اطبع هذه الصفحة


من أحكام الجنائز

يحيى بن موسى الزهراني

 
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خير ناصراً وخير أملاً ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث للعالمين بشيراً ونذيراً ، صلوات ربي وسلامه عليه صلاة وسلاماً متلازمين أبداً ، وعلى آله وأصحابه أهل الخير والتُقى ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يلقونه غداً ، " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون " ، " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً " … أماّ بعد :

فيا أيها المسلمون : إن الله جل وعلا بحكمته البالغة ، وعلمه الذي وسع كل شيء ، خلق العباد لعبادة رب العباد ، " وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون " ، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أن هداهم سبل النجاة ، وميزهم بالحكمة والعقل لاختيار الطريق الأمثل ، الذي يؤدي إلى جنة الخلد وملك لا يبلى . فالكل مفطور على عبادة ربه سبحانه وتعالى إلاّ من زاغ واتبع غير سبيل المؤمنين فذاك يوليه الله ما تولّى ويصليه جهنم وساءت مصيراً . الإنسان منذ أن كان تراباً ثم نطفةً ثم علقةً ثم مضغةً ثم تخلق هذه المضغة فتكون جنيناً ثم يتبين خلق هذا الجنين ثم يخرج طفلاً ، في ذلك كله وبعده فهو مفطور على عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، وبعد أن يُتم الحولين ، ثم ينشأ بين أهله وأقرانه وأقاربه فيكون شاباً يافعاً ، ثم يكون رجلاً ، ثم يكون كهلاً ، ثم يرد إلى ربه تعالى ، فيأتيه ملك الموت ، ذلك الزائر الذي لا يتوارى منه أحد ، ولا يهرب منه مطلوب ، ولا تقف له الحواجز ولا الجنود ، فإذا حل الموت بساحة الإنسان ، فهو أشد من ضرب بالسيوف ، ونشر بالمناشير ، وقرض بالمقاريض ، لأنه يهجم على الإنسان ويستغرق جميع أجزائه من كل عرق من العروق ، وكل عصب من الأعصاب ، وكل جزء من الأجزاء ، وكل مفصل من المفاصل ، حتى يستل الروح من الجسد .

فلا تسأل عن كربه وآلامه ، ولذلك لا يقدر المحتضر على الكلام لشدة الألم ، وزيادة الكرب من المفرق إلى القدم ، فالموت يقهر كل قوة ، ويُضعف كل جارحة ، حتى لم يبق للميت قوة الاستغاثة ، فإن بقيت فيه قوة سمعت له عند نزع الروح وجذبها خواراً من حلقه وغرغرة ، وأزيزاً من صدره وحشرجة ، ثم ينتشر الألم في كل مكان ، حتى ترتفع الحدقتان ، وتتقلص الشفتان ، ويضعف اللسان ، ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجياً ، فتبرد القدمان ثم الساقان فالفخذان ، ولكل عضو سكرة بعد سكرة ، وكربة بعد كربة ، حتى يبلغ بها ملك الموت إلى الحلقوم . فعند ذلك ينقطع عن الدنيا وأهلها ، وتعظم حسرة المفرط ، ويندم حيث لا ينفعه الندم . " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلاً متاع الغرور " ، وقال صلى الله عليه وسلم " القبر إماّ روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حُفر النار " .

دع عنك ما قد كان في زمن الصبا *** وأذكر ذنوبك وأبكها يا مذنبُ
وأذكر مناقشـة الحساب فإنــه *** لا بدّ يُحصى ما جنيت ويُكتبُ
لم ينسه الملكان حيـن نسيتــه *** بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعـــبُ
والروح فيك وديعة أودعتـــها *** ستردها بالرغم منك وتُسلـبُ

أيها الناس : إنه الموت الذي لا مفر منه ولا مهرب فمن آيس من حياته وتأكد من دنو أجله عليه أن يُكثر من قراءة القرآن ، وأن يكون شاكراً الله بقلبه ولسانه ، ويستحضر في ذهنه أنّ هذا آخر أوقاته من الدنيا . فيجتهد على ختمها بخير ويُكثر من قول لا إله إلاّ الله ، ويُبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها ، وأن يستحضر في ذهنه أنه مخلوق من مخلوقات الله تعالى ، وأن الله تعالى غنيّ عن عذابه وعن طاعته ، وأنه عبدُ لله ، فلا يطلب العفو والإحسان ، ولا الصفح ولا الامتنان ، إلاّ من الله المنّان .

عباد الله : من حضر مُحتضراً فعليه أن يذكره بالشهادة ، حتى يكون آخر كلامه من الدنيا شهادة التوحيد من غير إلزام ولا تشديد ، لأن النطق بالشهادة من علامات حُسن الخاتمة ، نسأل الله من فضله . قال صلى الله عليه وسلم " من كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله دخل الجنة " ] حديث صحيح . مشكاة المصابيح 162 [ ، ولا تُشرع قراءة آيات معينة على الميت ولا وضع المصحف على بطنه فإن ذلك من البدع ، وأماّ قراءة القرآن مطلقة فيُستحب ذلك . ويُستحب توجيه المحتضر إلى القبلة ، فيُجعل على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة ، كما يُوضع في اللحد ، لقوله صلى الله عليه وسلم " البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتاً " ] رواه أبو داود [ ، وإذا تيقن الجميع وفاة المُحتضر ، أغلق فمه ، وسجى ، وغطي بلباس يستره ، حتى لا يكون عرضةً للناظرين . ولا بأس بتقبيل الميت بعد موته ، لحديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أنّ أبا بكر قبلّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته . ] رواه البخاري والنسائي ] . ثم يُجرد من ثيابه ويُغسل ، وأولى الناس بتغسيله وصيه الذي أوصاه أن يغسله بعد موته ، وإلاّ فيتولىّ ذلك الأمين الجيد الخبير الحاذق الأريب الذي يعرف أحكام التغسيل . ولا بأس بتغسيل الرجل لزوجته ، والزوجة لزوجها ، فقد غسل علي رضي الله عنه فاطمة زوجته رضي الله عنها ، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنهما . ولا ينبغي للمغسل أن يسأل عن حال الميت ، ما دام أن ظاهره الإسلام ، والذين أحضروه مسلمون ، لكن من عُلم أنه لا يُصلّي فهذا لا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلّى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين .

أيها الاخوة الفضلاء : على المغسل أن يستر عورة الميت وجوباً ، ويحرم مس عورة من بلغ سبع سنين فأكثر ، وأن يستعمل في تغسيله ماءً وسدراً في سبع غسلات منقيات ، فإن لم تفي السبع بالغرض المطلوب منها زاد عليها . وعلى المغسل أن يستعمل في يديه حائلاً يحول بينه وبين جسد الميت . وللنساء تغسيل الذكور الأقل من سبع سنين ، وللرجال تغسيل الإناث الأقل من سبع سنين ، وأماّ غير الزوجة فلا يجوز للرجال تغسيلها . لا محارمها ، ولا غيرهم ، وكذلك النساء لا يجوز لهن تغسيل الرجل ما لم يكن زوجاً للمرأة فإنها تغسله ، وإلاّ فيتولىّ تغسيله الرجال . ويُستحب للمغسل أن يأخذ من شارب الميت ، ويقصّ أظفاره ، ولا يشرع له حلق عانته وإبطه ، لأنّ ذلك شيءٌ خفي وليس بارزاً . وإذا مات المحرم فإنه يغسل ، ولكن لا يُطيب ولا يُغطى وجهه ولا رأسه ويُكفن في إحرامه ولا يلبس قميصاً ولا عمامة ، لأنه يُبعث يوم القيامة ملبياً ، لحديث الرجل الذي سقط عن راحلته ومات وهو محرم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ، ولا تحنطوه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً " [ متفق عليه واللفظ لمسلم ] .

معاشر المسلمين : الشهداء أصناف كثيرة ومن جملتهم شهيد المعركة ، وهو الذي يموت في معركة القتال ، وحكمه أنه لا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلىّ عليه ، بل يُدفن في ثيابه التي قُتل فيها بعد نزع السلاح ، والجلود عنه ، أماّ بقية الشهداء كالمبطون والمطعون والغريق وميت الهدم وغيرهم ، فهؤلاء يُغسلون ويكفنون ويُصلىّ عليهم ويُرجى لهم ثواب الشهيد ، وكذلك الذي يُصاب في المعركة ويبقى حيّاً ، ثم يموت في المستشفى أو في الطريق ، والمقتول ظلماً فأولئك يُغسلون ويكفنون ويُصلىّ عليهم . روى البخاري في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد ولم يغسلهم .

عباد الله : بعد أن يُغسل الميت وينظف ويطيب ، يبدأ المغسل في تكفينه ، فيكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض ، لقوله صلى الله عليه وسلم " ألبسوا من ثيابكم البياض ، فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم .. " ] حديث صحيح ورواه أبو داود ] ، وقالت عائشة رضي الله عنها " كُفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس بها قميص ولا عمامة ، أدرج فيها إدراجاً " ] متفق عليه [ ، وإن كُفن الميت في ثوب واحد واسع يعمه ويستره جاز ذلك ، وإن كُفن في قميص وإزار ولفافة جاز أيضاً . أماّ المرأة فالأفضل أن تُكفن في خمسة أثواب ، إزار ، وخمار ، وقميص ، ولفافتين ، وإن كُفنت في أقل من ذلك فيجوز ذلك . ويُكفن الصغير في ثوب واحد لأنه دون الرجل .

أيها المسلمون : بعد أن يُغسل الميت ويُكفن ، يقدم لجماعة المسلمين للصلاة عليه ، إلاّ أن يكون تاركاً للصلاة ، فهذا محكوم بكفره فلا يجوز لأوليائه أن يغشوا المسلمين أو يخدعوهم بالصلاة على الكافر ، لأن تارك الصلاة كافراً لقوله صلى الله عليه وسلم " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " [ رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة بإسناد صحيح ] ، وإذا رأى الناس الجنازة قاموا لها امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا رأيتم الجنازة فقوموا " [ متفق عليه ] ، ولو كانت الجنازة لغير المسلم فإنه يُشرع القيام لها ، لقوله صلى الله عليه وسلم في جنازة اليهودي " أليست نفساً " ، وفي لفظ " إنما قمنا للملائكة " ، وفي لفظ " إنّ للموت لفزعاً " ، والصلاة على الجنازة مشروعة للرجال والنساء ، والسنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة ، وإذا كانت الجنائز كثيرة يُقدم الرجل ثم الطفل ثم المرأة ثم الطفلة الأنثى ، ويجعل رأس الطفل عند رأس الرجل ، ووسط المرأة والطفلة عند رأس الرجل ، ثم يصليّ عليهم جميعاً . أماّ المنتحر وقاتل نفسه فينبغي للإمام الأعظم ، وأمير البلد أو نائبه وإمام المسجد أن يتركوا الصلاة عليه ، إنكاراً لفعله ، وإلاّ فالصلاة على المنتحر صحيحة ومشروعة ، لأنه مسلم ولا تخرجه كبيرته من دائرة الإسلام ما لم يكن مستحلاً لها . ويُصلى على الغائب إن كان له شأن في الإسلام ، كالنجاشي رحمه الله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلىّ عليه صلاة الغائب لأنه آوى المهاجرين من الصحابة ونصرهم وحماهم وأحسن إليهم ، وكانت لد يد عظيمة في الإسلام ، وكذلك علماء الحق ودعاة الهدى ممن لهم قدم راسخة في الدين فإنه يُصلى عليهم لمكانتهم وعلو شأنهم ، أماّ عامة الناس فلا تُشرع الصلاة عليهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلّ على كل غائب ، والصلاة على الغائب مثل الصلاة على الحاضر ، ولا حرج في السفر لأجل الصلاة على الميت لِما في ذلك من الأجر العظيم ، قال صلى الله عليه وسلم " من صلىّ على جنازة فله قيراط ، ومن تبعها حتى تُدفن فله قيراطان " ] رواه مسلم [ . والقيراطان مثل الجبلين العظيمين ، وفي لفظ " مثل جبل أحد " .

عباد الله : تصح الصلاة على الميت في المغسلة إذا كانت نظيفة طاهرة ، وفي المقبرة لمن لم يدرك الصلاة عليها مع جماعة المسلمين في المساجد ، لفعله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، والجنين إذا وُلد في الشهر الخامس وما بعده فإنه يُغسل ويُكفن ويُصلىّ عليه ويُدفن في مقابر المسلمين . واستحب العلماء تحري المسجد الذي فيه جماعة كثيرة للصلاة على الميت فيه ، وكلما كان العدد أكثر صار أقرب إلى الخير وأكثر للدعاء وأنفع للميت بإذن الله تعالى ، لما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلاّ شفعهم الله فيه " . والأصل في الصفوف أن تكون متصلة ، فيكملون الصف الأول فالأول ، أماّ أن تجعل الصفوف ثلاثة ولو لم يتم إتمامها ، فهذا قول ضعيف مخالف للأحاديث الصحيحة . وأماّ كيفية الصلاة على الميت ، فيكبر الإمام التكبيرة الأولى ويقرأ بعدها الإستعاذة والبسملة ويقرأ الفاتحة ويُستحب أن يقرأ بعدها سورة قصيرة أو بعض الآيات لأنه صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدلّ على ذلك ، ثم يكبر الثانية ويصليّ على النبي صلى الله عليه وسلم مثلما يصليّ عليه في التشهد الأخير ، ثم يكبر التكبيرة الثالثة ويدعو للميت فيقول " اللهم إغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا ، اللهمّ من أحييته مناّ فأحبه على الإسلام ، ومن توفيته مناّ فتوفه على الإيمان ، اللهمّ إغفر له وإرحمه ، وعافه واعف عنه ، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج البرد ، ونقه من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهمّ أبدله داراً خيراً من داره ، وأهلاً خيراً من أهله ، اللهمّ أدخله الجنة وأعزه من عذاب القبر ومن عذاب النار ، وأفسح له قبره ونوّر له فيه ، اللهمّ لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده " ، وإن كان الميت طفلاً فإنه يقول عند الدعاء " اللهمّ اجعله ذخراً لوالديه وفرطاً وشفيعاً مجاباً ، اللهمّ أعظم به أجورهما وثقل به موازينهما وألحقه بصالح سالف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وقه برحمتك عذاب الجحيم " ، لقوله صلى الله عليه وسلم " الطفل يُصلىّ عليه ويُدعى لوالديه " ] رواه احمد [ . ثم يكبر الرابعة وينتظر قليلاً ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه ، ومن السنة رفع اليدين مع كل تكبيرة من التكبيرات الأربع . ومن مات ودفن ولم يُصلىّ عليه فإنه يشرع للمسلمين الصلاة على القبر إذا عُرف قبره أو أن تجعل المقبرة بين المصلي وبين القبلة ثم يُصلىّ عليه .

أيها الناس : بعد أن يُصلى على الميت فإنه يُحمل ويُتجه به إلى المقبرة إستعداداً لدفنه وتوديعه ، وعلى المسلم أن يحتسب الأجر في ذلك ، لِما روى البخاري في صحيحه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً ، وكان معها حتى يصلىّ عليها ويفرغ من دفنها ، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين ، كل قيراط مثل جبل أحد " ، والسنة لمن تبع الجنازة ألاّ يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال ، وألاّ ينصرف من المقبرة حتى يفرغ من دفنها ، لِما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل .

معاشر المسلمين : اتباع الجنائز سنة في حق الرجال ، ممنوع في حق النساء ، لِما روت أم عطية رضي الله عنها قالت " نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا " ] متفق عليه [ . وأماّ الصلاة على الميت في قبره من جهة رجلي القبر ثم يسل إلى جهة رأسه على جنبه الأيمن مستقبلاً القبلة ويقول الواضع : بسم الله وعلى ملة رسول الله . ولا يُكشف وجه الميت عند وضعه في قبره إلاّ المحرم ، وهذا في حق الرجل ، أماّ المرأة فإنه يخمر أي يغطى وجهها بكفنها ولو كانت محرمة ، لأنها عورة ، ثم تُحل عقد الكفن ، ثم يُدفن وبهذا قد انتقل الميت من حياة الدنيا إلى حياة البرزخ ، ويبقى بها ما شاء الله له أن يبقى ، فإن كان من أهل الإيمان وأهل الخير والصلاح ، وكان ممن يرغب فيما عند الله تعالى من الفوز بالجنة والنجاة من النار ، فعند ذلك يأتيه من روح الجنة وريحانها ونعيمها ، ويرى ما أعدّ الله له من النعيم ، فيقول : رب أقم الساعة ، رب أقم الساعة ، حتى يذهب إلى جنة عرضها السموات والأرض ، وإن كان عاصياً مذنباً فتراه خائفاً ذليلاً ، يأتيه من لهب النار وحرها وزمهريرها ، ثم يرى مقعده من النار ، وما أعده الله له من ألوان العذاب ، فيقول : رب لا تقم الساعة ، رب لا تقم الساعة ، ويتمنىّ لو يعود إلى الدنيا ليعمل فيها صالحاً ، ولكن هيهات هيهات . هذه عباد الله هي مسيرة حياة العبد منذ ولادته إلى ريعان شبابه ، ثم شيخوخته ، ثم ينتقل إلى قبره ، فمن الناس من يموت جنيناً وصغيراً ، ومنهم من يموت شاباًّ يافعاً ، ومنهم من يموت رجلاً سليماً ، ومنهم من يردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : " إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " ، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول ما سمعتم وأستغفر اله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم .

----------

الحمد لله العظيم القادر ، المطلع على السرائر والضمائر ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، لا ند له ولا مظاهر ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الآيات والمعجزات والبصائر ، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن على سبيله إلى الله سائر . . . أما بعد :
فيا أيها الناس : الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً ، ولا شريفاً ولا وضيعاً ، ولا رئيساً ولا مرؤوساً . دخل ملك الموت على داود عليه السلام قال : من أنت ؟ قال : الذي لا يهاب الملوك ، ولا تُمنع منه القصور ، ولا يقبل الرش ، قال : فإذاً أنت ملك الموت ، ولم أستعد بعد ، قال : يا داود أين جارك فلان ؟ وأين قريبك فلان ؟ قال : مات . قال : أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعدّ للموت .

للموت فاعمل بجد أيها الرجل *** واعلم بأنك من دنياك مرتــحلُ
إلى متى أنت فـي لهو ولعـب *** تمسي وتصبح في اللذّات مشتغـلُ
كأني بك يا ذا الشيب في كرب *** بين الأحبة قد أودى بك الأجـلُ
لماّ رأوك صريعاً بينهم جـزعوا *** وودعوك وقالوا قد مضى الرجـلُ
فاعمل لنفسك يا مسكين في مهل *** مادام ينفعك التذكـار والعمــلُ
إنّ التقيّ جنّات الخلـد مسكنـه *** ينال حوراً عليها التاج والحلــلُ
والمجرمين بنارٍ لا خمـود لـهــا *** في كل وقت من الأوقات تشتعـلُ

عباد الله : كيف يهنأ صاحب مُلك والموت يطلبه ، وكيف تقرُ عين عاصٍ والموت يرقبه . دُخل على المأمون في مرضه وهو يجود بنفسه ، فإذا هو قد فرش وبسط على الرماد ، وهو يتمرغ عليه ويقول : يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه . فماذا أعددنا للموت ؟ ماذا أعددنا للقبور ؟ فيا ويلاً لمن طال سفره وقلّ زاده ، وطوبى لمن قصر سفره وكثر زاده " وتزودوا فإنّ خير الزّاد التقوى واتقون يا أولي الألباب " ، فاتقوا الله عباد الله، وعظموا أوامر الله تعالى ، واحذروا نواهيه ومعاصيه ، وتدبروا آياته، فكم فيها من موعظة وعبرة زاجرة ، ثم صلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير الورى طُرّا، وأفضل الخليقة شرفًا وطُهرًا، صلاةً تكون لكم يوم القيامة ذُخرًا، وسلاماً يكون لكم في الاخرة رفعة وعزاً ، فقد أمركم بذلك ربكم تبارك وتعالى، في تنزيل يُتلى ويُقرا، فقال تعالى قولا كريمًا: " إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً " ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبدالله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأيِّد بالحق إمامنا، وولي أمرنا، اللهم وفقه إلى ما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم كن له على الحق مؤيدا ونصيرا، ومُعينا وظهيرا، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك واتباع سنة نبيك  صلى الله عليه وسلم ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان ، وفي العراق وأفغانستان ، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك باليهود المعتدين وسائر أعداء الدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم اهتك أستارهم وافضح أخبارهم وأدِم عوارهم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا نسألك عيش السعداء ونزل الشهداء والنصر على الأعداء يا سميع الدعاء. اللهم اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر. اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسائر الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله، ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية