اطبع هذه الصفحة


الحجر والشجر المثمر

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يُرمى بالحجر . . . . . . . إلا الشجر المثمر
الحمد لله أمر بالأخوة والوفاق ، وحذر من النفاق والشقاق ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخلاق الرزاق ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله موصوف بأحسن الأخلاق ، صلوات ربي وسلامه عليه
فقد اخترت لكم موضوعاً من الموضوعات المهمة ، التي تهم كثيراً من تيوس الأمة
ألا وهو موضوع العصر ، بل كل عصر ، موضوعٌ عنوانه معناه .
ولقد اخترت لكم صورة البداية ليكون فيها عبرة للمعتبرين ، وذكرى للذاكرين ، وهي صورة لشجرة اليهود _ الغرقد _ وبجانبها يهوديان حاسدان .
وكأني بكم قد عرفتم ما سأتحدث عنه ، وسوف يكون حديثي بإذن الله من القلب ، ليصل إلى قلب كل مؤمن ومؤمنة صادق مخلص لله ، وتم اختيار تلك الصور ، لأن الصور لها معان معبرة ، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
عنوان مقالتي هذه :

الحجر . . . والشجر المثمر ، وتفسيرها سهل يسير .

فالحجر : أداة الحساد ، والشجر المثمر : نجاح المحسود .
هناك أناس منحوا أنفسهم رخصة من الله ، وادعوا أن الله قد وكلهم على العباد ، ليراقبوا أعمالهم وأقوالهم ، ثم يحاسبونهم ويجازونهم عليها ، وقد كذبوا والله بزعمهم هذا .
فالله عز وجل لما أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم ، بالهدى ودين الحق ، ليكون للناس بشيراً ونذيراً ، ما قال له : أنت الوكيل على هؤلاء الناس ، وأنت مكلف بهدايتهم ؟
بل قال له كما في القرآن الكريم :
{ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } [ المائدة92 ] .
جاء في تفسيرها : امتثلوا أيها المسلمون طاعة الله وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما تفعلون وتتركون , واتقوا الله وراقبوه في ذلك , فإن أعرضتم عن الامتثال ، فعملتم ما نُهيتم عنه , فاعلموا أنما على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين .
وقال تعالى : { مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } [ المائدة99 ] .
جاء في تفسيرها : أن الله تعالى يبيِّن أن مهمة رسوله صلى الله عليه وسلم هداية الدلالة والتبليغ , وبيد الله وحده هداية التوفيق , وأن ما تنطوي عليه نفوس الناس مما يُسرون أو يعلنون من الهداية أو الضلال يعلمه الله .
وقال عز وجل : { وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } [ الرعد40 ] .
جاء في تفسيرها : وإن أريناك أيها الرسول بعض العقاب الذي توعَّدْنا به أعداءك من الخزي والنَّكال في الدنيا ، فذلك المعجَّل لهم , وإن توفيناك قبل أن ترى ذلك , فما عليك إلا تبليغ الدعوة , وعلينا الحساب والجزاء .
فإذا كان هذا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف يتجرأ بعض الناس في القدح في فلان ، والتنقص منه ، بقصد أو بدون قصد ، فمن سمح لهم بذلك ؟ ومن أمرهم بذلك ؟ من أين أتوا بالجواز على فعلهم القبيح ؟ وهل الله عز وجل جعلهم وكلاء على الناس ؟
أسئلة كثيرة تدور في المخيلة ، فكيف سيجيبون ؟ وماذا سيقولون ؟
الله عز وجل قال لنبيه في كتابه العزيز :
{ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } [ الأنعام107 ] .
جاء في تفسيرها : ولو شاء الله تعالى أن لا يشرك هؤلاء المشركون لما أشركوا , لكنه تعالى عليم بما سيكون من سوء اختيارهم واتباعهم أهواءهم المنحرفة .
وما جعلناك عليهم رقيبًا تحفظ عليهم أعمالهم , وما أنت بقَيِّمٍ عليهم تدبر مصالحهم .
فويل لمن نصَّبوا أنفسهم وكلاء على الناس ، يقدحون في أعمالهم وأقوالهم _ أمام الناس _ وهم يقصدون النيل منهم ، والحط من مكانتهم عند الناس ، والذين ثبت باليقين أنهم يدعون إلى الله على بصيرة ، وثبت حب الناس لهم ، وثبت نفعهم للناس .
فما كان من الحساد إلا أن تمالئوا عليهم ، فأخذوا يكيدون لهم المكائد ، وينصبون لهم المصائد ، حسداً من عند أنفسهم ، وهنا تأمل صورة البداية _ شجرة الغرقد واليهوديان الحاسدان _ حيث يقول الله تعالى في شأن اليهود وحسدهم ، ومن تشبه بقوم فهو منهم ، يقول سبحانه وتعالى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة109 ] .
تمنى كثير من أهل الكتاب أن يرجعوكم بعد إيمانكم كفارًا كما كنتم من قبلُ تعبدون الأصنام ; بسبب الحقد الذي امتلأت به نفوسهم ، من بعد ما تبيَّن لهم صدق نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به , فتجاوزوا عمَّا كان منهم من إساءة وخطأ , واصفحوا عن جهلهم , حتى يأتي الله بحكمه فيهم بقتالهم _ وقد جاء ووقع _ وسيعاقبهم لسوء أفعالهم _ لحسدهم _ إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء .
ويقول الله جل شأنه في حق الحساد : { مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [ البقرة105 ] .
ما يحب الكفار من أهل الكتاب والمشركين أن يُنزَّل عليكم أدنى خير من ربكم قرآنًا أو علمًا, أو نصرًا أو بشارة ، والله يختص برحمته مَن يشاء مِن عباده ، والله ذو العطاء الكثير الواسع ، فمن ذا الذي يعترض على فضل الله ومنته ؟

الحُساد تيوس الناس :

فاحذروا حسد التيوس _ وتأملوا الصورة التي مضت _ فقد جاء في مثل أولئك القوم الحساد ، قول مالك بن دينار في حلية الأولياء 2 / 378 : " تجوز شهادة القراء في كل شيء ، إلا شهادة بعضهم على بعض ، فإنهم أشد تحاسداً من التيوس في الزرب " .
ألا فاحذروا التيوس

الحسد مطية الضعاف :

الحسد لم يسلم منه أحد ، فكيف يسلم منه من هو يجري وراء الدنيا وحطامها ، ويسعى للنيل من وسخها وقذرها ، ويتألم لفقد شيء منها ؟ إن من ذلك فعله ، وتلك همته من هذه الدنيا ، لجدير بأن يكون عنزاً لا تيساً .
فإذا كان الناس في القرون السابقة لم يسلموا من هذه المثلبة ، وهذا المطب الذي وقع فيه من وقع من العلماء وطلاب العلم والأئمة والخطباء وغيرهم ، فكيف بعصرنا هذا ، وقد انفتحت الدنيا على الناس ، وأصبحت الشهرة هم الكثير منهم ، بل أصبح تحطيم الرموز النيل منهم هو دينيهم ومطيتهم ، والشاهد على سوء نيتهم .
لما نال السيوطي رحمه الله من فضل الله ما ناله من العلم والمكانة ، حسده أقرانه ، حتى قال في تنوير الحوالك 1 / 8 : " فتألب عليه معاصروه من أقرانه ومنافسوه من العلماء، وطعنوا في : طباعه، ومواهبه، وعلمه، ومؤلفاته، وتحاملوا عليه، ورموه بما ليس فيه، حسداً منهم، وحقداً عليه، لما ناله من الشهرة دونهم، كما هي عادة الأقران في كل زمان، مما ذكره ابن عبد البر في كتابه " جامع بيان العلم وفضله " وكما وقع لكثير من العلماء المعاصرين، للمنافسة العلمية، ممن هو أعلم وأورع من السيوطي، ومن منافسيه .
والأمر كما قال ابن عباس : العلماء أشد تغايراً من التيوس في زروبها .
ألا فاعلم أيها القارئ الكريم . . . . أن قول المتنافسين لا يقبل في بعضهم ، كما قرره العلماء ، وجرى عليه علماء الجرح والتعديل من المحدثين .

ويلهم كيف استحلوا محارم الله بأدنى الحيل :

اليهود استحلوا محارم الله بحيلة دنيئة ، حرم الله عليهم الصيد يوم السبت ، فوضعوا شباكهم يوم الجمعة ، وأخذوها يوم الأحد ، وقد امتحنهم الله ، بأن يوم السبت لا تأتي فيه الحيتان ، فاستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ، فغضب الله عليهم ولعنهم .
والحساد أجازوا لأنفسهم الوقيعة في فلان وفلان واستحلوا ذلك بأدنى الحيل ، التي انطلت على كثير من المغفلين ، فانساقوا وراءهم ، الحسد وصف لليهود ، ومن تشبه بقوم فهو منهم .
فمن أين لتيوس اليوم أن يستحلوا غيبة الناس في المجالس ؟ لقد كذَّبوا الله في كتابه حيث قال : { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً } [ النساء54 ] .
لقد اعترضوا على قضاء الله وقدره حيث قال سبحانه : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }الزخرف32
ولقد كذَّبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يطيعوا أمره حيث جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلاَ تَحَسَّسُوا ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً " [ رواه البخاري ومسلم ] .

من مفاسد الحسد :

ألا وإن من خطورة الحسد ومفاسده أنه يهلك الإيمان في قلب العبد ويغتاله ، ويورث العبد نفاقاً وبعداً عن الله تعالى ، ومن مفاسد الحسد أنه يدعوا إلى الغيبة والنميمة والكذب والبغضاء والغيظ من المحسود ، ومن مفاسده أنه يوجب البغضاء بين الناس ، ومن مفاسده أن الحسود مبغوض ممقوت عند الله ، مرفوض عند خلقه ، وهذه وغيرها من كبائر الذنوب والمعاصي ، ومن عظائم الآثام .
فكيف بعد ذلك يدعي صاحب علم أنه من أهل العلم وطلبته وهو يعصي الله ورسوله جهاراً نهاراً ، ويقول ذلك بلسان حاله ومقاله ، بوقيعته في أخيه المسلم في نفسه ، وأمام الآخرين ، إن ذلك لمن أعجب العجب ، نعوذ بالله من النكوص بعد الهداية ، ونعوذ به من الفساد بعد الرشاد .

الحسد والواقع المشئوم :

أيها القارئ المنصف . . . . . إن المتأمل في جل العلاقات الاجتماعية ، وميادين التعامل بين الناس ، يهوله ما يرى من تفشي مظاهر التقاطع والتدابر ، والنفرة والتهاجر ، وانتشار مرض التعالي والجفاء ، والتباغض والشحناء ، في هوى مطاع ، وإعجاب بالنفس ، ورفع لراية الشائعات المغرضة ، والأخبار المكذوبة الملفقة ، وتلمس العيوب للناس ، وتضخيم الهفوات الصغيرات ، وتتبع مثالب الصلحاء ، وانتقاص مقامات الفضلاء النبلاء ، حتى إن الغيور لينتابه شعور بالإحباط وهو يرى هذه المظاهر السوداوية القاتمة ، تنتشر في دنيا الناس انتشار النار في الهشيم ، لاسيما طلبة العلم ومن انتسبوا إليه ، فلا يستطيع لها تفسيراً ، ولا يجد لها مصاغاً أو تبريراً ، فمن الناس من يكون شمعة يحرق نفسه ليضيء للآخرين ، تراه داعية خطيباً مفوهاً ، تتمتع الأسماع بسماعه ، وتطير القلوب لصوته ، وتستيقظ العقول لتوجيهاته ، وتسكب العبرات لمواعظه ، ومع ذلك يجد أن هناك لصوصاً وسُرَّاقاً ، يقعون فيه ، ويرمونه بالكذب والافتراء ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، لا يتورعون ولا يخافون الله تراهم يتسلقون على الأكتاف ، للوصول إلى مآربهم الشخصية ، ومصالحهم الذاتية ، ومطامعهم المادية الدنيوية ، دون وازع من دين أو خلق أو ضمير ، يقعون في الناس ويشوهون سمعتهم ، ويغيرون صورتهم ، بالتقليل منهم تارة ، وبتصغيرهم تارة أخرى ، فلا يقولون طالب علم ، بل : طويلب علم ، وما يضر المتعلم ما يقولون عنه ، إن كان طالباً أو طويلباً ، فالله جل وعلا يقول : { وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، ويقول سبحانه : { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }يوسف76 ، فطالما أن هناك من هو أعلم منك ، فأنت طويلب علم ، فانتبه يا طالب العلم _ زعموا _ .

الحسد سُلَّمُ الدنايا :

نعم أيها الأخوة . . . . . هناك أناس مردوا على الدنايا ، ودأبوا على المكر وسوء النوايا ، لا يتلذذون إلا بالنيل من الطامحين ، والإساءة للناجحين ، والثلب في الصالحين ، والتقليل من شأن العاملين ، وتنفير الناس منهم ، والعمل على الإساءة إليهم ، والوقيعة بهم ، بتلفيق الطعون والاتهامات ، ونشر الأراجيف والشائعات ، في صورة مسفة ، وأمراض قلبية مستعصية ، وضغوط نفسية قاتلة ، لأنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه من حسدوهم ، فقادهم ذلك للوقيعة بهم ، وانتقاصهم وتصغيرهم في كل مجلس ومقعد ، في وجوه الحساد تراهم الخلان والعباد ، وفي ظهورهم يطعنونهم بالخناجر ، { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ آل عمران119 ] .
وقال الله عز وجل في شأن الحساد ، وأهل الحقد والكذب والشقاق ، ممن مردوا على النفاق ، وسوء الظن ، قال الله تعالى فيهم : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً } [ الأحزاب19 ] .
بُخَلاء عليكم أيها المؤمنون بالمال والنفس والجهد والمودة ، لما في نفوسهم من العداوة والحقد ؛ حبًا في الحياة وكراهة للموت , فإذا حضر القتال خافوا الهلاك ورأيتهم ينظرون إليك , تدور أعينهم لذهاب عقولهم ؛ خوفًا من القتل وفرارًا منه كدوران عين مَن حضره الموت , فإذا انتهت الحرب وذهب الرعب رموكم بألسنة حداد مؤذية , وتراهم عند قسمة الغنائم بخلاء وحسدة , أولئك لم يؤمنوا بقلوبهم , فأذهب الله ثواب أعمالهم , وكان ذلك على الله يسيرًا .
قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ ، صَدُوقِ اللِّسَانِ " قَالُوا : صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ ؟ قَالَ : " هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لاَ إِثْمَ فِيهِ وَلاَ بَغْىَ وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ " [ رواه ابن ماجة بإسناد صحيح كما في الترغيب والترهيب ] اللهم اجعلنا من أهل الإيمان ، وطهر قلوبنا من الحسد والغل ، والمكر والخديعة ، ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذي آمنوا ، ربنا إنك رءوف رحيم .

الحساد وسذج الناس :

ومن عجيب الأمر عندما ترى مسارعة كثير من الدهماء ، والسذج من الناس والسفهاء ، عندما تراهم يتسابقون إلى تصديق هؤلاء الحساد ، وأهل الغيرة ، بل إنك تستغرب حال كثير ممن يروجون فتنة القول ، ولا ينتهي عجبك وأنت ترى أن بعضهم قد يشار إليه بعلم ، أو فضل ، أو صلاح ، أو مكانة ، وكأنهم لم يسمعوا قول الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [ الحجرات6 ] .
وإليكم هذه الباقة ، والحديقة اليانعة ، من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من الحسد والحقد والبغض والظغينة والوقيعة في أعراض الناس .
عَنْ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ : الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ ، هِيَ الْحَالِقَةُ ، لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَفَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ ، أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ " [ رواه أبو داود وحسنه الألباني ] .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " . . وَلاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ الإِيمَانُ وَالْحَسَدُ " [ رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7620 ] .

حفظ اللسان سبب لدخول الجنان :

ألا فليتذكر كل مسلم ومسلمة أن القول في الناس خطير ، ومصيره جهنم وبئس المصير ، فاحفظوا ألسنتكم هو خير لكم ، ففي حديث مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أنه قَالَ : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ ، قَالَ : " لَقَدْ سَأَلْتَ عَظِيماً ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، إلى أن قال : " أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمِلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ " قُلْتُ بَلَى ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ : " تَكُفُّ عَلَيْكَ هَذَا " قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ : وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ : " ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ : وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ " [ رواه ابن ماجة ] .
ألا فليعلم كل قارئ أن الجنة دار لمن تحكم بلسانه ، وألجمه لجامه ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ " [ رواه البخاري ] .

حساد قلوبهم سوداء :

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول : " حتى إن الرجل ليشار إليه بالزهد والدين والعبادة ، ولسانه يفري في لحوم الأحياء والأموات وهو لا يبالي ما يقول " .
فهناك ممن تحدث عنهم شيخ الإسلام اليوم من لا يتورع عن التدخل في خصوصيات الآخرين في أموالهم وأولادهم ومواقفهم والاستماتة في استمالتهم إلى ما يريد من حيث لا يريدون ، وإلا فسيوضعون تحت مطرقة الشائعات ، وسندان الاتهامات ، وعلى مشرحة الطعون والافتراءات ، فيا هذا . . . دع الخلق للخلاق ، تسلم وتغنم ، وإلا فسوف تندم وتغرم ، والله المستعان على ما يصفون ، والحسيب والرقيب على ما يقولون .

على رسلكم :

إن الأصل في كل مسلم أن يحسن الظن بالمسلمين ، ويحمل أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم على أحسن المحامل ، بل ينبغي التماس العذر لهم وإن أخطئوا بتأويل سائغ .
يقول عمر رضي الله عنه : " لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً " .
ويقول عبد الله بن المبارك رحمه الله : " المؤمن يلتمس المعاذير ، والمنافق يتتبع الزلات " . أيها القارئ الكريم . . . الأخطر من ذلك ، حينما يُنَصِّبُ أحد المتعالمين نفسه رقيباً على نيات الاَخرين ، حاكماً على قلوبهم ومقاصدهم ، ويرشده حسده الدفين ، وحقده المكين ، إلى أن يفري في لحوم الآخرين ، فواعجباً له ولهم ، ماذا يبقى من دين المرء إذا ولغ في لحوم الناس ، وانتقصهم وعابهم وذمهم .
وإن من بالغ الخطورة أن ترى المجالس والاجتماعات ، يحضرها من يحضرها وينبري فيها دعي متحذلق ، مخذول مرذول مذموم ، فيطلق لسانه ذماً في أهل الصلاح من الأئمة والخطباء ممن فاقوه قدراً وعلماً وشرفاً ونسباً ومكانة ، والناس منصتون ساكتون خشعاً أبصارهم ، يأخذون ذلك مأخذ القبول والرضا بل والفرح والتشفي ، بل ويسلموا تسليماً ، أهكذا ربى الإسلام أتباعه ؟ فيا الله كيف يتلذذون بالتفكه في الأعراض ، ويتشهون ، بل ويتشفون في ذلك ، فالله حسيبهم .

الثواب الجنة :

وأخيراً أُذكر كل مسلم ومسلمة بالفضل العظيم ، والثواب الجزيل ، لمن ذب عن عرض أخيه المسلم ، فأقول :
أين الذب عن أعراض المسلمين والحفاظ على سمعة الفضلاء الصالحين ؟ أين الذب عن أعراض الصلحاء والدعاة ؟ لقد باتت سنة مهجورة ، وسنة منسية ، ألم تسمعوا الحديث الذي رواه الترمذي ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :" مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، فيا الله كم يزهد في هذا كثير من الناس .
ألا هبوا معاشر المسلمين والمسلمات للدفاع عن أعراض إخوانكم وأخواتكم الدعاة إلى الله تعالى ، وجابوا كل من عاداهم حسداً وبغضاً ، اخرسوا لسانه ، وعرفوه مكانه ، فذلكم النصح والتوجيه والإرشاد ، وذلكم الطريق إلى الجنة العلية ، ونعم المطية .

همسة في أذن حسود :

وكلامي هنا أقصد به مرضى القلوب ممن نُسبوا إلى العلم زوراً وبهتاناً ، فأولئك القوم النشاز ، إذا سمعوا من يقول :
الشيخ ، وصاحب الفضيلة ، وفضيلة الشيخ ، وصاحب السماحة ، وطالب العلم الفلاني ، استشاطوا غضباً ، وأرعدوا وأزبدوا ، وتسمع لهم خوار .
فأقول للحسود : هل سيضرك ذلك القول شيئاً ؟ هل سينقص من قدرك شيئاً ؟ أم أن الغيرة أعمت بصرك ، وألغت عقلك ، وأفقدتك إنسانيتك ؟ ألا فاعلم أن لله تعالى أفضال وأنعام على عباده ، يؤتيها من يشاء منهم ، يميز هذا ، ويحرم ذاك ، لحكمة يعلمها .
فوطن نفسك ، واعلم أنك لو كنت تستحق ذلك التبجيل ، وتلك التسمية لأعطيتها ، فدع الناس يرفع بعضهم بعضاً ، والله يرفع من قدر من يشاء .
ثم إن كانت لديك ملاحظة على مادح يمدح من يحبه ويثني عليه ويرفع منزلته ، ويعلي مكانته ، فإن كان لك أدنى ملاحظة ، فتحدث إلى من يمدح ، ولا تشتهر بالممدوح ، فهذه هي الغيبة ، والحط من أقدار الناس ، فيجب عليك أن تترفع عن مثل ذلك ، ولا تتحدث أو تكتب على الملأ في المنتديات أو الصحف ، فذلك تقليل من قدرك أولاً لو تعلم ، ثم هو إثم تقترفه ، وافتراء تدعيه ، وغيبة تقولها ، وبهتان تفتريه ، وثانياً لن تضر المحسود شيئاً ، فهو ماض قدماً لما أعده وخطط له في أي مجال كان ، وليتك تأتي بمعشار ما أتى به ، فاعرف لنفسك قدرها ، وألزمها مكانتها ، واخسأ فلن تعدو قدرك .
ومن سوءاتهم وعوراتهم المكشوفة ، إذا رأوا كتاباً أو كلاماً نافعاً ، فكأن صاعقة وقعت على رؤوسهم ، أو مصيبة حطت برحالهم ، وقالوا : ما كل من كتب أو قال أصبح كذا وكذا ، فسبحان الله من هذه القلوب المريضة السقيمة .
وكان الواجب عليهم أن يقولوا : نفع الله به ، ونفع بما كتب وقال ، ما شاء الله تبارك الله ، لا قوة إلا بالله ، ثم يتصلون به ويشجعونه ويؤازرونه ، ويطلبون منه المزيد ، هكذا هي الأخوة في الله ، وهذا هو الإنصاف ، حتى من المخالف ، لكنهم قوموا مرقوا من . . كما يمرق السهو من الرمية .
هذا ما جاد به اللسان ، وخطه البنان ، من البرهان والبيان ، نصيحة للحساد ومن كان في قلبه مرض ، فما كان من صواب فمن الله وحده ، وما كان من خطأ وأعوذ بالله منه ، فمن نفسي ومن الشيطان ، وسبحان الله الواحد المنان ، وعليه التكلان ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .



كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك
 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية