اطبع هذه الصفحة


الصلاة . . . الصلاة (1)

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله أمر بالصلاة المسلمين ، وجعلها قرة عين للمتقين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ينجي المصلين ، ويعذب المتكاسلين عنها والتاركين ، وأشهد أن نبينا محمداً إمام المصلين ، وقدوة الدائمين عليها والمحافظين ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين القائمون على صلواتهم إلى يوم الدين . . . أما بعد :
فإن الناظر في واقع دول الإسلام وأهل الإسلام يكاد يطير عقله ، ويهلك قلبه ، من هول ما يرى ، وشدة ما يبصر من تهافت الناس على الدنيا تجارةً ولهواً وشهوةً ولذةً ، يتنافس فيها الصغير قبل الكبير ، والذكر قبل الأنثى ، في مسرح ينذر بوقوع عذاب أليم ، ونكال عظيم ، في تناس وغفلة وإعراض عن عمود الدين ، فيالها من كارثة كبيرة ، حينما ترى المساجد تكاد تخلو من المصلين ، في حين تكتظ مدرجات الملاعب بالمشجعين قبل المباراة أو الحدث المهم _ زعموا _ بساعات طويلة ، لا يعرفون فيها أذان ولا صلاة ، وقل مثل ذلك أو أكثر ممن يلتفون حول الشاشات في البيوت والكازينوهات وغيرها من دور الملاهي والملاعب ، وفي الأسواق والمتنزهات لا صلاة ولا عبادة ولا خوف من الله الواحد القهار ، لقد خف ميزان الصلاة عند الكثير من المسلمين ، وتدبر قول الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } [ الحج18 ] ، جميع المخلوقات تسبح الله ، والكثير من الناس يصلي لله قياماً وركوعاً وسجوداً ، وكثير لم يأتمر بما أمر الله به من الصلاة ، فتركها فأصبح من الكافرين والعياذ بالله .
ألا فاحفظوا أمر الله لكم فقد أمركم بالصلاة لأنها عمود الدين ، حيث يقول سبحانه : {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ } [ البقرة238 ] .
فيا أيها المسلمون حافظوا على الصلوات الخمس المفروضة بالمداومة على أدائها في أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها , وحافظوا على الصلاة المتوسطة بينها وهي صلاة العصر , وقوموا في صلاتكم مطيعين لله , خاشعين ذليلين .
ألا واعلموا معاشر المسلمين أن الصلاة هي وصية الرسول الكريم لكم حتى وهو يجود بنفسه الطاهرة الزكية على فراش الموت ، لما يعلمه من عظيم أمر الصلاة ، فقد كان آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت : " الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم " ، وما زال يغرغر بها في صدره وما يفيض بها لسانه " [ متفق عليه ] .
والمسلم بغير الصلاة كافر خارج من ملة الإسلام ، محرم عليه دخول الجنة ، محتم عليه دخول النار ، وتأمل هذا العتاب حيث يقول الله عز وجل : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ {38} إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ {39} فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ {40} عَنِ الْمُجْرِمِينَ {41} مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ {42} قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ {43} [ المدثر ] .
فكانت أُولى إجابات أهل النار على سؤالهم عن سبب دخولهم النار ، أنهم لم يكونوا من المصلين ، فاحذر أيها المسلم من النار بتركك الصلاة ، ولا تغتر بحلم الله عليك ، وإمهاله لك ، فإن أخذه أليم ، وعقابه شديد ، ولا تغتر بشبابك وصغر سنك ، فأكثر من يموت اليوم هم من فئة الشباب ، وكم كانت المعاناة شديدة ، وسوء الخاتمة كبيرة ، عندما يموت الشاب وتكون آخرته مؤلمة ، وموتته مخزية ، يموت على كلمة كفر أو فعل كفر ، يحبس لسانه عن نطق الشهادتين أو يموت وهو يسب الدين والصلاة ، لأنه لم يعرف للصلاة قدراً ، ولم يُقم لها وزناً وهو حي ، فكيف يموت على خاتمة طيبة حسنة ، بل العكس هو الصحيح ، إياك أيها المسلم أن تطع الشيطان فهو عدوك اللدود ، يدعوك لترك الصلاة لتكون من أصحاب السعير ، قال العلي الكبير : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } [ المائدة91 ] ، احذروا الشهوات فهي مهلكة ، من تبعها فحتماً سيترك الصلاة أو لا يحافظ عليها ، قال الله تعالى : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً } [ مريم59 ] ، وغي : واد في جهنم ، ترك الصلاة كفر وخلود في النار ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ " [ رواه الترمذي وقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] ، فما عذرك أيها المسلم وأيتها المسلمة أمام الله يوم القيامة إذا سألك لماذا لم تصلي ؟ ألم أخلقك لعبادتي لماذا لم تعبدني ؟ ألم أُنزل إليك قرآناً وسنة آمرك فيهما بالصلاة ، وأُخوفك من تركها أو التهاون بها ؟
واعلموا أيها المسلمون أن عقوبة ترك الصلاة عقوبة ثلاثية في الدنيا والقبر والآخرة ، أما الدنيا فضيق ونكد وهم وغم وحزن ونصب وتعب ، ومشاكل وقلق وخوف ووحشة من الله ومن خلقه ، وأما في القبر فقد روى البخاري من حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فِي الرُّؤْيَا قَالَ : " أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ " فهذا عذابه إلى أن تقوم الساعة ، وإذا قامت الساعة فالساعة أدهى وأمر ، لأن مصير الكافر إلى النار ، نَاْرٌ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَليْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ ، أما عمقها فكما قال صلى الله عليه وسلم : " هَذَا حَجَرٌ أُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفاً فَالآنَ انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا " ، كثيرة الحيات والعقارب وشديدة الحرارة ، تذوب الجبال من شدة حرها .
فاتق الله أيها المسلم وأنقذ نفسك من تلك النار بأداء ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس ، قبل أن يداهمك الموت ثم تقول : { يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ } [ الزمر 56 ] ، أو : { تقول حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } [ الزمر 59 ] ، ثم يأتيك الرد من الله : { قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } [ المؤمنون108 ] ، فحافظ على صلاتك ، فهي والله نجاتك ، ولو حسبت وقت الصلوات الخمس مقارنة بأربع وعشرين ساعة من اللهو النوم والطعام لوجدتها ساعة واحدة أو أقل فكل صلاة لا تتجاوز عشر دقائق ، فاجعل هذه الساعة لله الذي خلقك ورزقك وأسبغ عليك نعمه العظيمة ، فباب التوبة مفتوح فادخل على رب العالمين ، قابل التائبين ، والعافي عن المذنبين .

 

كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك



 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية