اطبع هذه الصفحة


الأم القدوة

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله جعل من الأمهات قدوات ، وأشهد أن لا إله إلا اله رب البريات ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله نبي الهدى والرحمات ، عليه من ربه أفضل السلام وأزكى الصلوات ، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان واقتفى أثره إلى يوم العرصات . . وبعد :
الأم وما أدراكم ما الأم ، الجنة تحت قدميها ، وباب إلى الجنة بين يديها ، عقوقها نار ، وجحدها جرف هار ، الأم مربية الأجيال ، ومعدة الأبطال ، ومخرجة الرجال ، من الأمهات قدوات ، ينبغي لكل أم أن تسعى جاهدة لتصل لتلك الصفة الحميدة ، والسجية المجيدة ، الأم القدوة ، هذه الأم التي نريدها اليوم ، ونسعى لوجودها .
الأم القدوة هي التي تسعى جاهدة للم شمل أولادها ، وجمع كلمتهم ، والحفاظ على وحدتهم ، تسعى بكل غال ونفيس لإبقائهم بين يدها ، ونظر عينيها ، ترعاهم وترعى أطفالهم ، تحبهم وتحب أبناءهم ، تحترمهم وتقدرهم ، وتعدل بينهم ، وترعى شؤونهم ، وتعمل على حل مشاكلهم ، تجمع من أموالهم بما لا يضرهم ، لتزويجهم ، تجمعهم في سكن واحد كبير _ عمارة سكنية _ كل له سكنه الخاص به ، وحريته التي يتمتع بها دون تدخل من أحد ، سكن يحب أهله بعضهم بعضاً ، الطفل الواحد طفل للجميع ، والأب أب للجميع ، كيف لا ، وأبوهم واحد وأمهم واحدة ، أحفاد يفدون جدتهم ، ويبذلون لراحتها كل شيء ، لأنها تعدل بينهم ، وتسعى لإسعادهم ، وكما قيل : لا أعز من الولد إلا ولد الولد .
الأم القدوة هي التي تعطي كل واحد من أولادها حريته في اختيار زوجته ، ولا تتدخل في شؤونهم الزوجية ، إلا ما لابد منه لإصلاح ذات البين ، لا للتفريق بينهم ، الأم القدوة هي التي تعطي كل ذي حق من أبنائها حقه ، هذه الأم قليل أمثالها اليوم ، لاسيما مع وجود الفضائيات وتهافت الكثير من الأمهات عاكفات عليها ، يشاهدن المسلسلات ويتقمصن أدوار الممثلات ويرين أنهن مظلومات من قبل زوجات الأبناء ، وربما الواحدة منهن تخدم أم زوجها وليس ذلك شرط عليها وإنما هو لطاعة زوجها وحبها لها ، وتقدير لأمه ، فلا يليق بالأم العاقلة أن تميز بين أبنائها أو أحفادها أو زوجات أولادها ، أو أزواج بناتها بل يجب عليها العدل والانصاف ، كلما وجد خرق رقعته ، وكلما حديث خلاف أنتهته بحكمتها وحلمها وحبها وعطفها وحنانها ، لا تسعى أبداً لكراهية زوجات الأبناء ، ولا أزواج البنات ، بل تعطي كل حصته من الحب والحنان والرأفة ، تجمع الجميع كل يوم في بيتها لتسعد بهم ويسعدون بها ، تلم شعثهم ، وتجمع شملهم ، ويكون اجتماعهم كل يوم بعد صلاة العصر أو المغرب وهو الأنسب ، تجتمع فيه أواصر المحبة والأخوة ويتجاذب فيه الجميع أطراف الحديث وتقوى الأواصر ، وتزداد المحبة ، وتعظم الأخوة ، هذه هي الأم التي تنشدها وتتمناها كل أسرة .
ومن قصص جور بعض الأمهات أن إحداهن لديها مفتاح لكل شقة من شقق أبنائها فتدخل البيت وتأخذ منه ما يحلو لها ، من أواني أو عطور أو غير ذلك مما يخص زوجة الابن ، وأم أُخرى لا تسمح لأبنائها بالخروج للنزهة أو التسوق أو الخروج من المنزل إلا وهي معهم ، وأُم ثالثة لا تدع فرصة للمحبة والإخاء بين ابنها وزوجته ، بل تختلق المشاكل وتشكو دائماً من سوء خلق الزوجة أو أنها تكلمت عليها وأهانتها ويعلم الابن أنها غير صادقة في دعواها لكنها الغيرة ، إنها الغيرة التي أكلت القلوب فأشعلت النار في الدور ، ما هكذا أيتها الأم ، فأنت تملكين قلباً طيباً ، وفكراً واسعاً ، وحلماً ورقة ، وحكمة في علاج الأمور ، لا أن تزيدي المشاكل ، وتجعلين من الحبة قبة كما يقولون ، فالله الله بالحرص على سعادة أبنائك وبناتك اتركيهم يعيشون حياتهم كما يريدون ، وكما يحلو لهم ، لا تكوني حجر عثرة في طريق سعادتهم وهنائهم ، بل ازرعي في قلوبهم الحب والعطف والحنان على زوجاتهم وأزواجهم تكسبين قلوبهم ومحبتهم وتقديرهم واحترامهم ، وأعظم من ذلك دعواتهم لك بالخير وحسن العاقبة ، والدعاء لك بعد الممات .
فهنيئاً لكل من وجد أماً عاقلة تجمع ولا تفرق ، تحب ولا تكره ، تعدل ولا تجور ، والحمد لله على كل حال .
 

كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك


 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية