اطبع هذه الصفحة


السعادة والحقوق الزوجية  (7)

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


في هذه الحلقة المهمة من حلقات سلسلة السعادة والحقوق الزوجية ، نتطرق لموضوع مهم ، نظراً لخطأ الكثير من الأزواج المعددون الذين وقعوا فيه ظلماً وجهلاً ألا وهو :
10- العدل بين الزوجات :
وهذا موضوع غاية في الأهمية ، لأنه يترتب عليه أحكام شرعية مهمة في هذه الحياة الدنيا ، ويوم القيامة ، ولهذا يجب على الأزواج أن يتقوا الله تعالى في زوجاتهم في العدل بينهم في كل ما يتطلبه العدل .
فالزواج راحة واطمئنان ، وسكن وبث للأحزان بين الزوجين ، فيجب على كل منهما احترام مشاعر الآخر ، وأن يكون العدل والإحسان هو أساس البناء الأسري ، وأن يكون الشرع المطهر من كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هو أساس الحياة بين الزوجين ، حتى ينعم الجميع بالراحة والاستقرار .
والأصل في الزواج هو التعدد كما قال به البعض ، مستدلين بقول الله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ } [ النساء3 ] . فالتعدد قضية محسومة من قبل الشرع ، ولا مجال للرأي فيها ، وهي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولكن ليس التعدد العشوائي هو ما حث عليه الكتاب والسنة ، بل التعدد وفق ضوابطه الشرعية ، ومن أعظم ذلك العدل بين الزوجات ، وألا يكون هناك ظلم لإحداهن بسبب الميل إلى الأخرى ، فمن رأى من نفسه عدم القدرة على العدل بين الزوجات ، فليحرص ألا يعدد ، حتى لا يوقع نفسه في الإثم والمعصية .
ومن كان له زوجتان فأكثر فإنه يجب عليه أن يعدل بينهن ، ولا يحل له أن يخص إحدى زوجاته بشيء دون الأخرى أو الأخريات ، من النفقة والسكنى والمبيت والهدية وغير ذلك ، ولقد جاء التشريع بالتعدد في كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولا يمكن أن يشرع المولى جل وعلا أمراً يكون فيه ضرر أو ظلم للناس ، إذ لا يُتصور ذلك أبداً ، ومن اعتقد مثل ذلك الأمر فقد هوى ، وزاغ عن الصراط المستقيم ، وكفر كفراً مبيناً ، فلما عُلم أن الشريعة الإسلامية قد أباحت التعدد ، عُلم بالضرورة أن في التعدد فائدة كبيرة وعظيمة ، وفيه خير وبركة للبشرية جمعاء ، بل فقدان التعدد سبب العديد من الكوارث والنكبات على مستوى المجتمعات ، وأوجد العديد من المشاكل والبلاقع التي تئن منها كثير من البيوتات ، لقد كثر العوانس والمطلقات في البيوت ، وعلى المرء المنصف الطالب للحق أن يعلم ذلك ، وليس سبب العنوسة المباشر عدم التعدد ، بل هناك أسباب أخرى ، ليس هذا هو مجال الخوض فيها .
همسة في أذن المرأة :
وأهمس في أذن كل امرأة صادقة عادلة ، أن على المرأة الصادقة مع الله تعالى أن تنظر إلى التعدد بعين العانس والمطلقة ، التي تبحث كل منهما عن زوج وأسرة وأولاد ، ولا ينظر الإنسان إلى التعدد من زاوية واحدة فقط ، وهي ظروف الزوجة الأولى ، وأنها ظُلمت أو حصل لها تعدٍ أو حيف أو جور ، بل يجب أن لا يُغفل جانب المصالح العظيمة التي ترتب عليها تعدد الزوجات ، ومنها مصالح الزوجة الثانية ، فهذه المرأة الثانية التي سيأخذها الرجل زوجة ثانية ، هذه فرصتها ، فلماذا تضيع هذه الفرصة ، وإذا لم تتزوج بهذا الرجل فربما فاتها قطار الزواج ، وربما تحرم من الذرية ، وبناء الأسرة المسلمة ، واللبنات الأولى في المجتمع المؤمن .
وما أثير من أن الزواج بأكثر من واحدة يجلب المشاكل ، فهذا أمر عار عن الصحة وبعيد عن الحقيقة ، فالرجل العاقل المؤمن المتتبع لكتاب الله تعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، يعلم علم اليقين أن ذلك هراء وكلام لا صحة له ، بل التعدد جزء من السعادة ، إذا وجد الزوج القائد الأبوي الذي يسير بسفينة بيوته وفق الضوابط الشرعية ، إلى بر الأمان دائماً ، فإذا وجد ذلك القائد فبإذن اله تعالى سوف ترفرف السعادة على بيوته وزوجاته وأولاده ، ويعلم ذلك كثير من المعددين الذين نحسبهم على خير وعدل .
أما المشاكل فلا يخلو منها بيت على الإطلاق ، حتى بيت النبوة لم يخل من بعض المشاكل والمنغصات .
فالتعدد ليس سبباً للمشاكل ، بل هناك البعض من الناس ليس له إلا زوجة واحدة ، ومع ذلك فهي تكيل له من العناء والتعب ما لا يعلم به إلا الله ، فأمر المشاكل ليس عائقاً عن التعدد بل هو أعظم السبل إلى التعدد ، لأن الرجل إذا لم يجد السعادة في بيت وجدها في البيت الآخر ، وهناك من النساء من ترفض التعدد لا لشيء ، إلا لحب السيطرة والاستيلاء ، ولجهل بحكم الشرع في ذلك ، وحب التملك ، ولو كان لديها بنات في سن الزواج وتقدم لخطبتهن رجال متزوجون لما رفضت ذلك إطلاقاً ، فكيف ترضى لبناتها ذلك ولا ترضاه لبنات المسلمين ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " [ متفق عليه ] .
سؤال : هل التعدد تقليد أم تفاخر أم حاجة ؟
الجواب :
إن كان المقصود من التعدد هو التقليد والتفاخر ، ففاعل ذلك قد يقع في الإثم والذنب وهو لا يشعر بذلك ، أما إن كانت هناك حاجة ملحة للتعدد فهذه هي السنة .
سؤال : ما هي الأسباب التي تدعو إلى التعدد ؟
الجواب :
هناك أسباب تدعو الرجل لأن يتزوج بأكثر من واحدة منها :
1- مرض الزوجة مما لا يجعلها تستطيع القيام بحق الفراش .
2- امتناع الزوجة عن فراش زوجها .
3- الرغبة الجنسية الجامحة من قبل الزوج .
4- الرغبة في كثرة النسل مع العدل بين الزوجات .
5- وجود بعض المشاكل العائلية بين الزوجين .
6- عدم المودة بين الزوجين ، فبدل أن يطلقها يتزوج عليها أخرى ، فربما حصل الوفاق والوئام بعد ذلك ، وهذا مجرب معلوم ، مع الحرص التام على العدل بين الضرائر .
7- الإجبار على الزواج بزوجة لا يرغب الزوج بها ، لاسيما في بعض العادات عند بعض القبائل أو الطوائف .
8- عدم رؤية المخطوبة ، فقد لا تعجب الزوج ، فهنا بدل الطلاق ، يستمر معها ، ولكن يتزوج بأخرى ، ويحرص على العدل .
9- كثرة سفريات الرجل ، لكثرة أعماله ، مما يدعوه أحياناً للزواج بأخرى ، إذا لم يستطع أن يأخذ زوجته الأولى معه في كل سفر يسافره ، فمن أجل تحصين النفس ، يتزوج بأخرى في مدينة أخرى ، ويحرص على العدل .
10- عدم نظافة المرأة في بدنها وبيتها .
التعدد خير من الطلاق :
ثم اعلمي أيتها المرأة المتزوجة ، أن التعدد خير لك من الطلاق ، فالطلاق يدمر الأسر ويزري بها ، ويضيع معه الأطفال ، وقد تصبح المطلقة ممن لا يرغب بالزواج منها أحد ، فالمرأة مهما بلغت من العلم ، والجاه والمنصب والمال ، فلا بد لها من الرجل ، لا بد أن ترضى المرأة بذلك ، ولتعلم أن كل إنسان في هذه الدنيا لا يأخذ إلا نصيبه ، وما كُتب له منها .
فإذا أراد الزوج الزواج بأكثر من واحدة ، وفق ضوابط التعدد ، فعلى الزوجة أن ترضخ لذلك ، ولا تعاند ولا تكابر ، ولتصبر ولتحتسب ، فربما رفضت ووقعت فيما هو أشد من التعدد أ وهو الطلاق ، وهنا تقع في أمر لا تحسد عليه .
وكم هن النساء اللاتي مررن بتجربة فاشلة مع الزوج الأول ، إما بسبب ظلمه وعناده ، أو لحمقه وجهله ، أو بسبب ضعف دينه وتعاطيه المحرمات ، أو بسبب عدم التفاهم بين الاثنين لأي سبب كان ، فكل تلك الأمور وغيرها سبب للطلاق ، فهذه المطلقة لا ذنب لها ، فلا يمنع أن تخوض تجربة الزواج مع زوج آخر ، الذي ربما يكون فيه سعادتها ، وسعادة أسرتها .
كلمة صدق :
أعود فأقول : أن المرأة العاقلة ذات الدين ، وصاحبة الخلق ، ومن تطيع ربها ، وتتبع سنة نبيها ، ومن تحب الخير لأخواتها ، وتريد الإيثار ، أقول : أن مثل هذه المرأة لا بد أن تعلم أن التعدد شُرع من أجل المصلحة الاجتماعية للفرد والأمة الإسلامية ، من التكاثر في النسل ، وإنقاذ الكثير من العوانس وانتشالهن من براثن أهل السوء ودعاة التبرج والإباحية ، لاسيما وقد فاق عدد العوانس اليوم المليوني فتاة ، كلهن ينتظرن قطار الزواج للحاق به .
العدل أساس التعدد :
وأساس التعدد العدل ، وقد جاء الوعيد الشديد لمن كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ، يَمِيلُ مَعَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ " [ أخرجه الخمسة وغيرهم ، وصحح إسناده حمزة الزين في تحقيق المسند 9/390 ، وصحح إسناده شعيب الأرنؤوط 16/107 ] .
وفي رواية : " مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ، يَمِيلُ لإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجُرُّ أَحَدَ شِقَّيْهِ سَاقِطاً أَوْ مَائِلاً " شَكَّ يَزِيدُ وهو أحد رواة الحديث [ أخرجه الخمسة وغيرهم ، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيق المسند 8/58 ، وصحح إسناده شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند 13/320 ] ، ففي هذه الأدلة دليل على توكيد وجوب العدل بين الضرائر ، وأنه يحرم ميل الزوج لإحداهن ميلاً يكون معه بخس لحق الأخرى أو الأخريات ، دون ميل القلوب ، فإن ميل القلب لا يُملك ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي في القسم بين نسائه ويقول : " اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك " [ أخرجه الخمسة ، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود صـ 164ـفحة ] ، وعلى ذلك فلا يحل لزوج أن يخص زوجة دون الأخرى بأي هبة أو هدية أو نفقة أو سكن أو لباس ، بل يجب عليه أن يعطي كل واحدة مثل ضرتها ، إلا أن تسمح باقي الزوجات " [ فتاوى اللجنة الدائمة 16/189 وما بعدها ] .
قال أبو بكر الجصاص : " يجب القسم بين النساء بالعدل ، وأنه إذا لم يعدل فالفرقة أولى ، لقوله تعالى : { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ البقرة229 ] ، فقال تعالى بعد ذكره ما يجب لها من العدل في القسم وترك إظهار الميل عنها إلى غيرها : { وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً } [ النساء130 ] ، تسلية لكل واحد منهما عن الآخر ، وأن كل واحد منهما سيغنيه الله عن الآخر ، إذا قصدا بهذه الفرقة الخوف من الله تعالى بعدم القيام بحقوق كل منهما للآخر . [ أحكام القرآن 2/356 ] .
القسم بين النساء :
قال الشيخ عبدالله البسام رحمه الله : " القسم واجب على الرجل بين زوجتيه أو زوجاته ، ويحرم عليه الميل إلى إحداهن عن الأخرى فيما يقدر عليه من النفقة ، والمبيت ، وحسن المقابلة ، ونحو ذلك .
أما ما يتعلق بالقلب فيما لا يقدر عليه من المحبة والميل القلبي ، ولا ما يترتب عليه رغبة في جماع واحدة دون الأخرى ، فهذه أمور ليست في طوق الإنسان ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، وقال تعالى : { وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء129 ] ، وفي ذلك دليل على المسامحة في بعض الميل ، وقال تعالى : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [ الأنفال24 ] ، وقال تعالى : { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ الأنفال63 ] .
سؤال : متى يكون القسم بين الزوجات ؟
الجواب :
عماد القسم الليل ، لأنه مأوى الإنسان إلى منزله ، وفيه يسكن إلى أهله وينام على فراشه ، والنهار للمعاش ، والاشتغال ، والنهار يتبع الليل فيدخل في القسم تبعاً ، لما روي أن سودة وهبت يومها لعائشة [ متفق عليه ] ، وقالت عائشة : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي ، وإنما قبض نهاراً ، وهو تبع لليلة الماضية " [ توضيح الأحكام 4 / 515 ] .
المقصود أنه متى رأى الزوج أن يقسم لنسائه في أي وقت فله ذلك ، ما لم يجحف أو يتعدى أو يجور .
فيجب أن يقسم بينهن بالعدل .
قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عن عروة رضي الله عنه قال : قال عائشة رضي الله عنها " يا ابن أختي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا ، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً ، فيدنو من امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها " [ أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد حسن ، وصححه الحاكم ] ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يطوف على زوجاته ويتفقد أحوالهن ولكن من غير جماع ، أو مبيت ، ولا يكون مبيته إلا عند التي هو يومها ، وهذا من عدله صلى الله عليه وسلم ، وقسمه بينهن ، لأنه لو لم يتفقد أحوال الواحدة إلا في يومها ، لكان في ذلك مشقة عليهن لكثرتهن ، ولاحتياج كل واحدة لشيء من متطلبات الحياة ، فكان عليه الصلاة والسلام يطوف عليهن ويداعبهن ويلاطفهن من غير جماع ، وذلك لتطمئن نفوسهن ، مع أن الله تعالى لم يوجب على نبيه القسم بين نسائه وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، وله أن يرجي من يشاء منهن ويؤي إليه من يشاء ، وأن أعينهن قارة وراضية بذلك ، لأنه أمر الله تعالى ، ومع ذلك فكان عليه الصلاة والسلام أعدل الناس مع نسائه ، وأعظمهم قسماً لهن . وكان دورانه صلى الله عليه وسلم على نسائه بعد صلاة العصر ، ويشهد لذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر دار على نسائه ثم يدنو منهن . . . الحديث " [ متفق عليه ] .
كراهية التعدد :
من الناس من يتهجم على هذه السنة الإلهية والنبوية ، ويدعو لعدم إحيائها ، بل يأمر بإنكارها ، نعم هناك من الناس من يمنع التعدد بحجة أو بأخرى ، ولا شك أن ذلك مخالف للكتاب العزيز ، ومصادم للشريعة الربانية ، ومنابذ للسنة المصطفوية الكريمة ، فالله تعالى يقول : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ } [ النساء3 ] .
ويقول العلامة الشيخ / صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء : " لا يجوز للمسلم أن يكره ما شرعه الله وينفر الناس منه ، وهذا يعتبر ردة عن دين الإسلام ، لقوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } [ محمد9 ] .
فالأمر خطير ، وسببه التأثر بدعايات الكفار الذين ينفرون من الإسلام ، ويُلقون الشبه ، التي تروَّج على السذج من المسلمين ، الذين تخفى عليهم حكم التشريع الإسلامي ، التي من أعظمها تشريع تعدد الزوجات ، لما فيه من مصلحة النساء قبل الرجال " [ مجلة الدعوة العدد 2140 ، وتأريخ 18/4/1429هـ في الفتاوى ] .
أقسام العدل بين الزوجات :
ولنعلم أن العدل قسمين :
القسم الأول / العدل المستطاع :
وهو القسم ، والنفقة ، والسكن .
القسم الثاني / العدل غير المستطاع :
وهو ميل القلب .
فأمر القلب خارج عن إرادة بني البشر فلا يملكه إلا الخالق سبحانه ، لكن هناك من العدل ما هو داخل في إرادتهم ، فهناك العدل في المعاملة ، والعدل في القسمة ، والعدل في المبيت ، والعدل في النفقة ، والعدل في الحقوق الزوجية كلها ، حتى الابتسامة في الوجه ، والكلمة الطيبة باللسان ، وهذا هو المطالب به الأزواج ، هذا هو الخطام الذي يقود ذلك الميل وينظمه [ في ظلال القرآن بتصرف 2/770 ] .
 


كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك

 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية