اطبع هذه الصفحة


جار السوء

يحيى بن موسى الزهراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي أمرنا بالبر والصلة ونهانا عن العقوق ، وجعل حق المسلم على المسلم من آكد الحقوق ، وجعل للجار حقًّا على جاره وإن كان من أهل الكفر والفسوق ، نحمده تعالى وبه الوثوق ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو الخالق وكل شيء سواه مخلوق . ونشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الصادق المصدوق .
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد الناطق بأفضل منطوق ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وصحبه المؤدين للحقوق ، وعلى التابعين لهم بإحسان من سابق ومسبوق .
حق الجار على جاره مؤكد بالآيات والأحاديث ، وما زال جبريل يوصي محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجار حتى ظن أنه سيشركه في المواريث ، ولا يسيء الجوار ويؤذي الجار إلا لئيم وخبيث ، بكل فساد في الأرض يعيث وفيه يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، قيل يا رسول الله لقد خاب وخسر من هو ؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه . قالوا : وما بوائقه ؟ قال شره " .
ومن سوء الجوار أنك ترى جار السوء تراك عينه وترقبك ، ويرعاك قلبه ويتبعك ، إن رأى خيراً دفنه ، وإن رأى شرّاً أذاعه ونشره ، يؤذيك ويذمك ويغتابك .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السَّوْءِ فِي دَارِ الْمُقَامِ _ الإقامة _ فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ عَنْكَ " [ رواه النسائي وقال الألباني : حسن صحيح انظر الصحيحة 1443، ورواه ابن حبان وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن ] .
قال لقمان لابنه : يا بني قد حملت الحجارة والحديد والحمل الثقيل ، فلم أجد شيئاً قط أثقل من جار السوء .
وجار السوء يشمل : جارك في العمارة والحي والدار ، والزوجة والزوج ، والخادم والصديق الملازم ، وزميل العمل ، وشريك التجارة ، وينبغي تجنب جار السوء والتباعد عنه بالانتقال عنه إن وجد لذلك سبيلاً ، وبمفارقة الزوجة ، وبيع الخادم .
جار السوء : هو الشر الدائم ، والأذى الملازم ، أما جار البادية فإنه يتحول، لأن مدته قصيرة يتبع الماء والكلأ ثم ما يلبث أن يتحول عنك ، ويمكن تحمله فلا يعظم الضرر به كثيراً ، وفي رواية الطبراني : " جار السوء في دار الإقامة قاصمة الظهر " ، وقد ينزل بسببه البلاء فيعم الصالح والطالح .
كان العرب في الجاهلية والإسلام يتفاخرون بحسن الجوار ، وعلى قدر الجار يكون ثمن الدار .
روى المدائني : أنه باع جار لفيروز داره بأربعة آلاف درهم فجيء بها فقال البائع : هذا ثمن داري فأين ثمن جاري ؟ قال : ولجارك ثمن ؟! قال : لا أنقصه واللَّه عن أربعة آلاف درهم ، فبلغ ذلك فيروز فأرسل إليه بثمانية آلاف درهم وقال : هذا ثمن دارك وجارك والزم دارك لا تبعها .
والإسلام يأمر بحسن المجاورة ولو مع الكفار ، وشر الناس من تركه الناس اتقاء شره . وتباعد عنه من يعرفه تجنباً لضره .
وأخبث الجيران من يتتبع العثرات ، ويتطلع إلى العورات في سره وجهره ، وليس بمأمون على دين ولا نفس ولا أهل ولا مال ، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت " [ متفق عليه ] ، وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " المؤمن من أمنه الناس ، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر السوء ، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " .
فعار عليك أيها المسلم أن تبيت شبعانًا ، وجارك طاو جائع ، وعار عليك أن تلبس الجديد وتبخل بما أبليت من ثيابك على عراة الجيران ، وعار عليك أن تتمتع بالطيبات من مشموم ومطعوم وجيرانك يشتهون العظام وكسر الطعام وأنت تعلم قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ألا لا تحقرن جارة لجارتهما ولو كفرسن شاة " ، وأنه قال لأبي ذر رضي الله عنه : " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعهد جيرانك " .
أيها المسلم : إن من حق جارك عليك أن تسلم عليه إذا لقيته ، وأن تعوده إذا مرض ، وتشيعه إذا مات ، وتكون لأولاده بعد وفاته كما كان لهم في حياته ، وأن تقف إلى جانبه في السراء والضراء والشدة والرخاء . وفي المثل السائر : " من فاته نفع إخوانه ، فلا يفوتنه نفع جيرانه " ، وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه ، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره " .
حرام عليك أيها المسلم أن تنظر في بيت جارك وهو غافل أو تخونه في أهله ، ومن نظر في بيت جاره بغير إذنه ملأ الله عينه من نار جهنم ، وحرام عليك أن تسمع ما يقول في بيته فتكون جاسوساً لا يأمنك على قوله وفعله ، وإذا عجزت عن بر جارك أو الإحسان إليه والاعتراف بفضله ، فكف أذاك عنه ولا تضره ، ودعه يستريح في منزله ، وإذا دعاك فأجبه ، وإن استشارك فأشر عليه ، وإذا كان مظلوماً فانصره ، أو ظالماً فاقبض على يديه ، وإن أحسن فاشكره ، وإن أساء فاعف عنه ، وإن ارتكب الفساد فلا تقره عليه ، فرب جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول : يا رب إن هذا قد أغلق بابه دوني ومنعني معروفه ، ورآني على الشر فلم ينهني عنه ، وقال رجل يا رسول الله : إن فلانة نذكر من كثرة صلاتها وصيامها ، غير أنها تؤذي جيرانها ، قال : " لا خير فيها ، هي في النار " ، قال : يا رسول الله فإن فلانة نذكر من قلة صلاتها وصيامها وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها قال : " هي في الجنة " .
وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أربع من السعادة : المرأة الصالحة ، والمسكن الواسع ، والجار الصالح والمركب الهنيء . وأربع من الشقاوة : الجار السوء والمرأة السوء والمركب السوء والمسكن الضيق " ، والله تعالى يحب جاراً صبر على أذية جاره ، حتى يكفيه الله إياه بتحول أو موت .
ومن الحماقة وضعف الرأي ترافع الناس إلى الحكام فيما يقع عادة بين الجيران ، من خصومات النساء ومشاجرات الأطفال ، ومما جاء عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهيه عن إطالة البنيان إذا كان في ذلك شيء من الأذى كسد الهواء والإشراف على من يدانيك في المكان . ولقد كان يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة ، فإن جار البادية يتحول " ، وقال عليه الصلاة والسلام : " اتق المحارم تكن أعبد الناس ، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا ، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا ، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك يميت القلب " .
فالجار في عصرنا له مزيد من التأثير على جاره ، بفعل تقارب المساكن ، وتجمع الناس في البنايات والشقق ، والمجمعات السكنية .
وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع من السعادة وذكر منها : الجار الصالح، وأخبر عن أربع من الشقاء وذكر منها : الجار السوء رواه أبو نعيم في الحلية 8/388 وهو في صحيح الجامع 887 . ولخطر هذا الأخير كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ منه في دعائه فيقول : " اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة " أي الذي يجاورك في مكان ثابت " فإن جار البادية يتحول " [ رواه الحاكم 1/532 وهو في صحيح الجامع 1290 ] .
وأمر المسلمين أن يتعوذوا من ذلك فقال : " تعوّذوا بالله من جار السوء في دار المقام ، فإن الجار البادي يتحول عنك " [ رواه البخاري في الأدب المفرد رقم 117 واللفظ في صحيح الجامع 2967 ] .
وكم هي المشاكل التي تنشأ عن بعض الجيران وتأثيرها على الزوجين والأولاد ، وأنواع الإيذاء التي تصدر عنه ، ومنغصات العيش بجانبه ، ولكن في تطبيق الأحاديث السابقة على الواقع كفاية للمعتبر ، ولعل من الحلول العلمية ما ينفذه بعض الطيبين من استئجار السكن المتجاور لعائلاتهم ، لحل مشكلة الجيرة ولو على حساب بعض الماديات ، فإن الجيرة الصالحة لا تقدر بمال .
أيها المسلم . . أيها الجار المؤمن . . انتبه إلى أوقات نوم جارك وراحته فلا تؤذه فيها ، ومنها القيلولة ، وبعد صلاة العشاء ، فهي أوقات نوم وهدوء وراحة نفس وجسد بعد تعب وعناء العمل والوظيفة ، فكف أذاك عن جارك ، لا تصدر من الأصوات والأعمال المنزلية في هذين الوقتين ما يزعجه وينغص عليه راحته ويقلقه ، وانتبه له حال مرضه ، فلا تتعبه وتقلقه ، باستخدام أداوت الكهرباء والسباكة المزعجة كالدرل أو طرق في الجدار أو على سطح بيته ، فاتق الله وراع حقوق جارك ، فله عليك حق عظيم ، حتى كاد الشرع أن يورثه من مالك لعظم حقه عليك .
استأذنه أثناء عملك في بيتك وقت راحته ، كف أولادك عن أذاه وأذى أفراد أُسرته ، وفر له الراحة الدائمة ، والخدمة المستمرة ، حتى تحوز فضل الجوار عند الله تبارك وتعالى .
وقد أوصى الله عز وجل بالجار في آية سورة النساء فقال سبحانه : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } ، أجارنا الله وإياكم من أذية الجار والتهاون بحقه .



 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية