وابتداء الإثم ، ما ترك على الأرض من أحدٍ أبداً ، عدلاً منه وقسطاً ، ولكنه غفور رحيم ، رؤوف كريم ، قال العزيز العليم : { وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } ، ألا وإن المتأمل في واقع كثير من الناس اليوم ، ليجد عجباً ، ابتعاد عن دين الله القويم ، وانحراف عن صراطه المستقيم ، وقوع في فخاخ قنوات مميتة ، وبراثن برامج مقيتة ، قنوات تدعوا إلى الرذيلة ، وتقتل الفضيلة ، اختلاط بين الفتيان والفتيات ، في مشاهد مؤلمة ، يُخدش فيها الحياء ، وتغضب رب الأرض والسماء ، حتى قلد الأبناء والبنات ما شاهدوا ، وتقمصوا ما رأوا وأبصروا ، فحصلت الخلوات المحرمة ، والعلاقات المجرمة ، في غفلة من الآباء والأمهات ، فحصلت فتن ومواجع ، تقض المضاجع ، عصيان وزلل ، وفساد وخلل ، لا ينجو منها إلا من أرد النجاة ، وزهد في هذه الحياة ، واستعد للقاء الله ، ألا فاتقوا الله أيها الآباء والأمهات ، وقوموا بما أوجب الله عليكم من أداء الأمانات ، والاضطلاع بالمسؤوليات ، فارعوا أبناءكم وبناتكم ، وأدوا أماناتكم ، فقد أمركم بذلك مولاكم ، فقال ربكم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } ، اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لنا وارحمنا ، وتب علينا وسامحنا ، نستغفر الله ، نستغفر الله ، نستغفر الله .
عباد الله : إن من أعظم المعاصي ضراوة وحدوثاً ، وألماً وإحداثاً ، ضياع شعيرة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، في كثير من مجتمعات الإسلام ، الشعيرة التي أمر بها الملك العلام ، وحاربها كثير من الكُتَّاب ووسائل الإعلام ، دونما حسيب أو رقيب ، وما كتبوه عن الله لن يغيب ، في صور من الاستهزاء والسخرية والاستهجان ، وقد قال الواحد الديان : { قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } ، لقد خرج من كُتَّاب المسلمين من يستهزئ بهذه الشعيرة وبرجالها ؟ بل طالب بإزالتها وإلغائها ، فويل لمن كتبوا ، وبئس ما كسبوا ، ولعلها لم تطرق أسماعهم آيات مسطرة سائدة ، في سورة المائدة ، فقد قال الله تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } ، فلابد من الأخذ على أيدي السفهاء ، وإلا وقع في الأرض فساد كبير ، وشر مستطير ، تدق معه نواقيس الخطر ، مؤذنة بمساوئ وضرر ، تأخذ الصالح والطالح ، قال صلى الله عليه وسلم : " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ، هم أعز منهم ، وأمنع ممن يعملوا ، ثم لم يغيروه ، إلا أعمهم الله تعالى منه بعقاب " [ وهو حديث سنده صحيح عند أهل العلم ] ، وروى أهل السنن بسند صحيح من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه " ، نستغفر الله ، ونستغفر الله ، ونستغفر الله .
عباد الله : اعلموا أن في الاستغفار ، فوائد لا تحصى ، وفضائل لا تستقصى ، الاستغفار يقيل العثرات ، ويمحو الزلات ، ويزيل الهفوات ، الاستغفار يذهب الهموم ، ويزل الكروب والغموم ، فاستغفروا الله الحي القيوم ، قال صلى الله عليه وسلم : " من لزم الاستغفار ، جعل الله له من كل هم فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً ، ورزقه من حيث لا يحتسب " ، اللهم يا باسط اليدين بالعطايا ، اغفر لنا الذنوب والرزايا ، والسيئات والخطايا ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء ؛ أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً ، سحاً غدقاً طبقاً مجللاً ، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا بلاء ولا غرق ، اللهم لتحيي بها البلاد ، وتسقي به العباد ، ولتجعله بلاغًا للحاضر والباد ، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا ، اللهم إنا خلق من خلقك ، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك ، نستغفر الله ، نستغفر الله ، نستغفر الله ، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً ، فأرسل السماء علينا مدراراً ، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
 



 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية