اطبع هذه الصفحة


ضلال الصوفية

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، نبينا وحبيبنا محمد الصادق الأمين ، وعلى آله وأصحابه والتابعين . . وبعد :
لقد غلا الصوفية كثيراً في الرؤيا واليقظة ، فجعلوها مصدراً للتلقي ، حتى أنك لترى أكثر الطرق الصوفية تنشأ نتيجة لرؤيا رآها شيخ الطريقة ، يدعي أن الرسول صلى الله عليه وسلم خصه بشيء من الدعوات والصلوات أو نحو ذلك ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يخص أحداً بشيء هو من دين الله ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة 3 ] ، وقد أشهد الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في يوم عرفة في السنة العاشرة من الهجرة على البلاغ فقال : " اللهم فاشهد " ، فلم يبق من الدين شيء يحتاجه الناس إلا بينه ، وهذا حديث نبوي كريم شريف يبين لضعاف النفوس ما للصوفية من خطر عظيم ، وضلال مبين ، عَنْ الْعِرْبَاضَ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه قال : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ : " قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا ، لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً ، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ " [ رواه ابن ماجة ] .
ولا يخفى على كل ذي لب وعقل أن من يدعي ويزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمره وينهاه ، ويشرع له ، فهو كاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك رمي لرسول بالكتمان ، وهذا لا يتناسب ومقام النبوة والرسالة ، وما يتصف به الأنبياء من الأمانة والصدق والتبليغ ، وقد أجمعت الأمة على عدم اعتماد أي فتوى شرعية من الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أفتى بها من رآه مناماً ، وبه يعلم مدى ما وصل إليه التصوف من الضلالة ، وشرعية ما به تقويض أركان الملة المحمدية ، بل إن من الصوفية من يدعي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ، وهذا لا يمكن أبداً ، وهو ممتنع عند جماهير أهل العلم من الصوفية وغيرهم .
بل وهناك من زعماء الصوفية من يزعم أنه رفع عنه التكليف ، فلا يؤمر بشيء من الأوامر والطاعات ، بل ويفعل المحرمات والمنكرات .
والسؤال : هل هذا المزعوم الكاذب أفضل ، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
والجواب : بلا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء ، وخير الرسل على الإطلاق ، وهو إمامهم ، ومع ذلك كان مكلفاً كما يكلف بقية الناس ، بل كان أشد الناس تكلفاً في العبادة ، يقوم أكثر الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان ، ويصوم وصالاً ، بل أمر بقيام الليل ، وهو سنة في حق غيره ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } [ المزمل 1-4 ] .
ولم تسقط عنه التكاليف الإلهية حتى وهو في مرض موته ، فيقوم للصلاة ويسقط ، وإليكم الدليل يا أهل الحق والبيان :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِى عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَلاَ تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ بَلَى ، ثَقُلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ « أَصَلَّى النَّاسُ » . قُلْنَا لاَ ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ . قَالَ « ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ » . قَالَتْ فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِىَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم « أَصَلَّى النَّاسُ » . قُلْنَا لاَ ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ » . قَالَتْ فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِىَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ « أَصَلَّى النَّاسُ » . قُلْنَا لاَ ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ « ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ » ، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِىَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ « أَصَلَّى النَّاسُ » . فَقُلْنَا لاَ ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ - فَأَرْسَلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَى أَبِى بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّىَ بِالنَّاسِ ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّىَ بِالنَّاسِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلاً رَقِيقاً - يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ . فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّى بِالنَّاسِ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِأَنْ لاَ يَتَأَخَّرَ . قَالَ « أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ » . فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِى بَكْرٍ . قَالَ فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّى وَهْوَ يَأْتَمُّ بِصَلاَةِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسُ بِصَلاَةِ أَبِى بَكْرٍ ، وَالنَّبِي صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ . قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ أَلاَ أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ هَاتِ . فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا ، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئاً ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ قُلْتُ لاَ . قَالَ هُوَ عَلِىٌّ " [ متفق عليه ] .
فهل يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكاليف الشرعية ، ويزعم زعماء الصوفية بأنها رفعت عنهم ، من ذا الذي نفى عنهم التكاليف ؟
بل المعلوم في الشريعة الإسلامية أن لا يرفع التكليف إلا عن ثلاثة كما في الحديث :
عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ : عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ " [ رواه أبو داود وغيره ] .

فمن هذا الحديث ، وبزعم ضُلاَّلُ الصوفية أنه رفع عنهم التكليف ، فإن كانوا كذلك فلن يخرجوا عن ثلاث حالات :
الأولى : أن يكونوا صغاراً أطفالاً ، فلا يؤخذ بقولهم ، وهذا لا يمكن لأنهم كبار في السنِّ وقد بلغوا الحلم ، وجرى عليهم القلم ، فهم قوم سفهاء كالأطفال ، لا عبرة بأقوالهم ولا رؤاهم ولا آراؤهم ، فكم يُتبعون إذن ؟
فليسأل كل صوفي نفسه عن ذلك ، كيف تتبع قوماً سفهاء الأحلام ، وكثيري الأوهام ؟
الثانية : أن يكونوا نياماً غير مستيقظين ، فلا يؤخذ بقول النائم ، لأن القلم رفع عنه ، وهم ليسوا بنيام ، بل هم مستيقظون يتحركون ويمشون ويعرفون من حولهم ويخاطبونهم ويكذبون على من تبعهم ، ويتخبطون في مقالاتهم ، ومثلهم في القرآن كمثل فرعون مقومه ، حيث قال الله تعالى : { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ } [ الزخرف 54-56 ] .
الثالثة : وهي التي لم يبق غيرها ، وهذا هو الظن فيهم ، أن يكونوا مجانين ، وهذا هو الأقرب للصواب ، لأنهم أصيبوا في عقولهم فبدءوا يهذون ، فهم كالكبير الخَرِف ، الذي لا يُعتد بقوله ولا فعله كما هو معلوم من الشرع المطهر ، بل لا يجوز له مطلق التصرف في ملكه ، بل لابد من الحجر عليه ، حتى لا يسيء التصرف في ممتلكاته .
فأولئك الصوفية إما أن يكونوا مجانين ، والمجنون لا يُعتد بقوله ، ومحلهم مستشفى الأمراض العقلية ، وإما أن يكونوا مخرفين والمُخَرِّف يُحجر عليه لقصر عقله ، وسفه تفكيره ، وسوء تدبيره ، وبهذا لا يؤخذ بقولهم في سقوط التكاليف عنهم ، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتيهم في منامهم ويقظتهم ويأمرهم ، وينهاهم ، ومن قال بذلك فقد استخف بعقول الناس ، لأنه يصادم شِرْعَةَ الله تعالى ، ويخالف ما عليه إجماع المسلمين من انقطاع الوحي بعد موته صلى الله عليه وسلم ، وأن الدين قد اكتمل قبل موته عليه الصلاة والسلام ، ومن ادعى غير ذلك فهو كافر لا يُتَّبَع في شيء ، فأين عامة الصوفية عن ادعاءات كبرائهم وزعمائهم ؟ ألا يفيقون من غفلتهم ، ويستيقظون من رقدتهم ؟ أم إنهم عند ربهم سيختصمون ؟ كما رب العالمين : { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } [ الأحزاب 64-68 ] .
ويوم القيامة سيندم كل من اتخذ صوفياً ولياً ، أو شيعياً إمامياً ؟
فكل الصوفية على ضلال ، وكل الشيعة في ضلال ، فهل يفيق أولئك ، قبل ألا تنفع ساعة مندم ، إنهم كمن قال الله فيهم : { وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ إبراهيم 21-22 ] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " وقد قال بعض الناس أنه تجوهر ، وهذا قول قوم داموا على الرياضة مدة ، فقالوا لا نبالي بما عملنا بعد ذلك ، وإنما الأمر والنهي رسم للعوام ، ولو تجوهروا مثلنا لسقط عنهم ، وحاصل القيود ترجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد فيها ضبط العوام ، ولسنا من العوام فندخل في التكاليف ؛ لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة ، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى ، بل هم أكفر أهل الأرض ، فإن اليهود والنصارى آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض ، وهؤلاء كفروا بالجميع فهم خارجون عن التزام شيء من الحق " [ انظر مختصر الفتاوى المصرية 245 ] .
وقد قال ابن عربي : وهو صوفي خارج من الدين ، كفره العلماء ، وهذا شيء من كفره :

العبد رب والرب عبد --- يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب --- أو قلت رب أنى يكلف

فلما صار عنده عين وجود الرب هو عين وجود العبد ، صار كل واحد عنده هو عين الآخر ، وإذا كان الرب لا تكليف عليه ، والرب هو العبد ، فالعبد أيضاً لا تكليف عليه .
وهل يقول هذا الكفر البواح ، عاقل منصف ، عالم تقي ورع ، يخاف الله ويخشى الوقوف بين يديه .
قال شيخ الإسلام : " ومن الصوفية من يسقط عن نفسه بعض التكاليف دون البعض الآخر ، فيزعم مثلاً أن الصلاة سقطت عنه ، لأنه وصل إلى المقصود الذي من أجله شرعت الصلاة ، وبالتالي فهي لا تجب عليه بعد الوصول ، وبعضهم يزعم أن الصلاة سقطت عنه وقت المشاهدة ، وبعضهم يزعم سقوط الحج عنه ، ومنهم من يزعم أنه استغنى بالتوبة والحضور عن سائر العبادات والطاعات ، ومنهم من يستحل المحرمات كالفطر في رمضان من غير عذر ، ويستحل شرب الخمر ، ويزعم أنها لا تحرم إلا على العوام دون الخواص ، وذلك لزكاة نفوسهم وصلاح أعمالهم .
هذا وقد أجمعت الأمة على كفر من جحد واجباً من الواجبات الظاهرة المتواترة ، أو جحد تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة ، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح " [ انظر مختصر الفتاوى المصرية 246 ] .
قال ابن القيم رحمه الله : " وهؤلاء أعظم كفراً وإلحاداً ، حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة والتي هي أماني النفس ، وخداع الشيطان ؛ وكأن قائلهم إنما عنى نفسه وذوي مذهبه بقوله :
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا [ انظر مدارج السالكين 3 / 118، 119 ] .
وبعد فأين هؤلاء من قوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم : { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } أي : الموت .
وأين هم من قوله عن صفوة عباده : { وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الأنعام 52 ] .
بل أين هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحوالهم في التعبد ، كما قال سبحانه عنهم وعن نبيهم وخليلهم : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } [ محمد 29 ] .
بل إن شيوخ الصوفية أنفسهم صرحوا بوجوب اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما .
يقول ابن القيم رحمه الله : " وقد صرح أهل الاستقامة وأئمة الطريق بكفر هؤلاء فأخرجوهم من الإسلام ، وقالوا لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة ، أي : ما دام قادراً عليه " [ مدارج السالكين 3 / 118، 119 ، وانظر العبودية لابن تيمية 65 وما بعدها ] .
ومن ذلك قول الجنيد بن محمد : " عِلْمُنَا هذا مشتبك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
وقال إبراهيم بن محمد النصر أبادي : " أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع ، والتمسك بالأئمة ، والاقتداء بالسلف ، وترك ما أحدثه المتأخرون والمقام على سلك الأولين " .
وسئل إسماعيل بن نجيد ما الذي لا بد للعبد منه فقال : " ملازمة العبودية والسنة ودوام المراقبة ، وسئل عن التصوف فقال : هو الصبر تحت الأمر والنهى " .
وقال أحمد بن أبي الحواري : من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله ، وقال عبد الله الخياط : " الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على ما يقع في قلوبهم ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فردهم من القلب إلى الدين والشريعة " [ مدارج السالكين 3 / 118، 119، وانظر العبودية لابن تيمية 65 وما بعدها ] .

وللأسف الشديد أن الصوفية قد قامت على ثلاثة عناصر رئيسية :
الأول : سلب المنتسب إلى الطريقة لإرادته وتسليمها إلى الشيخ الذي ينتسب إليه ، بحيث لا يتصور أن يخالفه البتة ، وهو المعبر عنه بقولهم : "أن يكون المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغسال " .
ثانيا : انقطاع المريد عن الدنيا انقطاعاً تاماً ، فلا يشارك في الحياة العامة ولا يتجاوب شعورياً مع مشاكل المسلمين وآمالهم .
ثالثا : يعيش المريد في جو من الحياة الرمزية المليئة بالألغاز ، والتي يدعي أنه لا يعلم فك معانيها إلا الشيخ المتبوع ، فهو أعمى أصم لا عقل له ، يتقبل كل شيء بلا مناقشة ولا اعتراض [ انظر الصوفية بين الحق والخلق ص 143، 232 ] .
والناظر في كتاب الله وسنة رسوله يجد النصوص تأمر المسلمين بالتجمع تحت لواء شهادة " لا إله إلا الله محمد رسول الله " حيث يقول سبحانه : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران 103 ] ، ويقول جل شأنه : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [ الأنعام 153 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار " [ رواه الترمذي ] ، وفسر صلى الله عليه وسلم الجماعة بأنه ما كان عليه هو وأصحابه ، وقال في حديث افتراق الأمة : " كلها في النار إلا واحدة " [ رواه أحمد وابن ماجة ] ، مما يدل على أن الصوفية بعددها وتفرقها وفسادها وعقائدها ، لا تدخل في مسمى هذه الفرقة الناجية الواحدة ، لاسيما وأن فيهم من مخالفة الشريعة والاقتداء بغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو واضح جلي ، والله يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } [ الحجرات 1 ] ، وقال سبحانه : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } [ النساء 59 ] ، وقال سبحانه : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [ النساء 65 ] ، فالإمام المتبع المقتدى به هو الرسول صلى الله عليه وسلم دون من سواه ، قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } [ الأحزاب21 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " . . فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي " [ رواه البخاري ومسلم ] .
ومعلوم عند كل مسلم ومسلمة أن الله تعالى أنزل الوحي _ وهو جبريل عليه السلام _ على محمد صلى الله عليه وسلم ، ليأمر الناس وينهاهم ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [ المائدة67 ] ، وقال سبحانه وتعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [ الشعراء 192-195 ] .
وقال الله عز وجل : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ النحل 43-44 ] .
فهذا الشرع المطهر نزل به جبريل _ أمين الله على وحيه _ على قلب محمد صلى الله عليه وسلم _ أمين الله على رسالته _ ولم يجعل الله بيننا وبينه واسطة في تبليغ الرسالة غير رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين ، وانقطع الوحي بموته صلى الله عليه وسلم ، عَنْ أَنَسٍِ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ : انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَزُورُهَا ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ ، فَقَالاَ لَهَا : مَا يُبْكِيكِ ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَتْ : مَا أَبْكِى أَنْ لاَ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلاَ يَبْكِيَانِ مَعَهَا " [ رواه مسلم ] ، فكيف يدعي أحد أنه يتلقى الوحي من الله ، فهذا كاذب مكذب بالقرآن والسنة ، خارج من دائرة الإسلام ، يجب استتابته وإلا قتل مرتداً والعياذ بالله ، فأين العقول يا أهل الإسلام ؟
احذروا هذه الطرق الهدامة كالصوفية والرافضة والمعتزلة والجهمية والقدرية وغيرها من الطرق والمذاهب ، فما هي إلا فرق وطرق تدعو إلى النار ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ : " مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ _ صلى الله عليه وسلم _ وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ " [ رواه مسلم واللفظ للنسائي ] .
وبهذا يظهر لنا وجوب الاجتماع على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنه هو الإمام المقتدى به دون سواه ، وأنه لا طريق للعمل بالشريعة ، سوى ما جاء به ، مما يدل على أن الاجتماع على أي اسم غير الإسلام والإيمان والإحسان ، فهو بدعة في الدين عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ " [ رواه البخاري ومسلم ] ، وقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : " َمَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ " [ رواه البخاري ] .
مما سبق يتبين لكل مسلم عاقل مؤمن بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، أنه لا يجوز الاقتداء بأي شخص كائن من كان ، بحيث تؤخذ أقواله وأفعاله مسلمات شرعية ، إلا إذا ثبت أنها موافقة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الإمام مالك : " كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر " يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم . وقال الإمام الشافعي : " إذا وافق قولي قول الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا فاضربوا بقولي عرض الحائط " ، وبناء على ذلك فليس لأحد من الخلق طاعة مطلقة على عباد الله ، إلا أن يوافق قوله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويبدو أن الصوفية تأثروا كثيراً بالشيعة في قضية الإمامة ، بحيث جعلوا شيوخهم كالأئمة عند الشيعة في تلقي أقوالهم بالقبول ، وعدم المناقشة أو الاعتراض على شيء منها ، لاسيما إذا قرن ذلك بإصرارهم على إرجاع نسب شيوخ طرقهم إلى فاطمة الزهراء وسلسلة تصوفهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، مما يدل دلالة قاطعة على تأثرهم بعقيدة الإمامة عند الشيعة ، هذا وينزه شيوخ السلف من المنسوبين إلى التصوف أن يكونوا كذلك ، لما تواتر عنهم وعلم بطريق النقل الصحيح من معتقد سلفي ، وعمل سني ، لا أثر للبدعة فيه ، مع عدم تنزيهنا لأحد من البشر من الخطأ ؛ إذ كل بني آدم خطاء .
ومما تقدم علم أن الانتساب إلى هذه الطرق الصوفية بدعة في الدين ، فيحرم الانتساب إليها ، ويجب الانتساب إلى الأمة المحمدية وهو الانتساب إلى السلف الصالح الذين هم على ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الموسومين بلقب الفرقة الناجية ، التي تمثل الأمة المحمدية في صفاء عقيدتها ، ونقائها ، وصلاح أعمالها ، المتضمن المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم في كل قول أو فعل أو اعتقاد .
ولو حَكَّمَ العاقل عقله ، وقلب البصير بصره ، وتأمل بأدنى بصيرة لعلم كذب كبار الصوفية في زعمهم واعتقادهم ، وإني لأدعو كل من يريد الخلاص من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، أن يتأمل هذا النقاش الذي ذكره الله تعالى في كتابه بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقومه ، قال تعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [ الشعراء 69-104 ] .

أقسام التصوف :

ينقسم التصوف إلى أقسام يجب معرفتها وهي :
أولاً : التصوف الغالي :
وهو الذي غلا أصحابه حتى خرجوا من الإسلام بالكلية ، أو لم يدخلوه أصلاً ، وإنما تلبسوا به ليهدموه أو ليسلموا من عقوبة أهله ، وهو اتجاهان رئيسيان :
1- التصوف الفلسفي :
وهو المبني على فلسفة اليونان والهند وأصحابه أقرب شيء إلى الباطنية ، وهم يهتمون بالخوض في المباحث الإلهية والكونية على الطرق الفلسفية ، ولهذا نجد كتاباتهم تفيض بالمصطلحات الفلسفية مثل : العقل الكلي ، النفس الكلية ، الأعراض ، الجواهر ، الصورة والهيولي .
والصورة هي المظهر ، والهيولي : المادة الخام ، مثل الكرسي هو صورة ، وهيولاه الخشب .
وهو يؤمنون بالاتحاد أي : اتحاد الخالق بالمخلوق ، ووحدة الوجود ، ومن أشهر المنتسبين له : ابن عربي ، وابن الفارض ، وقد قتلا ردة والعياذ بالله .
2- التصوف الرهباني :
نسبة إلى الرهبانية ، ويطلق عليه التصوف البوذي ، وهو المبني على الرياضات والخلوات والمجاهدات والخيالات ، وأصحابه أقرب شيء إلى البوذية ، وهو يهتمون بالخوض في الوساوس والخطرات وقمع النفس ، ومستخدمين السياحة في الأرض ، والانقطاع في الفلوات ، ويكثرون من الأشعار والقصص والذكر بطريق الرقص والتمايل ، كما يهتمون بالخوارق والكرامات ، ويستخدمون السحر والجن لذلك .
فترى أحدهم يطير في الهواء ، أو يمشي على الماء ، أو يطعن نفسه بحديدة ولا تؤثر فيه ، أو يصبر عن الطعام والشراب عدة أيام أو غير من الكذب والدجل ، وكل ذلك بمساعدة الجن والسحر التخيلي على الناس ، كما قال تعالى : { قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } [ الأعراف116 ] .
وهذا من أوضح الأدلة على فساد التصوف وانحرافه عن الإسلام ، وإلا فإن أعلى أولياء الله هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تحصل لهم مثل هذه الأمور ، بل إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالكرامة الحقيقية ، ويؤمنون بأن أعظم كرامة للمؤمن هي تمسكه بالكتاب والسنة ، وتجنبه للفواحش والبدع ، وجهاده ودعوته إلى الله تعالى ، والصبر على الأذى في ذلك .
أما هذه الخوارق فإن سحرة الفراعنة واليهود والهنود ، يفعلون مثلها وأعظم منها ، فما لم يكن التمسك بالسنة والاجتهاد في التقوى هو مقياس الولاية ، فلا فرق بين الولي والساحر والمشعوذ والكذاب ، قال تعالى : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } [ يونس62-63 ] .
وليعلم المسلم أن أولياء الله من الأنبياء وغيرهم أيدهم بكرامات ، والكرامة : أمر خارق للعادة ، يظهره الله سبحانه وتعالى على يد متبعي الرسول صلى الله عليه وسلم إما تكريماً لهم ، وإما نصرة للحق .
وهناك فرق بين معجزة النبي ، وكرامة الولي ، وشعوذة المشعوذ ، وإهانة الكاذب :
فمعجزة النبي أمر خارق للعادة ، يظهره الله تعالى على يد نبي من الأنبياء تأييداً له ، وتصديقاً له ، مثل : انفلاق القمر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وانفلاق البحر لموسى عليه السلام ، وإحياء الموتى لعيسى عليه السلام ، كل تلك المعجزات بأمر من الله تعالى .
وأما كرامات الأولياء فهي أمور خارقة للعادة ، ولكنها لا تكون للأنبياء ، بل لمتبعي الأنبياء الذين هم على دربهم وأمرهم ودينهم ، كما حصل من تكثير الطعام لأبي بكر ، وهز جذع النخلة لمريم رضي الله عنه .
وأما مشعوذة المشعوذ ، فهو ما يحصل لهم من استخدامهم للجن والسحر فتنة للناس .
وأما تكذيب الكاذب فكما حصل لمسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة ، فجاءه قوم أهل حرث ممن اتبعوه يشكون غلبه غور الماء إلا قليلاً ، فسألوه أن يتفل فيها ليكثر الماء ، فجاء إلى البئر وفيها قليل من الماء فتفل فيها فلم يبق فيها شيء من الماء .
فتنبهوا أيها الصوفية .
ومن عقائدهم الباطلة : الحلول والاتحاد ، ووحدة الوجود ، ومنها التفويض وهي : أن الله تعالى يفوض تدبير العالم إلى الأقطاب والأولياء _ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً _ .
إن في قولهم هذا اتهام لله بالعجز ، والله منفي عنه العجز ، بل هو القادر والقاهر فوق عباده ، وهو سبحانه القائل عن ذاته الإلهية ، وقدرته المطلقة : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ الزمر67 ] .
ويقول سبحانه وتعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الأحقاف33 ] ، ومعنى يعي أي : يعجز .
الله الذي لم يوكل الملائكة العظام ، في تدبير شؤون الكون ، الذين وصفهم بالعبودية والطاعة المطلقة ، والذين لا يمكن أن تصدر منهم معصية قط ، لم يوكل تدبير شؤون الكون لهم ، ثم يأتي إنسان مخلوق ضعيف لا يملك من أمره شيء ، لو مرض لذهب لبقي الأيام والليالي لا ينام ، يأكل ويشرب ويقضي حاجته من بول وغائط وغير ذلك مما يعتري الإنسان من نقص وقصور ، ثم يدعي أن الله أوكل إليه تدبير شؤون العالم ، وهو لا يستطيع أن يدير شؤونه وشؤون بيته وأهله ، وإني أدعو كل عاقل من الصوفية أن يتأمل عظم خلق الملائكة ، مقارنة مع هزالة هيكل الإنسان ، وضعفه وخوره وجهله ، ومع ذلك لم يوكل الله إلى الملائكة الكرام تدبير شؤون شيء من الكون ، وتعالوا وتأملوا واحكموا :
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ " [ رواه أبو داود وهو حديث صحيح ] .
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ، أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام مُنْهَبِطًا ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ سُنْدُسٍ مُعَلَّقًا بِهِ اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ " [ رواه أحمد في مسنده ، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط : صحيح ، دون قوله : " عليه ثياب سندس ، معلقاً به اللؤلؤ والياقوت " فصحيح لغيره ] .
وعن ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَلَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ " [ رواه أحمد ، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط : إسناده حسن ] ، والْجَنَاحَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ .وحدث عن إسرافيل وميكائيل وغيرهم من الملائكة ، عن عظم خلقهم ، ومع ذلك ليس لهم من أمر تدبير شؤون الكون شيء ، فهل يأتي صوفي ويدعي أن الله أوكل إليه تدبير شؤون العالم ، ما هذه السخافة ، وما هذا الكذب على الله ؟ فليأتونا بنص شرعي من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ينص على ادعائهم عن كانوا صادقين ؟

لاحظ رعاك الله :

أن معظم الطرق الصوفية في العالم الإسلامي تنتمي لهذا الاتجاه الفاسد الخاطئ ، فالتصوف ليس فكرة ولكنه اتجاه واسع ، وطرق متناقضة ، علماً بأن الصوفي يؤمن بمتناقضات كثيرة في آن واحد .
ثانياً : التصوف البدعي :
ينتمي إليه بعض المسلمين قديماً وحديثاً ، عن حسن نية وقصد ، ظناً منهم أنه مجرد اصطلاح يطلق على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المراقبة والمحاسبة ، والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا ، لكن وللأسف يوجد عندهم بدع صغيرة وكبيرة ، وأكثرهم تفسد عقائدهم في الصفات والقدر ، ونظرتهم للدنيا وغيرها ، مما كان له أثر واضح في انحطاط الأمة اعتقاداً وعلماً وحضارة .
ومن كان صحيح العقيدة ، سليم المنهج ، صادق العبادة من المسلمين ، فلا يجوز له أن ينتسب إلى التصوف ولا إلى غيره ، وإنما يكون الانتساب إلى الإسلام والسنة وهذا هو منهج محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

عقائد فاسدة :

يعتقد الصوفية أن للصوفي طرق يسير عليها العابد ليصل إلى معبوده وهي كالتالي :
1- المريد :
وهو المبتدئ الذي يتلقى عن الشيخ ، ويجب أن يكون كالميت بين يدي الغاسل ، فلا يجوز له الاعتراض أو المناقشة حتى لا يكشف زيغ وكذب شيخه ، ويعرف أنه كاذب في عبادته وخلواته ، وغنما هي الجن والسحر الذي يستخدمه للتخييل على الناس ، فيؤمر المريد أن يلتزم بما يجلبه الشيخ من أذكار وأوراد وصلوات ، ويتأسى به ويذيع كراماته _ كذباته _ ويدافع عنه ، وهذا هو السفه والغفلة المهلكة ، فتنه أيها المريد وعُد إلى الله شديد الوعيد .
2- السالك :
وهو الذي يقوم بالرياضات والمجاهدات ، ليصل إلى الغاية ، وهي رفع التكاليف ، وهذا هو الذي يسعى له كبار الصوفية ، أن يتخلصوا من أوامر الدين ، ويرتكبوا المحرمات ، في ظل استسلام الناس لهم ، والإيمان بترهاتهم وكذباتهم ، وإلا فمن ذا الذي حصل له من الله إذن وشهادة بترك الطاعة والعبادة ، ويسمح له بارتكاب الحرام والموبقات ؟
3- الواصل :
وهو الذي وصل الغاية ، والغاية : هي الفناء في الإله المعبود ، أو الاتحاد به ، ولهذا يؤمن غلاة الصوفية بسقوط الأوامر والنواهي والتكاليف عن الواصلين ، لأن الغرض من الصلاة والزكاة والصوم . . . _ كما يزعمون _ هو الوصول إلى الله ، فمن وصل فلا حاجة له بها .
ولو ضربنا مثالاً بسيطاً في حياتنا اليومية لنبين خطأ الصوفية ، فلو أن موظفاً نشيطاً في عمله مخلصاً حريصاً ، وأصبح قريباً من مديره ، وتربطه به علاقة قوية جداً ، فهل يعفيه المدير من عمله ، أم أنه يزيد عليه في التكاليف والأعمال لثقته به ، ومنزلته وقربه منه ؟
سوف يجيب الجميع أنه سيكلف بالمزيد من الأعمال ، بل إذا تاخر يوماً أو غاب ربما غضب عليه مديره ، فما ظنكم بما يقوله عبد لله تعالى ، أنه وصل إلى الله عز وجل وأعفاه الله من التكاليف ، فلا يؤمر ولا ينُهى ؟
فليتنبه كل إنسان لترهات الصوفية ، وأحلامهم الوردية ، وكذبهم ودجلهم على من يتبعوهم ، وليعلم كل مسلم ومسلمة أن الصوفية على ضلال ، وأنهم من الفرق الخارجة عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يتوبوا ويعودوا إلى رشدهم ، ويحكموا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإلا هلكوا وأهلكوا من هم معهم من الجهلاء ، وكان المصير في الآخرة نار جهنم وبئس المصير .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين .


 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية