اطبع هذه الصفحة


ثياب النار

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


اللهم لك الحمد حمداً كثيراً ، ولك الشكر جزيلاً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رباً كريماً عظيماً ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله نبياً رحيماً ، صلوات الله وسلامه عليه ليلاً ونهاراً ، سراً وجهاراً ، وعلى آله وصحبه والتابعين . . أما بعد :
اللابس نعمة من الله على خلقة ليواروا سوءاتهم ، وليتجملوا بلبسها ، قال تعالى : { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } [ الأعراف26 ] .
النبي صلى الله عليه وسلم حدد للرجل المسلم حدود ثوبه من نصف ساقه إلى كعبه ، ولا ينزل الثوب وجميع الملابس عن الكعبين ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " إزْرَة المؤمن نصف الساق ، ولا حرَجَ أو قال : لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين " .
منكر عظيم ، وخطر جسيم تلبس به بعض الرجال _ هداهم الله _ ألا وهو تطويل ثيابهم أسفل من الكعبين ، في يوم من الأيام كنت داخلاً إلى الجامع للصلاة بالناس ، فرأيت رجلاً ثوبه يسحب في الأرض ، لا تُرى قدماه لطول ثوبه ، ورأيت آخر كذلك ، وثالث أيضاّ ، وارتفع العدد ليصبح أكثر من في الجامع ثيابهم تحت كعوبهم ، فآثرت على نفسي أن أتحدث بعد الصلاة موجهاً ومرشداً ومحذراً فكانت هذه الكلمة التي أسأل الله أن ينفع بها .
منكر خطير عظيم ، وقع فيه كثير من الرجال ، وهو تطويل ثيابهم تحت الكعبين ، ولا شك أن ذلك الأمر يعد مخالفة صريحة واضحة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وجرأة على تعدي حدود الله وتخطيها ، وعدم الاكتراث بما أعد الله لمرتكبيها .
عَنْ أَبِى ذَرٍّ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ، قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَ مِرَارٍ . قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " الْمُسْبِلُ _ وفي رواية : المسبل إزاره _ وَالْمَنَّانُ ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ " [ رواه مسلم ] .
فمن جر ثوبه خيلاء وتكبراً وتعالياً فله أربع عقوبات :
1- لا يكلمه الله يوم القيامة .
2- لا ينظر إليه .
3- لا يزكيه .
4- له عذاب أليم .
لأنه خالف نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخالف فطرته الصحيحة ، وتشبه بالنساء ، فالنساء مأمورات بتغطية أقدامهن حتى لا تنكشف أمام الرجال الأجانب ، ولهذا جاء
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها : فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ قَالَ : " يُرْخِينَ شِبْراً " ، فَقَالَتْ : إِذاً تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ . قَالَ: " فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعاً لاَ يَزِدْنَ عَلَيْهِ " [ رواه الترمذي وقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] .
أنظروا أيها المسلمون والمسلمات إلى أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها تريد مزيد الستر للنساء ، ومن النساء من تشبهن بالرجال فيلبسن القصير ، ومن الرجال من تشبه بالنساء بلبس الثياب الطويلة تحت الكعبين .
والواجب على الرجال أن يرفعوا ثيابهم فوق الكعبين أو عليهما ، ويحرم إنزالهما تحت الكعبين ، وقد لعن فاعل ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ " [ رواه البخاري ] .
المرأة يجب عليها تغطية رجليها في الصلاة لأنها عورة ، وقال جمهور أهل العلم أنها إذا صلت مكشوفة القدمين فصلاتها غير صحيحة وعليها إعادتها .
أما الرجل فلا يغطي ما هو أسفل الكعبين لأنها ليست عورة .
المقصود من ذلك كله تحريم إسبال الثياب وأن فاعله مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب متوعد عليها بالنار يوم القيامة ، والعذاب في القبر .
من الناس من يسبل ثوبه وبنطاله ومشلحه وسرواله ، ويقول : أنه لا يفعل ذلك خيلاء ولا كبراً ولا تعالياً على الناس فهذا له عقوبة واحدة فقط وهي حرق ما أسفل من الكعبين بالنار يوم القيامة ، ودليل ذلك :
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ " [ رواه البخاري ] .
فماذا يفعل من أسبل ثوبه بهذا الحديث ، أين يضعه ؟
أما الجمع بين الحديثين ، حديث الأربع عقوبات ، وهذا الحديث فسهل جداً ، فمن جر ثوبه تكبراً وخيلاء فله أربع عقوبات ، ومن جره لا للخيلاء وإنما عادة أو طاعة للهوى والشيطان ، فعقوبته نار تحرق قدميه يغلي منها كل جسده والعياذ بالله ، فيا أيها الرجال المسلمون . . اتقوا النار وقصروا ثيابكم واتبعوا سنة نبيكم فقد أمركم بذلك ، والله يأمركم بطاعة نبيكم ويحذركم من مخالفة أمره وارتكاب نهيه في آيات كثيرة :
قال الله تعالى : { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ آل عمران 132 ] .
وقال سبحانه : { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً } [ النساء42 ] .
وقال عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [ النساء59 ] .
وقال عز من قائل سبحانه : { مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } [ النساء80 ] .
وقال تعالى : { وَمَن يُشَاقِقِ _ يخالف _ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً } [ النساء115 ] .
وقال الحق سبحانه : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ النور54 ] .
وقال تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ النور56 ] .
وقال تعالى : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور63 ] .
ويقول ربنا سبحانه : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً } [ الفرقان27 ] .
وقال تعالى : { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا } [ الفرقان66 ] .
وقال تعالى آمراً عباده المؤمنين بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم مخالفة أمره : { مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ الحشر7 ] .
وأكتفي بهذه الآيات الكريمات الواضحات ، لمن أراد النجاة من النار يوم القيامة ، فمن أراد ذلك فعلاً فليتق الله ، وليقلع عن ذنوبه ومعاصيه لاسيما والحديث عن إسبال الثياب ، فليقصر ثوبه ، ويترك كلام الناس واستهزاءهم ، فإن فعلوا ذلك فقد أوقعوا أنفسهم في خطر عظيم ، حيث يقول الله تعالى : { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } [ التوبة 64-66 ] .
وإنني أُذكر كل من منَّ الله بتوبة نصوح وقصر ثوبة مخافة الله تعالى ، أُذكره بأن أكثر الناس لا يريد بعضهم لبعض خيراً ، بل يريدون إضلال بعضهم البعض ، وتأمل قول الله تعالى : { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } [ الأنعام116 ] .
وإنني أدعو كل عاقل من المسلمين أن يعقل هذا الحديث ، وما يترتب فيه من عقوبة من جر ثوبه خيلاء ، قال صلى الله عليه وسلم : " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلاَءِ خُسِفَ بِهِ ، فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ فِى الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " [ رواه البخاري ] .
وقد ورد حديث شديد صححه بعض العلماء وضعفه الجماهير ، ولو صح لكان كارثة جد كارثة لمن أسبل ثوبه في صلاته ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " مَنْ أَسْبَلَ إِزَارَهُ في صَلاَتِهِ خُيَلاَءَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي حِلٍّ وَلاَ حَرَامٍ " [ رواه أبو داود ] .
وفي الختام أسأل الله بمنه وكرمه أن يؤلف بين قلوبنا ، وأن لا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين ، يا سميع يا عليم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك


 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية