اطبع هذه الصفحة


السعادة والحقوق الزوجية  (4)

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


هانحن نتابع الحلقة الرابعة من سلسلة السعادة والحقوق الزوجية ، فمن حق الزوجة على زوجها :
9- النفقة عليها :
وهذا الحق دل عليه دليل الكتاب والسنة والإجماع .
أولاً / من الكتاب العزيز :
من أدلة وجوب نفقة المرأة على زوجها ، قوله تعالى في كتابه : { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } .
ينفق إذا كان غنياً مما آتاه الله على قدر غناه ، وإذا كان فقيراً مما آتاه الله على قدر فقره .
يقول العلماء أن في هذه الآية الكريمة أمران :
الأمر الأول : وجوب النفقة في قوله : { لِيُنفِقْ } فالنفقة واجبه .
والأمر الثاني : أنها تتقيد بحال الرجل ، إن كان غنياً ، فينفق نفقة الغنى ، فذو سعة من سعته ، أي ذو الغنى من غناه ، وذو الفقر من فقره ، قال تعالى : { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } .
فهذه ثلاثة أمور :
1- وجوب النفقة .
2- على الغني على قدر غناه .
3- وعلى الفقير على قدر ما آتاه الله .
ومن أدلة وجوب نفقة الزوجة على زوجها قوله سبحانه : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } .
في هذه الآية دليل على أن للرجل فضل على المرأة ، بالقيام بنفقتها .
ثانياً / من السنة :
من أدلة وجوب نفقة الزوجة على زوجها ، ما ثبت في السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالنفقة والحث عليها ، ووصية الأزواج بالقيام بها على وجهها ، حتى أباح للمرأة أن تأخذ من مال الزوج إذا امتنع من الإنفاق عليها ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، لاَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِى بَنِيَّ ، إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ، فَهَلْ عَلَىَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ _ يعني إثم _ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِى بَنِيكِ " [ رواه مسلم ] .
وعلى هذا لما قال لها : " خذي من ماله " ، دل على أن المرأة لها في مال الرجل حق من أجل النفقة .
وأما الدليل الثاني من السنة على وجوب النفقة على المرأة من قبل الزوج ، قال صلى الله عليه وسلم : " . . . أَلاَ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا ، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا ، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ : فَلاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ ، أَلاَ وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ : أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ " [ أخرجه الترمذي وغيره وقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] ، في قوله صلى الله عليه وسلم : " فأما حقهن عليكم " ، قوله : " حق " ، يدل على أنه واجب ولازم على الزوج ، فدل هذا الحديث على أن النفقة من الزوج على زوجته أنها واجبة ولازمة .
وعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ ؟ قَالَ : " أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ ، وَلاَ تَضْرِبِ الْوَجْهَ ، وَلاَ تُقَبِّحْ ، وَلاَ تَهْجُرْ إِلاَّ فِي الْبَيْتِ " [ رواه أبو داود وأحمد ] ، فدل على أن من حق المرأة على زوجها أن يطعمها ويكسوها .
ثالثاً / إجماع العلماء :
أجمع العلماء رحمة الله عليهم على أن الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته بالمعروف ، قال بعض أهل العلم : إنما وجبت النفقة على الرجال ؛ لأن المرأة محبوسة في البيت ، عاطلة عن العمل ، والأصل في المرأة أن تقوم على بيتها وأن ترعى بيتها .
ولو كانت المرأة تعمل ، فليس للزوج أن يتخلى عن النفقة عليها ، لأن رابتها ملك لها وحدها ، ولو كانت تملك الملايين ، لكن من حسن العشرة ، أن تساعد زوجها في شؤون بيتها ، لاسيما إذا كانت حاله في شيء من العسر ، فمن المعروف أن تساعده وتقف بجانبه ، وهذا كرماً منها ، وليس واجباً عليها ، بل النفقة واجبة من قبل الزوج على زوجته .
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله في خطبته كما في الصحيح في حجة الوداع : " استوصوا بالنساء خيراً ، فإنما هن عندكم عوان " ، عوان : أي أسيرات ، قالوا : ولذلك أُمِرَ الرجل أن يقوم بالإنفاق على المرأة من أجل هذا .
ومما جعل النفقة على الرجل للمرأة ، الحقوق المتبادلة ، والمنافع التي يبادل كل منهما الآخر ، فالمرأة يستمتع بها الرجل ، قال تعالى : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ، والمقصود بالاستمتاع هنا : الاستمتاع الحلال ، فمن أجل ذلك استحقت الزوجة أن تأخذ أجرها على ما يكون منها من القيام بحق بعلها في فراشه .
ولذلك : إذا نشزت وعصت وامتنعت من الفراش ، كان من حق الزوج أن يمتنع من الإنفاق عليها ، ونص بعض العلماء على أن من أسباب النفقة كونها فراشاً للرجل ، فلهذا كله أوجب الله على الرجال الإنفاق على النساء والقيام بحقوقهن .
مسائل في النفقة :
المسألة الأولى : ما هي أنواع النفقة التي ينبغي على الزوج أن يقوم بها تجاه زوجته ؟
المسألة الثانية : ما هي ضوابط النفقة التي ينبغي أن يتقيد بها الرجل ، بمعنى أن يؤديها على سبيل اللزوم وإذا أداها برئت ذمته ؟
أنواع النفقة :
أما بالنسبة لأنواع النفقة فإنها تنحصر في ثلاثة أمور :
الأمر الأول / الإطعام .
الأمر الثاني / الكسوة .
الأمر الثالث / السكن .
فهذه ثلاثة أمور ينبغي للزوج أن يرعاها في إنفاقه على زوجته وأهله وولده ، وبيانها كالتالي :
الحق الأول / الإطعام :
ويتضح في حديث عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ رضي الله عنه في حجة الوداع وفيه قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " أَلاَ وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ " [ أخرجه الترمذي وغيره ، وقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] .
قال العلماء : إن عموم الأدلة التي دلت على النفقة يدخل فيها الطعام ؛ لأن الله عز وجل قيد ذلك بالمعروف ، وقيده النبي صلى الله عليه وسلم بالمعروف ، والمعروف في أعراف المسلمين ، أن الزوج يطعم زوجته ، ويقوم على طعامها ، على الوجه الذي لا إضرار فيه .
وقال العلماء : يلزمه أمران :
1- الطعام .
2- وما يحُتاج إليه لاستصلاح الطعام .
فيكون الطعام كحب ونحو ذلك ، وما يؤتدم به الطعام ، والآلات التي تصلح الطعام ، فهذا كله لازم على الزوج ويكون مقيداً بالعرف ، فإذا كان غنياً ، فإنه يكون طعامه مرتبطاً بطعام الأغنياء مثله ، فلا يُطعم الغني طعام الفقير ، ولا يُطعم الفقير طعام الغني ، بمعنى لا يلزمه ذلك ، ولا تطالبه المرأة بمثل ذلك .
وقال العلماء : الطعام ينقسم في الأعراف إلى ثلاثة أقسام :
الأول / الأفضل والجيد .
الثاني / الرديء .
الثالث / الوسط بينهما .
فإن كان مال الرجل ودخله وما هو فيه من الحال ، هو حال أهل الغنى ، وجب عليه أن يطعم زوجته بالطعام الجيد الذي يطعمه مثله من ذوي اليسار ، وإذا عدل عن الطعام الجيد إلى أردئه فإنه يكون ظالماً ، وكان من حق الوالي والقاضي أن يلزمه بأجود الطعام وأحسنه .
كذلك أيضاً العكس ، فإنه إذا كان فقيراً وسألته المرأة أو وليها أن يطعمها طعاماً أفضل من طعام مثله ، وألحت عليه في ذلك ، لم يجب عليه أن يلبي لها ذلك ؛ لأن الله عز وجل أمر الإنسان أن ينفق على قدر ما أعطاه قال : { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } ، فربما أقحم نفسه في الدين لمجاراة من لا يستطيع اللحاق بركبهم من الأغنياء ، وهذا لا يجوز ، بل كل إنسان على قدر ما آتاه الله من المال واليسار والغنى .
مسألة مهمة : وهي أن الزوج ربما يكون ماله ودخله طيباً ، ولكن تنتابه ظروف لا يستطيع معها أن ينفق نفقة مثله ، وهذه الظروف تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : إما أن تكون ظروفاً قهرية تجبره على أن يقصر في النفقة ، وينـزل عن نفقة مثله ، فهذا اغتفره العلماء ، كما لو طرأت عليه خسارة ، أو طرأت عليه مصيبة في ماله ، فاحتاج أن يدفع فأخذ يقسط من راتبه شهرياً ، حتى ضيق على أهله في طعامهم فهذا لا إثم عليه .
القسم الثاني : أن تكون ظروفاً كمالية ، كأن يريد أن يشتري شيئاً صالحاً وهذا الشيء من باب الكمال ، كسيارة أو أرض أو نحو ذلك ، فمثلاً يريد أن يشتري أفضل سيارة ، وهذا الأفضل سيكون على حساب زوجته وأولاده ، فيضيق عليهم في النفقة ، قالوا : إنه يكون ظالماً في هذه الحالة ، وأنه لا يجوز له في هذه الحالة أن يطلب الكمال ، على وجه يضيع فيه الحق الواجب ، بل عليه أن يبقى على النفقة ويُلزم شرعاً أن يبقى على نفقة مثله ، ولو اعتذر بهذا الكمال ، فإنه لا عذر له فيه ، ويحكم بإثمه إذا ضيق على أهله وولده .
الخلاصة :
مما سبق بيانه نخلص إلى ما يلي :
1- وجوب نفقة الزوجة على زوجها غنىً وفقراً .
2- لا تسقط النفقة بحال ، فهي تجب مع اليسار والإعسار .
3- مساواة الرجل بزوجته في النفقة بحسب الحال من اليسر والعسر .
4- النفقة تكون بالمعروف ، والمعروف : هو العرف والعادة التي عليها الناس حسب زمانهم ومكانهم وحالهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " الصواب المقطوع به عند جمهور العلماء ، أن نفقة الزوجة مرجعها إلى العرف ، وليست مقدرة بالشرع ، بل تختلف باختلاف أحوال البلاد والأزمنة ، وحال الزوجين " .
وقال ابن القيم رحمه الله : " وأما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسول الله ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ، وإنما تجب النفقة بالمعروف " .
5- نفقة المطلقة الرجعية وكسوتها وسكناها كالزوجة ، فالمطلقة طلاقاً رجعياً لا يجوز لها ولا لأوليائها ولا لزوجها الخروج من بيتها ، لأن في إخراجها سبباً للطلاق النهائي الذي بسببه تتشتت الأسر ، وتتقطع الأواصر ، ويضيع الأطفال ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } [ الطلاق1 ] .
6- وأما المبانة _ البائن بينوتة كبرى _ بفسخ نكاح ، فليس لها شيء من ذلك ، قال ابن قدامة رحمه الله : " بإجماع العلماء " .
قال ابن القيم رحمه الله : " المطلقة المبانة لا نفقة لها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الموافقة لكتاب الله تعالى .
وبهذا ننتهي من الحلقة الرابعة من هذه الحلقات ، وفي الحلقة القادمة بإذن الله تعالى نتعرض للحقين الباقيين ، وهما :
الأول : حق الكسوة .
الثاني : حق السكن .


كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك

 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية