اطبع هذه الصفحة


وقدموا لأنفسكم

يحيى بن موسى الزهراني

 
الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، أحمد سبحانه وقد تكفل بالمزيد لمن شكر ، والعذاب لمن كفر ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة خالية من شوائب الشرك والند والمثيل ، شهادة نرجو بها النجاة يوم نلقاه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . . أما بعد :

فيقول الحق سبحانه وتعالى : " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً " [ المزمل ] ، ويقول سبحانه وتعالى : " وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين " [ البقرة 223 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له " [ أخرجه مسلم ] ، من هذا المنطلق القرآني الكريم ، والمبدأ النبوي الحكيم ، فينبغي للعبد أن يقدم لنفسه ما ينفعه عند ربه إذا لقيه ، لا سيما إن كان ممن أفاء الله عليه بالمال ، وأغدق عليه بالنعم ، فلا يسرف في هذه الحياة الدنيا ، ولا يقتر ، بل يتخذ بين ذلك سبيلاً ، وعليه أن يعلم أن المال مال الله تعالى ، وأن الله ممتحنه بذلك المال ، وتلك النعم ، فعليه أن يسعى جاهداً لصرفه في وجوه الخير ، وأعمال البر ، التي يعود نفعها أولاً وأخيراً له في الدارين ، دار الدنيا ، ودار الآخرة ، وقال سبحانه : " {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [ الحديد 7 ] ، وقال سبحانه : " {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} [ المنافقون 10 ] ، فالعبد يوم القيامة تحت ظل صدقته ، تظلله من شدة حر وبؤس ذلك اليوم الرهيب الشديد ، قال صلى الله عليه وسلم : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، وذكر منهم : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها ، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " [ متفق عليه ] .

كم من الناس من حرم نفسه نفع صدقته ، فتعب في هذه الحياة الدنيا لتحصيل زائلها ، وتوفير فاقدها ، وغفل عن الآخرة وباقيها ، ثم يترك الدنيا وما فيها ، ويحاسب على جمعها ومالها ، قال صلى الله عليه وسلم : " يا ابن آدم إنك أن تَبذْل الفضل خير لك ، وأن تمسكه شر لك ، ولا تُلام على كفاف ، وابدأ بمن تعول ، واليد العليا خير من اليد السفلى " [ أخرجه مسلم وغيره ] ، ومعنى الحديث : أن على الإنسان أن يبذل ويتصدق بما زاد عن حاجته من المال ، فإن فعل فهو خير له ، وإن لم يفعل وأمسك خشية الإنفاق فقد وقع في الإثم وهو الشر ، ولا يُلام الإنسان على ما في يده من مال مما يكفه عن سؤال الناس ، لكن لا يزيد عن الكفاف ، ولهذا لما علم العلماء من فقه الحديث من جهله أكثر الناس ، رأينا العلماء يموتون ولا يدخرون في بيوتهم إلا ما يكفي قوت أهله شهراً أو أقل ، وربما مات أحدهم ولم يترك شيئاً ، مقتدين بنبيهم صلى الله عليه وسلم ، الذي مات ولم يترك من حطام الدنيا شيئاً ، بل ترك درعاً مرهونة عند يهودي في مقابل طعام أخذه منه ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " وإن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، إنما ورثوا العلم ، فمن أخذه ، أخذ بحظ وافر " [ أخرجه أبو داود بسند حسن ] .

تصدقوا أيها الناس بما جاد الله به عليكم من نعمه وأفضاله وخيراته ، وإياكم أن ينام أحدكم شابعاً ، وجاره جائعاً ، فليس ذلك من الأخوة في الدين ، وليس ذلك من الإسلام ، بل تفقدوا حال إخوانكم الفقراء والمساكين ، فما أكثرهم اليوم ، ما أكثر الجوعى ؟ ما أكثر المرضى ؟ يموت المسلم من الجوع ، ونحن نتقلب في النعيم ، بل ربما مات بعضنا من التخمة وكثرة الأكل ، وربما أكل بعض الناس أكثر من ثلاث وجبات في اليوم والليلة ، وجعل بطنه كله للطعام والشراب أو لأحدهما فقط ، بينما هناك مسلمون يتضورون جوعاً ، يأكلون لحاء الأشجار ، وبقايا الميتة ، وربما أكل بعضهم بعضاً ، قال تعالى : " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " [ البقرة ] ، يا من تقلبون القنوات الفضائية ، بين مسلسلات هابطة ، وأغنيات ماجنة ، وأفلام فاضحة ، ومشاهد ساخطة ، حولوا ذلك الريموت إلى القنوات الإخبارية ، وانظروا ماذا حل بإخوانكم هناك ، انظروا كيف فعل الفقر بإخوانكم المسلمين في النيجر ، وأفغانستان ، وباكستان ، وكثير من البلاد الأفريقية المسلمة ، لقد دكهم الفقر ، وقتلهم الجوع ، وأهلكتهم الأمراض ، وكأننا لا نسمع ولا نرى ، وأيم الله ليحاسبنا الله على ذلكم التقاعس ، وتلكم الهمم الفاترة الباردة ، قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة :

يا ابن آدم ! مرضت فلم تعدني ، قال : يارب ، كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لو جدتني عنده ؟
يا ابن آدم ! استطعمتك فلم تطعمني ، قال : يارب ، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟
يا ابن آدم ! استسقيتك فلم تسقني ، قال : يا رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي " [ أخرجه مسلم ] .
ومعنى لوجدتني عنده ، ولو وجدت ذلك عندي أي : وجدت ثواب ذلك عندي .

فأنفق أيها المسلم اليوم ، قبل أن تودع في قبرك رهين عملك ، افتد نفسك اليوم من نار جهنم غداً ، وقدم لنفسك ما ينفعك عند الله يوم القيامة ، ابن لك بيتاً في الجنة بمال الدنيا ، قبل أن لا ينفع مال ولا بنون ، عن الحارث الأشعري رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن " ، فذكر الحديث إلى أن قال : " وأمركم بالصدقة ، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو ، فأوثقوا يده إلى عنقه ، وقربوه ليضربوا عنقه ، فجعل يقول : هل لكم أن أفدي نفسي منكم ؟ وجعل يعطي القليل والكثير ، حتى فدى نفسه . . . الحديث " [ أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم ، وهو حديث صحيح ] ، ذنوب العبد وخطاياه تهلكه ، ولا ينقذه من الهلاك والعذاب إلا الصدقة ، فتجيء الصدقة تفديه من العذاب ، وتفكه منه .

فأنقذ نفسك أيها المسلم بالصدقة ، ولا يثبطنك الشيطان فإنه لك عدو مبين ، تصدق ولو ببصلة أو كسرة خبز ، فسوف تجد ذلك عند الله ، تصدق بحسب مالك ، ولا تغرنك الحياة الدنيا ، فإنها إلى زوال واضمحلال ، فغناها إلى فقر ، وعزها إلى ذل ، ورفعتها إلى سفول ، ودرجاتها إلى دركات ، فتصدق ولو بشق تمرة ، قبل أن تأتي يوم القيامة مفلساً ذليلاً ، تبحث عن شيء تتصدق به فلا تجد ، تندم يومئذ ولا يجدي الندم شيئاً ، أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ، ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر أشأم منه ، فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر بين يديه ، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه ، فاتقوا النار ولو بشق تمرة " .

مع تكاثر الأدلة والنصوص الشرعية الدالة على وجوب الصدقة وأهميتها في حياة المسلم ، إلا أننا وللأسف الشديد نجد فئة من المسلمين قد تقاذفتهم أمواج الحياة الدنيا بزينتها وبهرجتها ، فانغمسوا فيها ونسوا أمر الصدقة وفضلها على الأفراد والمجتمعات ، فانكبوا على جمع الحطام الزائل ، ولم البقايا المتهالكة ، معرضين عن أوامر الكتاب والسنة ، فقضوا حياتهم لأجل ذلك الهدف البعيد المنال ، لأن الله تعالى يقول : " كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا لا ترجعون " [ العنكبوت ] ، فربما اعتقد بعض الناس أنه يعيش ثم يموت ولا يحاسب على أعماله وأقواله ، ولا يقول ذلك إلا كافر صنديد ، مشرك عتيد ، قال تعالى : " أفحسبتم أنما خلقناكم عباُ وأنكم إلينا لا ترجعون " [ المؤمنون ] ، وقال سبحانه : " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " [ التوبة ] .

فقدم لنفسك أيها المسلم ما ينفعك عند الله تعالى إذا وقفت بين يديه للسؤال والحساب ، قدم لنفسك ما ينجيك من العتاب والعقاب ، قدم لنفسك من مالك ما تفتدي به شدة السؤال يوم القيامة ، فوالله إن هذه الأموال التي تكدسها مئات وآلاف وملايين ، ستموت رغماً عنك وتتركها يتنعم بها غيرك ، فالزوجة ستتزوج زوجاً غيرك ، ويتمتع بمالك ، والأولاد والبنات كذلك ، فما أنت صانع بمالك اليوم ، عليك أن تنفقه في وجوه البر والخير والصلاح ، وما يعود نفعه على الإسلام والمسلمين ، وإلا فستخسر خسارة لم يخسرها أحد ، ستفقد الراحة في دار الدنيا والآخرة ، ستعيش نكداً ، وتموت ندماً ، فهذا رجل جمع من حطام الدنيا ما جمع ، فكان جموعاً منوعاً ، حرم نفسه وأهله في الدنيا لذة المال ، ثم جاءته المنية ، وبعد وفاته اكتشف أبناؤه أنه يملك الملايين ويجمعها ويصرها ولا ينفقها في سبيل الله ، وقبل توزيع التركة ، جاء أهل الخير لينصحوا أبنائه بأن يبنوا لأبيهم مسجداً يجري عليه نفعه في قبره ويوم بعثه ، فقال أكبر الأبناء : حرمنا لذة المال ، لو كان فيه خيراً لنفع نفسه قبل أن يموت ، فأبى الأبناء أن يقدموا لأبيهم ما ينفعه بعد موته براً به ، فعقوه بعد موته ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وهذه زوجة مات زوجها وترك لها ولأبنائها أموالاً طائلة ، فلما علمت بعد وفاته أنه ترك ذلك الإرث الكبير ، قالت : لا رحمه الله ، حرمنا من المال كله تلك السنين ، ولم تقدم له ما ينفعه بعد موته .

فقدم لنفسك أيها المسلم والمسلمة ما يقربك من ربك زلفى ، قدم لنفسك ما يرفعك عند الله تعالى ، قدم لنفسك ما يُنجيك من عذاب الله ، فاليوم عمل بلا حساب ، ويوم القيامة حساب ولا عمل ، فالسعيد من اتعظ بغيره ، والشقي من وُعظ به غيره ، فكن من السعداء في الدنيا والآخرة ، ابن لك بيوتاً وقصوراً ، وأجْرِ لك أنهارً ، وازرع لك أشجاراً ، في جنة الخلد ، قبل أن تموت وتندم ، ولا ينفعك الندم .
 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية