اطبع هذه الصفحة


السرعة والطمأنينة في الصلاة

    اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

يحيى بن موسى الزهراني

 
الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . . . أما بعد :
فإن السرعة في الصلاة من الأخطاء الفادحة التي يقع فيها كثير من المصلين , و القادحة في إمامة كثير من الأئمة , وجاء التحذير منها , والترهيب منها في سنة النبي صلى الله عليه وسلم , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " ، فَرَجَعَ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فعَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا " [ أخرجه البخاري ومسلم ].
بل جاء التحذير من السرعة في الصلاة وعدم الطمأنينة فيها ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ فِيهَا الرَّجُلُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ " [ أخرجه الترمذي ، وقال : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَرَوْنَ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ : مَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ ، لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ] .
ورَأَى حُذَيْفَةُ رضي الله عنه رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، قَالَ : " مَا صَلَّيْتَ ، وَلَوْ مُتَّ ، مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا " [ أخرجه البخاري ] .
وكَانَ أَنَسٌ رضي الله عنه يَنْعَتُ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ يُصَلِّي ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ " [ أخرجه البخاري ] .
ولهذا عد العلماء الطمأنينة ركناً مهماً من أركان الصلاة , لا تتم الصلاة بدونها فعلى المأموم والإمام والمنفرد وكل مصلٍ ، أن يحرص على الطمأنينة والخشوع في الصلاة فهي لبها وقلبها وأصلها .
ويجب على الإمام بوجه خاص أن يطمئن في صلاته ، و يمكّن أعضاءه من الاستقرار في كل ركن وواجب وسنة في صلاته ، حتى يدركه المأموم ، وينبغي أمر الإمام لأن يهتم بصلاته ويعتني بها ويتمكن من أدائها على الوجه المطلوب حتى يتمكن من خلفه حال الركوع والسجود من إتمام ذلك ، فإن الإمام إذا أحسن الصلاة كان له أجر صلاته ، ومثل أجر من يصلي خلفه ، وإذا أساء كان عليه وزر إساءته ووزر من يصلي خلفه ، قال صلى الله عليه وسلم : " الإمام ضامن ، والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة ، واغفر للمؤذنين " [ أخرجه أبو داود وغيره ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطئوا فلكم وعليهم " [ أخرجه البخاري ] ، فأمر الإمامة عظيم ، وخطر التفريط فيها كبير .
ولقد أرشد العلماء الأجلاء ، أئمة المساجد إلى كيفية الخشوع في الصلاة ، فقال الحسن البصري : التسبيح التام سبع ، والوسط خمس ، وأدناه ثلاث تسبيحات . وأدنى ما يسبح الإمام في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات ، فإذا سبح ثلاثاً ينبغي له ألا يعجل بالتسبيح ولا يسرع فيه ولا يبادر ، وليكن التسبيح من قلبه ولسانه متمكناً فيه ، فإذا عجل بالتسبيح وبادر به لم يدرك من خلفه التسبيح ، وصاروا مبادرين إذا بادر ، وسابقوه ففسدت صلاتهم ، فكان عليه مثل أوزارهم جميعاً ، وإذا لم يعجل وصلى بطمأنينة وخشوع وخضوع وتمكن من التسبيح وأتم صلاته وتسبيحه ، فإن من خلفه يدركه ، فيكون الإمام قد قضى ما عليه وليس عليه إثم ولا وزر . وعلى الإمام أن لا يعجل في الرفع من الركوع والرفع من السجود ، وعليه أن يتمكن من الجلسة بين السجدتين حتى يدركه من خلفه ، فالإمام مسؤول عمن خلفه من المصلين فليتق الله تعالى فيهم وليحذر من عاقبة العجلة في الصلاة فإن عاقبة ذلك خسراً ، ويجب على الإمام ألا ينقر صلاته نقراً فقد جاء التحذير من ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم " لا ينقر أحدكم صلاته نقر الغراب " بل أخبر أن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته فتراه لا يتم ركوعها ولا سجودها , فلا يستطيع المأموم أن يدرك مع الإمام الركن والواجب فضلاً عن أدنى الكمال , و هذا بلا ريب تساهل بهذه الشعيرة العظيمة من شعائر الدين والتي أمر الله بها المؤمنين وفرضها عليهم من فوق سبع سماوات لعظم قدرها ورفعة مكانتها عند الله تبارك وتعالى , وأمر المصلين بأن يطمئنوا فيها ويتموا أركانها وواجباتها فقال قولاً كريماً : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين " ، أي خاشعين خاضعين متذللين , ولا يكون القنوت إلا بالطمأنينة , فلا يقتصر الإمام على أدنى الواجب بأن يسبح تسبيحه واحدة في الركوع أو السجود ، لأن المأموم لا يمكن والحال تلك أن يدرك الإمام بأي حال كانت ، بل لا بد أن تحصل المسابقة والتأخير مما يفضي إلى بطلان الصلاة , فالواجب على الإمام أن يقتدي بـأرحم الناس بأمته الذي قال : " من أم منكم بالناس فليخفف " فكان يسبح في الركوع و السجود عشر تسبيحات ، وكان أكثر شبهاً بصلاته الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله , فحزروا في ركوعه وسجوده عشر تسبيحات , هكذا كان يفعل نبي الرحمة والهدى والذي حث الأئمة على التخفيف ومع ذلك فالتخفيف لا يفهم منه الإسراع في الصلاة والإخلال بأركانها وواجباتها , بل التخفيف أمر نسبي , ولهذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة بالتخفيف قرأ بأصحابه في صلاة المغرب بسورة المرسلات والطور والأعراف , وكان يقرأ في الفجر بالستين إلى مائة آية , وكان يصلي صلاة الفجر بغلس أي في أول وقتها ويؤخرها أحياناً حتى يرى الرامي موضع نبله .

فيجب على الإمام أن لا يعود الناس على الكسل وحب السرعة في الصلاة .
حصل أن صلى رجل كان محافظاً على الصلاة مع إمام يخل بأركان الصلاة وواجباتها ويسرع فيها سرعة عظيمة , فصلى ذلك الرجل مع إمام آخر يتبع في صلاته ويتحرى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم قدر المستطاع , صلى معه صلاة الظهر فكان يقرأ الإمام القراءة مداً يقف على رؤوس الآيات كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ الفاتحة وسورة الشرح في الركعة الأولى , والفاتحة وسورة الناس في الركعة الثانية , واقتصر على الفاتحة في الأخريين , فلما قضى صلاته قال له ذلك الرجل : هل هذه صلاة تراويح , قال له الإمام : ولم ؟ قال : لقد أطلت بنا . فانظروا كيف كان ذلك الإمام الذي يخل بصلاته سبباً في حصول مثل هذا الجدل العقيم الذي لا وجه له من الصحة , وكم هم الأئمة الذين أخذوا الإمامة وسيلة للكسب الدنيوي دون الأخروي , ويا ليتهم مع ذلك أقاموا الصلاة حق القيام وأدوها كما أداها نبيهم صلى الله عليه وسلم ولهذا الأمر الخطير العظيم سأذكر نماذج من قراءته صلى الله عليه وسلم في الصلوات كما جاءت في كتب السنة وكما صح عنه الخبر في ذلك والله المستعان وعليه التكلان :

أولاً : صلاة الفجر :
اتفق الفقها على مشروعية تطويل القراءة في صلاة الفجر فقد كان صلى الله عليه وسلم يقرأ بطوال المفصل الذي أوله ( ق ) . عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ مَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بِهَا فِي الصُّبْحِ " [ رواه النسائي وأحمد بسند صحيح ] .
وكان يقرأ بالواقعة في الركعتين [ رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ]. وكان يقرأ بسورة ق ونحوها في الركعة الأولى [ رواه مسلم والترمذي ] ، وكان يقرأ بالستين آية فأكثر [ رواه البخاري ومسلم ] . عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ " [ اخرجه النسائي ] ، وكان يقرأ بسورة الروم [ رواه النسائي وأحمد والبزار بسند جيد ] ، و أحياناً يقرأ بسورة يس [ رواه أحمد بسند صحيح ] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ : " قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِالْمُؤْمِنُونَ ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ عِيسَى أَصَابَتْهُ شَرْقَةٌ فَرَكَعَ ، يَعْنِي سَعْلَةً " [ رواه البخاري تعليقاً ومسلم ] ، وقرأ مرة بسورة الزلزلة في الركعتين حتى قال الراوي فلا أدري أنسي رسول الله أم قرأ ذلك عمداً. [ رواه أبو داود والبيهقي بسند صحيح ] ، وقرأ مرة في السفر " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " [ رواه أبو داود وابن خزيمة وابن أبي شيبة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ] . وكان أحياناً يقرأ بقصار المفصل كـ "إذا الشمس كورت " [ رواه مسلم وأبو داود ] .
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ مَا بَيْنَ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ ، وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَبَعْضُنَا يَعْرِفُ وَجْهَ بَعْضٍ " [ أخرجه أحمد وغيره ] .
أما فجر الجمعة فالسنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الركعة الأولى بسورة السجدة كاملة , وفي الثانية بسورة الإنسان كاملة . [ رواه البخاري ومسلم ]، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ألم تَنْزِيلُ وَهَلْ أَتَى " [ أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد ] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر بنحو ستين إلى مائة آية ، وصلاها بسورة ق ، وصلاها بالروم ، وصلاها بـ " إذا الشمس كورت " ، وصلاها بالزلزلة في الركعتين كليهما ، وصلاها بالمعوذتين ، وكان في السفر فصلى بالمؤمنين .
وكان يصليها يوم الجمعة بـ " ألم تنزيل السجدة " ، وسورة " هل أتى على الإنسان " ، كاملتين ، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه في الركعتين ، أو قراءة السجدة وحدها في الركعتين ، وهو خلاف السنة ، وأما ما يظنه كثير من الجهال أن صبح يوم الجمعة فُضل بسجدة ، فجهل عظيم .
وقال أيضاً رحمه الله :
ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده ، فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في الفجر [ زاد المعاد 1/ 202-203 ] .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يقرأ في صلاة الفجر ، بسورة ( يوسف ) و ( النحل ) و ( هود ) و ( بني إسرائيل ـ الإسراء ـ ) ونحوها من السور ، ولو كان تطويله صلى الله عليه وسلم منسوخاً لم يخف على خلفائه الراشدين ، ويطلع عليه النقارون . وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر : ( ق والقرآن المجيد ) وكانت صلاته بعد تخفيفاً . فالمراد بقوله تخفيفاً : أي بعد الفجر ، أي أنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها ، وصلاته بعدها تخفيفاً . [ جامع الفقه 2 / 53 ] .

ثانياً : صلاة الظهر:
كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأولين بـ ( فاتحة الكتاب ) و سورتين و يطول في الأولى ما لا يطيل في الثانية ، عن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا " [ رواه البخاري ومسلم ] .
وكان صلى الله عليه وسلم يطيل صلاة الظهر أحياناً حتى قال أَبِو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : لَقَدْ كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ يَأْتِي وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، مِمَّا يُطَوِّلُهَا " [ رواه البخاري ومسلم ] .
وكان يقرأ في كل من الركعتين قدر ثلاثين آية . قدر قراءة " ألم تنزيل ـ السجدة ) . [ رواه مسلم وأحمد ] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً ، أَوْ قَالَ : نِصْفَ ذَلِكَ ، وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ قِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ " [ أخرجه مسلم ] .
وكان يقرأ أحياناً بـ ( السماء والطارق ) و ( والسماء ذات البروج ) ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَنَحْوِهِمَا " [ أخرجه النسائي ] .
وكان يقرأ بـ ( سبح اسم ربك الأعلى ) ، وكان يقرأ بـ ( والليل إذا يغشى ) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ : وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ، وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَفِي الصُّبْحِ بِأَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ " [ أخرجه النسائي ] .
وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا الظُّهْرَ ، فَنَسْمَعُ مِنْهُ الْآيَةَ بَعْدَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ لُقْمَانَ وَالذَّارِيَاتِ " [ أخرجه ابن ماجة ] .
فرحم الله حال المسلمين اليوم إذا قرأ الإمام في صلاة الظهر بقصار السور تضجروا وغضبوا وزمجروا , مع أنهم في أعظم موقف وأجل مقابلة وأشرف بقعة , فهم وقوف بين يدي الملك الجبار الذي هو أرحم بعباده من الأم بطفلها , وهم في أجل مقابلة مع الواحد القهار الرؤوف الرحيم الذي يغفر الذنوب ويستر العيوب , وهم أيضاً ضيوف على رب العالمين في أشرف البقاع و أحبها إلى الله سبحانه ألا وهي المساجد . ولو دققنا النظر في المدة التي يقفها العبد بين يدي ربه في صلاته لما تجاوزت عشر إلى عشرين دقيقة , مع أن الناس يقضون الساعات الطوال في اللهو واللعب والوقوف أمام البنوك وآلات الصرف الآلي , وأمام شبابيك الاشتراكات في الهاتف والكهرباء والمطاعم وغيرها يقفون إلى قرابة الساعة قلت أو كثرت ، هذا هو واقع الكثير من المسلمين , واقع مؤلم ولا حول ولا قوة إلا بالله , وإذا قرأ الإمام من أواسط المفصل أقاموا الدنيا ولم يقعدوها , ولا لوم على المأموم وخصوصاً من لاحظ له ولا نصيب من العلم , وإنما اللوم كله على أولئك الأئمة الذين عودوا الناس على السرعة في الصلاة , حتى أن بعضهم لا يقرأ في الركعتين الأولين بعد الفاتحة أي سورة تخفيفاً على الناس زعم , وهو والله في الحقيقة استخفافاً بالصلاة وجهلاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك , وحباً في الدنيا وزخارفها مع أن وقت العبد كله لله تعالى ولهذا قال تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وقال تعالى : " فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً " .
فتأمل رحمك الله هاتان الآيتان وما تدلان عليه من أن جل وقت المسلم يجب أن ينصب في خزانة العمل الصالح ، وأعظم ذلك وأجله الصلاة لأنها الصلة بين العبد وربه , وهي قرة عيون المؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم : " جعلت قرة عيني في الصلاة " . ولأنها سبيل راحة المؤمن و متنفس كربته , ومزيلة همومه , بإذن الله تعالى ، قال صلى الله عليه وسلم : " أرحنا بها يا بلال " , وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .
فنشكو إلى الله ضعف حال المسلمين في هذا الزمان , والتفكك الذي ساد الأمة واستشرى في مجتمعاتها حتى أصبحت أمة ضعيفة بعد أن كانت رائدة الأمم والمسيطرة على مقود سيرها .

ثالثاً : صلاة العصر :
كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ في الركعتين الأولين منها بنصف قراءة الركعتين الأولين من الظهر أي بقدر خمس عشرة آية . [ رواه مسلم و أحمد ] ، وكان يسمع أصحابه الآية أحياناً . [ رواه البخاري ومسلم ] ، وكان يقرأ بالسور التي يقرأ بها في صلاة الظهر أحياناً أخرى .
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَقَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيلُ الْقِيَامَ وَيُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ " [ أخرجه أحمد ] .
ولقد وجه أهل العلم توجيهاً للأئمة بأن يستغلوا الوقت بعد صلاة العصر في قراءة من كتاب ، أو درس علمي ميسر سهل قصير ، لأن الناس تصلي بعد أن أخذوا قسطاً من الراحة ، فهم متهيئون لقبول كل ما يُقال ، فينبغي على الأئمة العناية بهذا الشأن لما له من فوائد عظيمة ، ولا سيما إن كان هناك عرض لبعض مشاكل الحي ، وتذكيراً بالمحتاجين الذين يقطنونه ، وربما لم ينتبه لهم من حولهم ، فهذه مسؤولية تقع برمتها على عاتق الإمام .

رابعاً : صلاة المغرب :
كان صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها أحياناً بقصار المفصل . [ رواه البخاري ومسلم ]
فتدبر رحمك الله قول الراوي أحياناً وليس دائماً كما هو الحال اليوم عند جمع غفير من الأئمة إلا من وفقه الله للعمل بسنة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك .
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ أحياناً بطوال المفصل وأوساطه فكان يقرأ تارة بـ " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله " .[ رواه ابن خزيمة والطبراني والمقدسي بسند صحيح ] . وقرأ بالطور و المرسلات [ رواه البخاري ومسلم ] ، وقرأ بالأعراف في الركعتين [ رواه البخاري وغيره ] ، وقرأ بالأنفال في الركعتين [ رواه الطبراني في الكبير بسند صحيح ]
عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ : خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَاصِبٌ رَأْسَهُ فِي مَرَضِهِ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، فَقَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ ، قَالَتْ : فَمَا صَلَّاهَا بَعْدُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ " [ اخرجه الترمذي قَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنِ اقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ ، قَالَ الترمذي : وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَذَكَرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقْرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِالسُّوَرِ الطِّوَالِ نَحْوَ الطُّورِ وَالْمُرْسَلَاتِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ أَسْتَحِبُّ أَنْ يُقْرَأَ بِهَذِهِ السُّوَرِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ] .
قال ابن عبد البر رحمه الله :
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بـ ( أ لـمـص ) ، وأنه قرأ فيها بـ ( الصافات ) وأنه قرأ فيها بـ ( حم الدخان ) ، وأنه قرأ فيها بـ ( سبح اسم ربك الأعلى ) وأنه قرأ فيها بـ ( التين والزيتون ) وأنه قرا فيها بـ ( المعوذتين ) وأنه قرأ فيها بـ ( والمرسلات ) وأنه قرأ فيها بـ ( بقصار المفصل ) ـ والمفصل من ق إلى آخر القرآن ـ قال ابن عبدالبر : وكلها آثار صحاح مشهورة .
[ التمهيد 3 / 114 ] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
وأما المداومة فيها على قراءة قصار المفصل دائماً ، فهو فعل مروان بن الحكم ، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ : قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ ، قَالَ : قُلْتُ : مَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ ؟ قَالَ : الْأَعْرَافُ وَالْأُخْرَى الْأَنْعَامُ " [ رواه البخاري دون تفسير الطوليين ، وأخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح ] ، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في الركعتين [ رواه النسائي بسند صحيح ] ، ثم قال ابن القيم رحمه الله : فالمحافظة فيها على الآية القصيرة ، والسورة من قصار المفصل خلاف السنة ، وهو فعل مروان بن الحكم . [ زاد المعاد 1 / 204 ] .
ترجمة مروان بن الحكم :
مروان بن الحكم من كبار التابعين ، ويكنى أبي القاسم ، وأبا الحكم ، ولد بمكة ، روى عن عمر وعثمان وعلي وزيد ، وروى عنه عدد من التابعين ، وكان كاتب ابن عمه عثمان رضي الله عنه ، وإليه الخاتم ، فخانه ، وأجلبوا بسببه على عثمان ، ثم نجا هو ، وسار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمان ، فقَتَل طلحة يوم الجمل ، ونجا ـ لا نُجي ـ ثم ولي المدينة غير مرة لمعاوية ، وقد طرد النبي صلى الله عليه وسلم أبوه إلى الطائف ، ثم أقدمه عثمان إلى المدينة لأنه عمه ، واستولى مروان على الشام ومصر تسعة أشهر ، ومات خنقاً ، وقال مروان : قرأت كتاب الله من أربعين سنة ، ثم أصبحت فيما أنا فيه من هرق الدماء ، وهذا الشأن . [ سير أعلام النبلاء 3 / 476-479 ] .
وقد ذكر بن جرير في تاريخه بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر ، فيه الأمر بقتل بعضهم ، وصلب بعضهم ، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم ، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان متأولاً قوله تعالى : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم " وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من جملة المفسدين في الأرض ، ولا شك أنهم كذلك ، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه ويزور على خطه وخاتمه ، حتى كان ذلك العمل سبباً في قتله رضي الله عنه . [ البداية والنهاية 5 / 416 ] .

خامساً : صلاة العشاء :
كان يقرأ في الركعتين الأولين من أواسط المفصل . [ رواه النسائي وأحمد بسند صحيح ] وتارة بـ " إذا السماء انشقت " وكان يسجد بها . [ رواه البخاري ومسلم والنسائي ] .
وقرأ مرة في سفر بـ " والتين والزيتون " في الركعة الأولى . [ رواه البخاري ومسلم ] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ قراءته البقرة في بني عمرو بن عوف ، بعدما مضى من الليل ما مضى ، ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أفتان أنت يا معاذ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] . فتعلق النقارون بهذه الكلمة ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها . [ جامع الفقه 2 / 52 ] . وسيأتي مزيد بيان لهذا الأمر في الصفحات التالية إن شاء الله .

سادساً : صلاة الجمعة :
الجمعة هي عيد المسلمين الأسبوعي ، وهي الصلاة التي يجتمع لها الناس من كل مكان في البلد الواحد ممن تجب عليه ، ولهذا شرعت لها خطبتان ، يذكر الخطيب فيها الناس بأمور حياتهم ، وما يكون نافعاً لهم عند ربهم ، وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة فيها أن يقرأ : الجمعة والمنافقون كاملتين ، وسورة سبح والغاشية . [ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ] .
وسُئلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ : مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ ؟ فَقَالَ : " كَانَ يَقْرَأُ بِهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ " [ أخرجه مسلم وغيره واللفظ لأبي داود ] ، وأما الاقتصار على أواخر سورتي الجمعة والمنافقون ، فلم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس من هديه البتة ، بل كان يحافظ على قراءتهما كاملتين . ومن قال أن قراءة أواخر السور وأوساطها في الصلاة ليس بمكروه ، فهذا صحيح ، أما في الجمعة فهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا فوز ولا رفعة إلا باتباع هديه صلى الله عليه وسلم في كل شؤون الحياة .
وكذلك في الأعياد ، كان يقرأ بسورتي ق و اقتربت الساعة كاملتين ، أو يقرأ بسبح والغاشية ، وكان ذلك هديه عليه الصلاة والسلام إلى أن لقي ربه تبارك وتعالى . [ جامع الفقه 2 / 52-53 ] .

سابعاً : قيام الليل :
ويدخل في ذلك التراويح والتهجد ، فأما قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل فكانت قراءة طويلة جداً ، يطيل قراءتها وركوعها وسجودها وجميع أركانها وواجباتها وسننها ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ أحياناً في كل ركعة بقدر " سورة المزمل " [ رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح ] . وتارة قدر خمسين آية والحديث عند البخاري وأبي داود ، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة وهو مريض بالسبع الطوال وهي : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والتوبة . وصلى مرة في ركعة واحدة بالبقرة والنساء وآل عمران .
هكذا كان هدي نبي الرحمة والهدى في قيام الليل ، كان يقوم الليل حتى تتورم وتتفطر قدماه شكراً لله تعالى وإجلالاً له جل شأنه ، فأين الأئمة في هذا الزمان عن اتباع هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فترى أحدهم يدخل في صلاة التراويح أو التهجد ولا هم له إلا آخرها ينقرها نقر الغراب ، ويراوغ فيها مراوغة الثعلب ، فسبحان الله أليس لله شأناً في قلوبهم ، أليس لله تعظيماً في نفوسهم ، ولكنها الغفلة والجهل وغلبة حب الدنيا والطمع في زخرفها الزائل ، فأوصي إخواني المسلمين وأخص منهم الأئمة بأن يتقوا الله في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وعليهم أن يشيعوها بين الناس ، وألا يميتوها كما أماتها كثير من شعوب الإسلام في زماننا هذا ، فلا فلاح ولا نصر ولا تمكين إلا بإقامة شعائر هذا الدين واضحة جلية للأعيان ، وعلى الأئمة أن يبينوا للناس كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهديه في القراءة والتدبر والخشوع والطمأنينة في الصلاة ، حتى يدرك الناس تلك السنن المستفيضة عنه صلى الله عليه وسلم ويألفوها ثم لا تعود غريبة عليهم .
وخلاصة القول : أن ضابط التخفيف أمر نسبي لا قطعي , فيخفف الإمام في صلاته تارة ويطيل تارة ويتوسط تارة بحيث يعتاد المسلم هذا العمل ويعرف أنه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته في صلاته .
ويسن للإمام أن يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية بعض السور بعد الفاتحة فالنبي صلى الله عليه وسلم : " كان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأولين قدر النصف , قدر خمس عشرة آية " [ رواه مسلم وأحمد ]
وفي الحديث لمن تأمل دلالة على سنية الزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخيرتين , وعلى ذلك جمع من الصحابة منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه .

صلاة التراويح والتفريط فيها :
صلاة التراويح سنة مؤكدة لا ينبغي للمسلم تركها ففضلها عظيم وقدرها كبير . وعلى المسلم أن يحافظ عليها مع جماعة المسلمين في بيوت الله عز وجل , قال فيها صلى الله عليه وسلم " من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة " [ رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما] . وقال صلى الله عليه وسلم : " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " [ متفق عليه ] .
فتأمل هذا الفضل العظيم والثواب الجزيل لمن صلى التراويح في جماعة مع الإمام حتى ينصرف أي حتى يسلم مختتماً الصلاة .
ولكن المؤسف أن بعض الأئمة يخل بهذه الشعيرة العظيمة التي تغيظ الكفار ويزدادون بإقامتها حسرة وندامة , عندما يرون جموع المصلين من المسلمين يجتمعون آلافاً ومئاتاً وعشرات لأداء سنة مؤكدة غير فريضة ، بقلب واحدة وإمام واحد يدعون بالنصر للإسلام والمسلمين والرفعة والتمكين لهذا الدين وأن يكونوا هداة مهتدين ، وفي مقابل ذلك يدعون ربهم تبارك وتعالى أن يخذل الكفرة والكافرين ، وأن يرد كيد الكائدين ، ويمحق أعداء الملة والدين من اليهود والنصارى والشيوعيين الحاقدين .
هكذا يغتاظ الكفار وينزل على قلوبهم كالصاعقة مثل هذا الاجتماع العظيم الذي يجسد التلاحم والتعاون والتآلف بين المسلمين .
لكن ما يحز في النفس ويثير القلق والخوف على هذه الشعيرة أن تندثر ويختفي أثرها من الأمة ما يفعله كثير من الأئمة من التفريط في أدائها والإخلال بأركانها وواجباتها وقد لا تخرج الأسباب والله أعلم عن ثلاثة :
الأول : الجهل بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في أداء صلاة الليل ومقدار ما كان يقرأ فيها وما يتبع ذلك من أحكام ، وسبيل العلاج مراجعة كتاب قيام الليل وكتاب الصلاة في كتب السنة المبسوطة وكتب الفقه وأقوال أهل العلم الأجلاء في ذلك الموضوع .
الثاني : حب الشهرة وجذب الناس ، ولا شك أن هذا داء خطير تجب معالجته ، لأن تحسين العمل من أجل الناس أو الإخلال به أيضاً من أجل الناس كل ذلك من الرياء الذي لا يعود على صاحبه إلا بالذم بدل المدح ، ولن يجد من يفعل ذلك العمل محبة لجذب الناس وكسبهم دون مراعاة لشعور أهل الخير والصلاح وقبل ذلك عدم اتباع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فلن يجد فاعل ذلك عند الله إلا الهباء المنثور ، لأن العمل لم يكن خالصاً لله ، ولم يكن موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصاحبه ممقوت عند الله وعند خلقه ، وهذا هو الواقع الملموس اليوم لمن فعل ذلك ، وإن كان يعتقد أن كل من يصلي عنده يمدحه ويثني عليه فما تخفي الصدور غير ما تبديه الألسن ، فمن رائى رائى الله به ، ومن سمع سمع الله به ، فليتق الله أئمة ضلوا عن طريق الصواب ، وليعودوا إلى الحق بعدما تبين لهم ، وعليهم أن يتبعوا سنة نبيهم ، ففي ذلك خير عظيم ونجاة يوم القيامة والله المستعان على ما يصفون .
الثالث : العادة والكسل وإهمال السنن الرواتب ، وصلاة التطوع وإلا لما فرط في مثل تلك الصلاة العظيمة ولما أخل بالطمأنينة والخشوع فيها ، هذا هو السبب في عدم الطمأنينة في الصلاة فالعادة إذا خالفت الكتاب والسنة لا ينظر لها ولا يعتني بها ولا يلتفت إليها بل يضرب بها عرض الحائط ، لأن كل فعل وقول يحتج له ، أما قول الله وقول رسوله فيحتج بهما ولا يحتج لهما لأنهما حجة ، وفيهما العصمة من كل زلل أو خلل ، فأكثر المخلين بصلاتهم هم من الكسالى ، ومن الذين لا تهمهم السنن الرواتب بل هم ممن يحافظ على تركها ولا حول ولا قوة إلا بالله .

شبهة وردها :
ادعاء البعض ممن استهوتهم العادة وحب الشهرة والكسل في الصلاة بأن ذلك أدعى لإقبال الناس إليها .
والجواب على ذلك :
لا شك أن ذلك من تسويل الشيطان وتهوينه لأمر الصلاة في نفوس المتقاعسين عن أدائها كما صح بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما ترغيب الناس في صلاة التطوع فهو أمر حسن يثاب عليه الأئمة بإذن الله تعالى ، لكنهم أغفلوا أمراً آخر وهو أن تعويد الناس على الإخلال بالصلاة وتقبلهم لتخفيفها تخفيفاً يضيع واجباتها وسننها فضلاً عن أركانها لهو أمر خطير لما يترتب عليه من مفسدة عظيمة وهي أن أولئك الناس عندما يصلون في مساجدهم القريبة من بيوتهم خلف الأئمة الذين يطبقون سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في هديه في القراءة سيحدثون فوضى في مساجدهم مع الأئمة وأهل حيهم والسبب أولئك الأئمة أئمة الجهل وحب الشهرة ، الذين لا هم لهم إلا آخر الصلاة فانظر كيف كان التخفيف المخل سبباً لحصول الفتنة والفوضى وهذا الكلام واقع حاصل وليس من نسج الخيال وأضف إلى ذلك أن من اعتاد إضاعة أركان الصلاة والطمأنينة فيها أنه سبب للخمول وجلب الكسل وعدم استطاعة الكثير إن لم نقل كل من يصلون معه عدم استطاعتهم القيام لأداء السنن الرواتب والسنن المؤكدة كالخسوف والكسوف وصلاة الوتر وقيام الليل وغيرها من الصلوات لأنهم يعلمون أن فيها إطالة للقراءة والركوع والسجود وغير ذلك من أركان الصلاة وواجباتها ، بل إن لم يكن جلهم لا يؤدون السنن الرواتب وهي رواتب الصلوات المفروضة ، فأصبح لدينا مفسدة أعظم من جلب مصلحة ، بل ومن اعتاد التخفيف في صلاة التراويح مع أولئك الأئمة قد يتوانى عن أدائها أحياناً فيتركها لأنه فقد لب الصلاة ألا وهو الخشوع فلم يعرف من الصلاة إلا الرفع والانحطاط في حركات رياضية متوالية سريعة ، ما يلبث أن يخرج المصلي منها متعباً بلا فائدة فلا يشعر بقيمة الصلاة ولا أهميتها التي من أجلها شرعت له .
ولقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل أن يطيل فيها القراءة ويكون فيها الركوع والسجود نحواً من قراءته ، حتى أنه كانت تتورم قدماه من طول وقوفه بين يدي الله عز وجل فتشفق عليه عائشة رضي الله عنها فتقول : ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيرد عليها قائلاً (( أفلا أكون عبداً شكوراً )) لقد كان يقرأ أحياناً وعندما كان مريضاً بالسبع الطوال وربما قرأ في كل ركعة سورة منها والسبع الطوال هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة .
يقول ابن مسعود أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل فاستفتح الصلاة بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران ، حتى قال ابن مسعود لقد هممت بأمر سوء ، قيل وما هو ؟ قال هممت أن أجلس . ولهذا لم يكن لصلاة الليل عدداً معيناً من الركعات لكن الأفضل في ذلك الاقتصار على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة ، وقال العلماء من أراد أن يخفف القراءة فعليه أن يزيد في عدد الركعات ، ومن أراد أن يطيل القراءة فعليه أن ينقص من عدد الركعات ، فعلى أقل تقدير أن يقرأ الإمام نصف جزء كل ليلة في صلاة التراويح وهذا على أقل تقدير لأن المقصود من صلاة التراويح إسماع الناس كامل القرآن وما فيه من عبر وعظات وتخويف وتهديد وترغيب ، وما حل بالأمم السابقة من العذاب والنكال عندما كذبوا الرسل ، وما يشتمل عليه من أحكام وفوائد وأن يتدبر المصلي آيات الله عز وجل وما فيها من حكم بالغة ، كما أن صلاة التراويح سنة مؤكدة سنها النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو المقصود من صلاة التراويح ، أما ما يفعله بعض الأئمة من قراءة آيه أو آيتين أو ثلاث في الركعة الواحدة ثم يركع وما إن يركع المأموم حتى يرفع الإمام ، بل إن أكثر المأمومين لا يستطيع أن يأتي بالتشهد الأخير كاملاً للسرعة الفائقة التي يصلي بها الإمام ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
لكن لو اعتاد الناس على التوسط في صلاة التراويح لألفوا ذلك ولتقبلوه بصدور رحبة وقلوب وجلة ، حتى يشعر المصلي بقوة إيمانه وحصول الطمأنينة فيها ، ووجود لبها وهو الخشوع ، فيخرج منها ولها أثر طيب حسن عليه ، يخرج منها وهو يريد العودة إليها يدخل إليها مهموماً مغموماً فيخرج منها فرحاً مسروراً ، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أرحنا بها يا بلال " ، وكان أيضاً عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر وأهمه ، فزع إلى الصلاة ، وهذا أمر مجرب من واقع المصلين ، فوا الله إنا لنسأل من يصلي خلف إمام يسرع في صلاته سرعة تخل بمقصودها ، نسأله عن مدى راحته في صلاته وما استفادة منها ؟ لقال : كما دخلت خرجت ، بل إن البعض يقول : تحدثني نفسي بأن أعيد تلك الصلاة لأنه لم يشعر بالمقصود منها ، لم يشعر بحلاوة الصلاة ، لم يتلمس روح الصلاة ولبها وطمأنينتها وخشوعها ، الذي من أجله تنشرح الصدور ، ويذهب الضيق ، وعلى العكس من ذلك من يصلي خلف إمام يتم ركوعها وسجودها ويهتم بأركانها وواجباتها ، فهذا المأموم يحصل له المقصود من حصول الطمأنينة والخشوع فترفع صلاته إلى السماء فتفتح لها أبواب السماء ولها نور وتقول : حفظك الله كما حفظتني ، أما الأخرى فترفع إلى السماء فلا يُفتح لها ، فتلف في ثوب خلق ثم ترمى في وجه صاحبها وتقول : ضيعك الله كما ضيعتني . بل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلي يخرج من صلاته ولم يكتب له فيها إلا عشرها إلا تسعها ............ إلا نصفها . [ رواه ابن حبان والبيهقي والبزار وغيرهم ] .
هذا إذا كان الرجل مقيماً للصلاة مهتماً بها ، فقد يحصل له بعض الخطرات والالتفاتات بسبب الشيطان الذي لا يزال بالمصلي يلبس عليه في صلاته حتى يفوته أجر عظيم منها ، فما بالك بمن ضيع عليه إمامه صلاته فأخذته الهواجس والخواطر هنا وهناك فلم يعد يدري كم ما صلى وماذا صلى فهذا بمنزلة من أقبح المنازل فأوصى الأئمة والمأمومين وأخص الأئمة بذلك أن يتقوا الله عز وجل وأن يقيموا هذه الشعيرة العظيمة على وفق سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وألا يكون هم أحدهم آخر الصلاة أو إرضاء الناس على حساب ضياع صلاته وتفريطه فيها حتى أنهم إذا ذكروا في مجالس الناس نالوهم ووصفوهم بالجهل وعدم العلم بل وصل الأمر إلى السخرية والاستهزاء بهم ، فكل يقابل بنقيض قصده ، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .
لقد دلت الأحاديث والآثار على مشروعية صلاة التراويح جماعة ، واتفقت كلمة الصحابة على ذلك ، وساروا عليه ، واستمر العمل إلى يومنا هذا ، إذ انعقد الإجماع على مشروعية أدائها في المساجد جماعة وهي سنة مؤكدة .
وينبغي مراعاة أركان الصلاة وتدبر سننها والتمهل في أدائها والإطالة بما لا يشق على الناس ، فقد كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يطيلون في الصلاة ولا ينصرفون منها إلا قبيل بزوغ الفجر بقليل .
يقول النووي : اعلم أن صلاة التراويح سنة باتفاق العلماء ، وهي عشرون ركعة ، يسلم من كل ركعتين ، وصفة الصلاة فيها كصفة باقي الصلوات ، ويجيء فيها جميع الأذكار كدعاء الاستفتاح ، واستكمال الأذكار الباقية ، واستيفاء التشهد ، والدعاء بعده ، وهذا وإن كان ظاهراً معروفاً فإنما نبهت عليه لتساهل الناس فيه ، وحذفهم أكثر الأذكار والصواب ما سبق . وأما القراءة فالمختار الذي قاله الأكثرون وأطبق الناس على العمل به أن تقرأ الختمة ـ القرآن ـ بكمالها في التراويح جميع الشهر ، فيقرأ كل ليلة نحو جزء من ثلاثين جزءاً " [ الأذكار 266 ] .
أقول : كيف لو اطلع النووي رحمه الله إلى ما يصنعه كثير من أئمة المساجد من الإخلال ليس بالقراءة فحسب بل حتى في الأركان التي هي صلب الصلاة ولا تتم الصلاة بدونها ، كيف لو رآهم وكأنهم في مضمار للسباق يتسابق فيه الإمام والمأموم كل يريد أن يرتاح من الصلاة ، فتفقد الصلاة روحها ولبها وخشوعها ولا شك أن هذا انتقاص لقدرها وتضييع لها وعدم توقير لله ، وعدم تعظيم له سبحانه الذي أمر بها ولهذا امتدح الله تعالى أهل الخشوع والخضوع في الصلاة ووصفهم بالمفلحين الذين يرثون الفردوس الأعلى من الجنة ، فقال قولاً حكيماً : " قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون " [ المؤمنون ] ، ولذلك من فرط فيها ولم يتمها على الوجه المطلوب فهو معرض للعقوبة لحديث عبادة رضي الله عنه قال ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس على الله عهد ، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه " [ رواه مالك وأبو داود والنسائي وابن حبان وصححه الألباني في الترغيب والترهيب ] ، ومن الأئمة من يؤديها بسرعة رهيبة يخل فيه بكل ركن وواجب تاركاً وراءه كل سنة ، بل بلغ الجهل بالبعض من شدة سرعته وترقبه لآخرها أنه لا يصلي السنة الراتبة للعشاء من شدة فرط التهاون بالصلاة وعدم رغبته في الأجر ، وحتى يحظى بمزيد شعبية عند الناس ، فياليت شعري لو اطلع السلف على صلاة أولئك المتخلف ، لرأوا عجباً ، ولغاروا على سنة نبيهم أبداً . ومن الأئمة من يؤديها مخلاً بها وكأنها واجبة عليه فيؤديها حياءً وخجلاً من الناس ، أو خوفاً على ضياع المال الدنيوي الذي يأتيه منها فيصليها بتلك الطريقة العجيبة الغريبة رغبة في الدنيا ومتاعها الزائل التي لو رآهم عليها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لأوسعهم ضرباً بدرته ، لابتداعهم في الصلاة ومخالفتهم لهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فمن لم يستطع أن يقيمها من الأئمة بكامل أركانها وواجباتها وسننها فليس في حاجة لأن يكلف نفسه بها ويأتي بها ناقصة مخدوشة ، فيضل ويضل معه كثير من عوام المسلمين معتقدين صحة ما يفعله ، بل يتركها أو يوكل من هو أهل للقيام بها حق القيام ، ولكنها الغفلة والجهل المركبين اللذين وقع فيهما كثير من الأئمة والمأمومين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وإليك هذه الأدلة القاطعة الدامغة التي تزيل الغمام الذي أطبق على بعض الأبصار والران الذي غطى القلوب ، أدلة تدمغ الباطل وأهله :
عن أبي مسعود البدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجزيء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود " [ رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحديث صحيح ] .
وعن عبدالرحمن بن سبل قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب ، وافتراش السبع ، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير " [ رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان وهو حديث حسن ] .
ويريد بنقرة الغراب : التخفيف في السجود بحيث لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله .
وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته " قالوا يارسول الله : كيف يسرق من صلاته ؟ لا يتم ركوعها ولا سجودها " أو قال : " لا يقيم صلبه في الركوع والسجود " وقال صلى الله عليه وسلم : " لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين ركوعها وسجودها " [ رواهما الطبراني وهما حديثان صحيحان ] .
فمن قرأ بالآية والآيتين في كل ركعة زاعماً أنه اتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وقوله : " من أم قوماً فليخفف " [ رواه مسلم ] فقد تقحم العلم على غير بصيرة وافترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يُرده ويعنيه ، وما علم مقدار ما كان يصليه السلف رضوان الله عليهم في صلاة التراويح ، فعن السائب بن يزيد أنه قال : " أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة ، قال : وقد كان القارئ يقرأ بالمئين ـ أي بمئات الآيات ـ حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام ، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر " [ رواه مالك ] ، وروى الإمام مالك أيضاً ، أن القارئ كان يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات ، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة ، رأى الناس أنه قد خفف .
يقول الله تعالى : " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " ويقول جل وعلا : " ورتل القرآن ترتيلاً " والآيات في ذلك معلومة ، المقصود أن القراءة التي لا تدبر فيها تخلص إلى صلاة لا خشوع فيها ، ولا لب لها ، ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " لا خير في عبادة لا علم فيها ، ولا علم لا فقه فيه ، ولا قراءة لا تدبر فيها "
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله " فانظر إلى كلامهما رضي الله عنهما من حيث ترتيل القرآن وواقع كثير من الأئمة الذين يخلون بقراءة القرآن فلا تدبر في قراءتهم ولا خشوع بل قد لا يفهم منها بعض حروفها من شدة السرعة وعدم الترتيل وكل ذلك من التساهل وعدم معرفة المقاصد التي من أجلها أنزل القرآن ، ومنها التدبر والترتيل كما سبق في الآيتين السابقتين . قال صلى الله عليه وسلم : " ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها " [ ] ، دخل حذيفة رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يصلي لا يتم الركوع والسجود ، فلما انصرف قال له حذيفة : مذ كم وهذه صلاتك ، قال : مذ أربعين سنة ، فقال حذيفة : ما صليت مذ أربعين سنة ، ولو مت وهذه صلاتك مت على غير الفطرة التي فُطر عليها محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم أقبل عليه يعلمه فقال : إن ليخفف الصلاة ويتم الركوع والسجود . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن الرجل ليصلي ستين سنة لا يقبل الله له صلاة ، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود ، ويتم السجود ولا يتم الركوع . [ حديث حسن . انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/ 347 ] . وعن بلال رضي الله عنه : أنه أبصر رجلاً لا يتم الركوع ولا السجود ، فقال : لو مات هذا لمات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم . [ صحيح ] . قال سفيان الثوري رحمه الله : من لم يخشع فسدت صلاته . وقال الحسن البصري : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع .
وأحسن من قال :
تصلي بلا قلب صلاة بمثلها *** يصير الفتى مستوجباً للعقوبة
تخاطبه إياك نعبد مقبلاً *** على غيره فيها لغير ضرورة
ولو رد من ناجاك للغير طرفه *** تميزت من غيظ عليه وغيرة
ألا تستحي من مالك الملك وأن يرى *** صدودك عنه يا قليل المروءة
صلاة أقيمت يعلم الله أنها *** بفعلك هذا طاعة كالخطيئة
وقال آخر :
وكم من مصل ما له من صلاته *** سوى رؤية المحراب والكد والعنا

قال صلى الله عليه وسلم : " يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً " [ رواه بن ماجة بسند صحيح . عند الألباني ] . وقال صلى الله عليه وسلم : " أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع ، حتى لا ترى فيها خاشعاً " [ حديث حسن صحيح ، رواه الطبراني بإسناد حسن . الترغيب والترهيب 1 / 354 ] . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينظر الله إلى عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده " [ حديث حسن ، رواه أحمد بإسناد جيد ] ، وعنه رضي الله عنه قال : : " أوصاني خليل بثلاث ، ونهاني عن ثلاث ، نهاني عن نقرة كنقرة الديك ، وإقعاء كإقعاء الكلب ، والتفات كالتفات الثعلب " [ حديث حسن رواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي شيبة ] . فلينتبه لذلك نقاروا الصلاة ، والذين لا يخشعون ولا يطمئنون فيها ، وليعلموا أن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة ، فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله ـ والعياذ بالله ـ فكيف يليق بمسلم عرف قدر الصلاة وعظيم شأنها عند الله تعالى ، ومدى اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بها وبإقامة أركانها وواجباتها وسننها ثم يأتي عبد ينتقص من صلاته ويسرقها وينقرها نقر الغراب والديك من أجل أمر تافه من أمور الدنيا ، ضارباً بتعاليم الدين عرض الحائط ، لا يعقل أن يكون هذا مصلياً بل يعد متلاعباً ، بأهم وأعظم ركن بعد الشهادتين ، وأسوأ من ذلك وأعظم إثماً وذنباً إن كان للناس إماماً ، فيكون بذلك داخلاً في قوله صلى الله عليه وسلم : " ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً " وقوله صلى الله عليه وسلم : " ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً " [ متفق عليهما ] ، فالإمام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ضامن ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين " [ رواه أبو داود والترمذي وابن خزيمة وصححه الألباني ] ، ومعنى ضامن : أي يضمن للناس صحة صلاتهم وسلامتها من كل ما ينقص أجرها ، فشأن الإمامة عظيم ، وخطرها كبير لمن استهان بأمرها وانتقص منها شيئاً ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم " [ رواه البخاري وأحمد ] ومعنى ذلك : أن أولئك الأئمة يصلون لأجل الناس أي بهم ، فإن أصابوا في الشروط والأركان والواجبات والسنن ، فثواب الصلاة لكم ولهم ، وإن ارتكبوا الأخطاء في صلاتهم ولم يبالوا بها فلكم ثوابها وعليهم عقابها . فيا من تنقر صلاتك وتسرقها اعرض نفسك على سنة نبيك قبل أن تلقى ربك تبارك وتعالى بصلاة لا روح فيها ولا نور لها فتحاسب عليها حساباً عسيراً . قال صلى الله عليه وسلم : " الصلاة ثلاثة أثلاث ، الطهور ثلث ، والركوع ثلث ، والسجود ثلث ، فمن أداها بحقها قبلت منه ، وقبل منه سائر عمله ، ومن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عمله " [ حديث حسن رواه البزار وقال بن حجر إسناده حسن ] .
قال الشيخ علي محفوظ عندما نبه على بعض البدع في صلاة التراويح ثم قال : " وأشد كراهة منه صلاة التراويح مع التخفيف المفرط فيها جهلاً من الأئمة وكسلاً من الناس ، والانفراد في هذه الحالة أفضل من الجماعة ، بل إن علم المأموم أن الإمام لا يتم بعض الأركان لم يصح اقتداؤه به أصلاً ومن قارن بين صلاة التراويح اليوم ويوم تشريعها وأيام القرون الأولى يرى أن الناس قد ذهبوا بكل مزاياها وعطلوا معظم شعائرها وأحدثوا بدعاً سيئة لا يرضاها الله ولا رسوله ولا مسلم له على الشرع غيرة " [ الإبداع في مضار الابتداع 265 ] .

صلاة التراويح والتخفيف فيها :
واعلم أيها الطالب للحق ، أيها المبتغي للأجر أن التخفيف الوارد في قوله وفعله صلى الله عليه وسلم ليس هو التخفيف الذي اعتاده سراق الصلاة والنقارون لها ، وأن ما وصفه أنس بقوله : " ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم " [ رواه مسلم ] فالتخفيف المذكور في قول أنس مقرون بالتمام ، وأنس قد وصف تطويل النبي صلى الله عليه وسلم في ركني الاعتدال حيث قال : حتى كانوا يقولون قد أوهم . أي من كثرة ما يطيل الوقوف بعد الركوع ، والجلسة بين السجدتين ، وكذلك الركوع والسجود فكان يسبح عشر تسبيحات في كل منهما ، وتخفيف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند سماع بكاء الصبي لا يعارض ما ثبت عنه في صفة صلاته حتى قال صلى الله عليه وسلم : " إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز " [ رواه مسلم ] فهذا التخفيف كما هو واضح في الحديث كان لعارض وهو سماع بكاء الصبي .
وإن مما تعلق به سراق الصلاة والنقارون لها ، والمتنقصون لأركانها وواجباتها ، حديث معاذ رضي الله عنه في الصحيحين ، وما تعلق به أولئك الجهلة من أئمة ومأمومين مبني على فهم خاطئ وعدم علم بكامل قصة الحديث ، وإليكها : " صلى معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة ، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء ، فقرأ بهم سورة البقرة ، فانفرد بعض القوم ، وصلى وحده ، فقيل نافق فلان ، فقال : والله ما نافقت ، ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه فأخبره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ : أفتان أنت يا معاذ ؟ هلا صليت بـ { سبح اسم ربك الأعلى } و { والشمس وضحاها } و { والليل إذا يغشى } [ رواه البخاري ومسلم ] وعليه فيستحب أن يقرأ الإمام في صلاة العشاء بهذه السور أو أمثالها ، فيحمل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لأمرين :
الأول : بعد المسجد عن بني عمرو بن عوف .
الثاني : القراءة بسورة البقرة .
فهذا الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه يحمل الحديث الآخر : " يا أيها الناس إن منكم منفرين " ومعلوم أن كل من كان يصلي بمثل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس بمنفر ، وعلى ذلك فليس لسراق الصلاة حجة في ذلك ولا ممسك لهم ولا متعلق بحديث معاذ ، بل الصحيح أنه حجة عليهم لمن تأمل ، فهو حجة دامغة تدمغ الباطل وتزهقه ، وتحق الحق وتظهره . إن مثل أولئك السرقة الظلمة الذين ينتقصون قدر الصلاة ولا يقيمون لها وزناً ولا يقدرون لها قدراً ، كمثل أهل النفاق الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ، يريدون أن يرتاحوا من الصلاة ، لا يرتاحون بها ، فهؤلاء لا عبرة بنفورهم ولا عبرة بحججهم فهي حجج واهية ومجادلة باطلة لا طائل لهم منها إلا الفتنة بين المسلمين ، فهؤلاء لو وقفوا بين يدي مخلوق عبد لله معظم اليوم ، فلا تراهم يشكون ولا يتبرمون ، أما إذا وقفوا جزءاً يسيراً بين يدي ربهم سبحانه استثقلوا الوقوف وشكوا طوله وعناءه ، وكأن الواحد منهم واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ، ومن كانت هذه همته لخدمة ربه ، وقلة رغبته للوقوف بين يدي خالقه ، فالله غني عن هذه الخدمة منه .
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : " إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف ، وإن كان ليؤمنا بالصافات " [ رواه أحمد والنسائي بإسناد صحيح ] ، بل قال صلى الله عليه وسلم : " إن طول صلاة الرجل ، وقصر خطبته ، مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة ، وأقصروا الخطبة ، وإن من البيان لسحراً " [ رواه مسلم ] ، ومعنى مئنة : أي علامة .
قال شيخ الإسلام رحمه الله : فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم طول الصلاة علامة على فقه الرجل ، وأمر بإطالتها ، وهذا الأمر ، إما أن يكون عاماً في جميع الصلوات ، وإما أن يكون المراد صلاة الجمعة ، فإن كان اللفظ عاماً فظاهر ، وإن كان المراد صلاة الجمعة فإذا أمر بإطالتها مع كون الجمع فيها يكون عظيماً ، ففيه من الضعفاء والكبار وذوي الحاجات ما ليس في غيرها ، ومع كونها تفعل في شدة الحر ، مسبوقة بخطبتين ، فالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد مع قلة الجمع أولى وأحرى ، وإنما ذكرنا هذا تفسيراً لما في حديث أنس ، من تقدير صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قد يحسب من يسمع هذه الأحاديث أن فيها نوع تناقض أو يستمسك بعض الناس ببعضها دون بعض ، ويجهل معنى ما تمسك به ، وكان عمر رضي الله عنه يقرأ في الفجر بيونس ، وهود ، ويوسف ، ولعله علم أن الناس خلفه يؤثرون ذلك " [ اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 273، 286 ] .
ومن تأمل الأدلة السابقة تبين له أن التخفيف لا يمكن أن يضبط من تلقاء الناس ، ولا يرجع فيه إلى عادة أو مذهب ، ولا إلى رغبة الإمام ولا المأمومين ، لأن رضى الناس غاية لا تدرك ، بل الضابط ما جاءت به السنة المطهرة عن خير البشر وأفضل الأنبياء ، وأرحم الناس بالناس نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا تحاكم إلا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهما الفصل في كل نزاع ، قال تعالى : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " ، وقد سبقت الإشارة إلى مقدار القراءة في صلوات النبي صلى الله عليه وسلم في الفروض الخمسة .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على نبي الرحمات . محمد وعلى آله وأصحابه أهل الكرامات ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم العرصات .

 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية