اطبع هذه الصفحة


الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

يحيى بن موسى الزهراني

 
الحمد لله المحمود بجميع المحامد تعظيماً وتشريفًا وثناءً ، المتصف بصفات الكمال عزةً وقوةً وكبرياءً ، به نصول وبه نجول ، وبه نؤمل دفع الكروب شدةً وبلاءً ، ودرء الخطوب ضنكاً ولأواءً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، حذرنا من كيد اليهود ، ووصفهم بأنهم أشد الناس للمؤمنين عِداءً ، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله ، أفضل هذه الأمة جهادًا وفداءً ، وأعظمها قدوةً واصطفاءً ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ضربوا أروع الأمثلة صفاءً ووفاءً ، وطهراً ونقاءً ، والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهم اهتداءً واقتفاءً ، صلاةً لا تُطاولها أرضٌ أرضاً ولا سماءٌ سماءً ، وسلم تسليمًا يزيده بهجة وبهاءً ، ونوراً وضياءً وبركة وسناءً ، أما بعد : فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى ، تدرّعوا بها شدةً ورخاءً ، سرَّاءً وضراءً ، واعمروا بها أوقاتكم صباحاً ومساءً ، فبها تُدفع المحن والبلايا ، والفتن والرزايا .

أمة الإسلام : لما انتصر المسلمون في غزوة بدر الكبرى ، على جحافل الكفر العظمى ، أقلق ذلك النصر اليهود ، فقال كبيرهم كعب بن الأشرف : والله إن كان محمد أصاب قريش ، لبطن الأرض خير من ظهرها ، وانبعث عدو الله يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، ويؤذي نساء الصحابة بسلاطة لسانه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لكعب بن الأشرف ؟ فقد آذى الله ورسوله ، فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه ، وقال : أنا يا رسول الله ، أتحب أن أقتله ؟ قال : " نعم " ، فخرج في مجموعة من الصحابة ، دفاعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونصرة للإسلام وأهله ، حتى أتوا عدو الله ، فتحاملوا عليه فقتلوه ، فلما أتوا برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كبر وكبر المسلمون ، وحمد الله على قتله ، وقال لهم : أفلحت الوجوه " [ أخرجه البخاري ] ، وأخرج أبو داود وصححه الألباني من حديث ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما : أنّ أعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمّ وَلَدٍ تَشْتِمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَتَقَعُ فِيهِ ، فَيَنْهَاهَا فَلا تَنْتَهِي ، وَيَزْجُرُهَا فَلاَ تَنْزَجِرُ ، فَلَمّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَتَشْتِمُهُ ، فَأَخَذَ المِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا ، وَاتّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا ، فَلَمّا أصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم فَجَمَعَ النّاسَ فَقَالَ : أنْشُدُ الله رَجُلاَ فَعَل مَا فَعَلَ ، لِي عَلَيْهِ حَقّ إلاّ قامَ ، فَقَامَ الأعْمَى يَتَخَطّى النّاسَ ، وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ ، حَتّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ الله ! أنَا صَاحِبُهَا ، كَانَتْ تَشْتِمُكَ ، وَتَقَعُ فِيكَ ، فَأَنْهَاها فَلاَ تَنْتَهِي ، وَأَزْجُرُهَا فَلاَ تَنْزَجِرُ ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلَ اللّؤْلُؤَتَيْنِ ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً ، فَلَمّا كَانَ الْبَارِحَةَ ، جَعَلَتْ تَشْتِمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ ، فَأَخَذْتُ المِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتّى قَتَلْتُهَا ، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : " ألاَ اشْهَدُوا إنّ دَمَهَا هَدْرٌ " ، فما دوركم يا رعاكم الله نحو نبيكم ، وماذا فعلتم لنصرته والدفاع عنه ؟ من أراد أن يفلح يوم القيامة ، ويبيض وجهه ، وتكثر حسناته ، فليدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن خار واستكان ، ورضي بالخزي والهوان ، وولى الكافرين دبره ، وأعطاهم ظهره ، ولم يعط الأمر أهميته ، في غفلة وسذاجة ، وخسة وسفاهة ، ولم ينتصر لنبيه ، ولم يتمعر وجهه ، ولم تنتفخ أوداجه انتقاماً لرسوله ، فليس من الله في شيء ، قال تعالى : { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .

أيها المسلمون : في غزوة أحد ، وعندما انتصر المسلمون ، وهرب المشركون ، وولوا أدراج الرياح ، قام الصحابة رضوان الله عليهم بجمع الغنائم ، فنزل الرماة ليحضوا بنصيبهم ، مخالفين بذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ظناً منهم أن الحرب قد انتهت ، فحصل ما حصل من فوضى واضطرابات ، فكانت بوادر الهزيمة تظهر ، لولا لطف الله ورحمته ، وياله من موقف عصيب ، وأمر عجيب ، وقع فيه المسلمون ، فقد أحاط بهم الأعداء من كل مكان ، ووقعوا بين شقي الرحى ، وانكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس معه إلا تسعة نفر ، فأحاط به المشركون من كل مكان للقضاء عليه ، فأصيب بالحجارة حتى وقع ، وكسرت رباعيته ، فداه نفسي عليه الصلاة والسلام ، وجرح في وجهه ورأسه ، وجرحت شفته ، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، وسال الدم على وجهه ورأسه ، وجعل يمسح الدم وهو يقول : " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم ، وهو يدعوهم إلى ربهم ، ثم قال : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " [ أخرجه مسلم ] ، فاحتدم القتال حوله ، فأحاط به محبوه ومتبعوه ، بين حب وبسالة ، وتفان وبطولة ، كل يريد الذود عن خير البرية ، ومرافقته في الجنة العلية ، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ، واثنين من المهاجرين ، فلما اشتد الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من يردهم عنا وله الجنة " ، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، وتبعه الآخر ، حتى قتل السبعة ، فلم يبق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن أبي وقاص ، وفي هذه الساعة العصيبة ، والحرج الشديد ، أنزل الله نصره بالغيب ، ففي الصحيحين عن سعد قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ، ومعه رجلان يقاتلان عنه ، عليهما ثياب بيض ، كأشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد ، يعني : جبريل وميكائيل " ، ثم اجتمع المسلمون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبدءوا بحمايته كل بنفسه ، فانحنى عليه أبو دجانه رضي الله عنه يحميه من وقع السهام والنبال ، حتى كثر فيه آثارها ، ومص مالك بن سنان الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلعه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مس دمي دمه لم تصبه النار " [ أخرجه مسلم ] ، وهكذا تسابق الصحابة رضوان الله عليهم في الدفاع عن نبيهم وخليلهم وحبيبهم صلى الله عليه وسلم ، فكانت العاقبة جنة الخلد وملك لا يبلى ، قال تعالى : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } .

أمة الإسلام : لقد بلغ حب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوب أصحابه مبلغه ، ووصل احترامهم له مداه ، حتى أن أحدهم يقدم جمجمته فداءً لنبيه ، ويدفع ببنيه دفاعاً عن خليله ، فماذا قدمنا نحن اليوم ، وقد تعرض عرضه النبيل للاستهزاء ، وشخصه الكريم للازدراء ، فما واجبنا كمسلمين للدفاع عن سيد المرسلين ، وإمام النبيين ، إن واجبنا يتمثل في دك حصون الخصوم ، وإنزالهم من صياصيهم ، وكراهتهم وبغضهم ، ما نبض فينا عرق ، أو تحرك فينا قلب ، وأن نفدي رسول الله بالأرواح ، والأسنة والرماح ، فنحن اليوم نمثل خمس سكان العالم ، فأين القلة ، ونملك ما لا يملكه أعداؤنا من المال ، فأين الفاقة ، ولكن كما قال الله تعالى : { الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } ، فاصبروا وصابروا ، وجالدوا الأعداء ، فلن يرضوا عنا حتى نصم الآذان ، ونطمس الأعين ، ونخرس الألسن ، ونتبع ملتهم ، وهيهات هيهات أن يتحقق لأعداء الملة والدين ما يصبون إليه ، أو يقع ما يتطلعون إليه ، لقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعظم الناس حباً لنبيهم ، وأشد الخلق ذوداً عن رسولهم ، لقد كانوا يتسابقون على وضوئه ونخامته صلى الله عليه وسلم ، ويتمسحون بها ، ويقتتلون على شعره ، تباركاً به صلى الله عليه وسلم ، فأين نحن من ذلك الفداء ، وذاك التفاني .

أمة الإسلام : إن خذلتم نبيكم ولم تنصروه ، فاعلموا أن الله ناصر عبده لا محالة ، قال تعالى : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ، ألا فاعلموا أيها الناس أنكم إن لم تنصروا نبيكم ، فالله ناصره ، وستبقى عليكم تبعة الخذلان ، عبر القرون والأزمان ، وتالله إنا لنخشى إيقاع العقوبة الإلهية ، والنقمة الربانية ، إزاء التقاعس المشين ، والتخاذل المهين ، فالله الله أيها المسلمون ، استميتوا في نصرة نبيكم ، واستمروا في مقاطعة عدوكم ، وتذكروا أن لكل نبي دعوة مستجابة ، دعا بها على أمته ، فأهلك الله بها قومه ، إلا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي ادخر هذه الدعوة ليوم القيامة ، لا لنجاة نفسه ، ولا لحماية ذريته وأهل بيته ، بل ليقول لربه يوم الشفاعة العظمى ، وموقف القيامة الكبرى ، يوم يشيب فيه المولود ، وتجتمع الوفود ، ليقول لله المعبود : " أمتي ، أمتي " ، قال تعالى : { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ، فادخروا هذا الموقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، واحفظوه له ، فقد حان الوقت الذي تبينون للعالم بأسره أننا أمة محمدية ، تذود عن دينها ، وتدافع عن نبيها ، وتقدس ربها وخالقها ، قال حسان بن ثابت دفاعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لمن ذمه وآذاه وهجاه :


هَجَوْتَ مُـحَمَّداً فَأَجَبْتُ عنهُ *** وعِنْدَ الله فِـي ذاكَ الـجَزَاءُ
هَجَوْتَ مـحمداً بَرًّا حَنِـيفاً *** رَسُولَ الله شِيْـمَتُهُ الوَفَاءُ
فَإِنَّ أَبِـي وَوَالِدَهُ وعِرْضِي *** لِعِرْضِ مـحمدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
ثَكِلْتُ بُنَـيَّتِـي إِنْ لَـمْ تَرَوْهَا *** تُثِـيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ
وَقَالَ الله قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْداً *** يَقُولُ الـحَقَّ لـيسَ بِهِ خَفَاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رسولَ الله مِنْكُمْ *** وَيَـمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ


أمة الإسلام : تجرأت صحف الغرب الكافر ، على الاستهزاء برسول الهدى صلى الله عليه وسلم ، فلم يفق المسلمون بعد ، من صدمة الصحف الدنمركية والنرويجية ، حتى نفاجأ بصحيفة فرنسية ، وهي تعيد علينا الكرة ، وتصفعنا المرة تلو المرة ، ألهذا الحد بلغ استهزاء الأعداء وازدرائهم بنا ، هل لأننا أمة ضعيفة متفرقة ، أم لأن الجبن والخوف يدك حصوننا ، أم لأننا عباد الشهوات ، وقادة الملذات ، وأصحاب الملهيات والمغريات ، يا الله ! لقد وصلت الأمة اليوم إلى ضحضاح من المهانة ، تطاول فيه الأدنى على الأعلى ، وتجرأ فيه السفهاء على العقلاء ، فسبحان الله! أليس لدينا غيرة على ديننا ، وحرقة على جاه نبينا ، ولوعة على عرض حبيبنا ، أم زاغت الأبصار ، وعميت الأنظار ، وماتت القلوب ، واشتدت الخطوب ، فأصبحنا لا ننكر منكراً ، ولا نعرف معروفاً ، وأيم الله لو كان هذا هو واقعنا ، لحاق بنا مكر الله ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : " لاَ يُؤْمِنُ أَحَدَكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " [ أخرجه مسلم ] ، فما كان لتلك الشرذمة الهالكة ، والطغمة الظالمة ، أن تنال من مكانة نبينا ، ومقام إمامنا ، ومنزلة قدوتنا وحبيبنا عليه الصلاة والسلام ، إلا حين قصرنا في تعظيمه ، وفرطنا في جنبه ، ولم نعرف قدره ، وتكاسلنا عن اتباع منهجه ، وتركنا امتثال سنته ، فاللهم إنا نبرأ إليك مما فعل الكفار ، ونعتذر إليك مما صنع بعض المسلمين ، فعذراً يا رسول الله ، عذراً يا رسول الله ! من تكاسل المتكاسلين ، وغفلة الغافلين ، وتبعية المنافقين ، وحذلقة العلمانيين ، وجهالة الجاهلين ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم الجليل ، عباد الله ، قلت ما قلت ، وكتبت ما كتبت ، فما كان من صواب فمن الله وبه استعنت ، وإليه لجأت ، وما كان من زلل وخطأ فمنه رجعت واستغفرت ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله عليه وتوكلت ، وإليه أنبت ، فاستغفروا الله رب البيت .


الحمد لله على ما من به من العطاء ، فهو أهل الفضل والثناء ، أحمد سبحانه صباح مساء ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له دعا إلى المحبة والصفاء ، والإخلاص والوفاء ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أخرجنا من جاهلية جهلاء ، وظلمات ظلماء ، إلى نور وضاء ، وعلم بناء ، اللهم صلي وسلم على خير الأنبياء ، وأفضل الأصفياء ، وأعظم الأتقياء ، وعلى آله وأصحابه الأنقياء ، ومن سار على نهجهم ، واتبع سيرتهم إلى يوم الدين . . . أما بعد : فاتقوا الله عباد الله ، واستعدوا ليوم تشخص فيه الأبصار ، فقد تقلب الليل والنهار ، فاحذروا من الجرف الهار ، في الحميم والنار ، واخلصوا لله واتقوا الواحد القهار ، اطلبوا الخير المدرار ، باتباع النبي المختار .

أمة الإسلام : إن حقد الكفار ، وحنق اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس وليد اليوم والليلة ، ولا الساعة واللحظة ، بل ضرب في عمق التأريخ ، وتأصلت جذوره ، وامتدت أطنابه ، عبر القرون ، وامتداد السنون ، فكم سعى بنو إسرائيل لقتل النبي صلى الله عليه وسلم واغتياله ، كما هي حالهم اليوم ، فبدأت بوادر الكراهية والعداء منذ نبوته ، فكادوا له المكائد ، وعملوا له المصائد ، ولكن الله ناصر عبده ورسوله ، حتى قال أحد اليهود آنذاك : " والله لأحملن عداوته في نفسي ما بقيت " ، وهذه هي يهود ، دولة الاضطهاد والعنصرية ، والتفرقة البشرية ، حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات عديدة ، فباءت محاولاتهم بالفشل ، فسحره لبيد بن الأعصم فبقي شهراً مريضاً ، حتى فكه الله من سحره ، وسمته يهودية في شاة مسمومة أهدتها له ، فأكل منها وبعض أصحابه ، فمات نفر منهم ونجا آخرون ، فأمر بقتلها ، وحاول أشقاهم أن يلقي صخرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس على جدار ، فنزل جبريل عليه السلام يخبره خبث المؤامرة ، فنهض صلى الله عليه وسلم مسرعاً ، فحاصرهم وأجلاهم عن المدينة ، وهكذا هو دأب اليهود ، اغتيالات ونكث للعهود ، ونقض للمواثيق ، كما يحصل اليوم ، فإسرائيل البنت المدللة لأمريكا ، تغتال وتقتل ، وتدمر وتهدم ، تسيطر على القوى العالمية ، والبرلمانات الهيلمانية ، زمانية ومكانية ، حتى وصل بهم الحال إلى أن تطاولوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم برسوم مهينة ، وتصاوير مشينة ، لا يرضاها إلا كافر منافق ، فماذا أعددنا لمقابلة يهود اليوم ، إننا يجب أن نضمر لهم العداوة والبغضاء ، والكراهية والشحناء ما بقينا على وجه البسيطة ، لقد تطاولوا على مقام الأولهية ، فتنقصوا رب البرية ، نسبوا لله الفقر ولهم السؤدد ، وادعوا له الصاحبة والولد ، قول ووصف تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ، فتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .

أمة الإسلام : رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن تقطع لمحبته العلاقات ، وتقاطع لمكانته المنتجات ، وتسفك في نصرته دماء المسلمين والمسلمات ، فمحبته صلى الله عليه وسلم ليست حصراً على الملتحين ، ولا حجراً على المتمسكين ، بل هي واجبة لكل من شهد له بالرسالة ، وأداء الأمانة ، وكل من آمن بالإسلام ، ووحدانية الملك العلام ، قال تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ألا فتذكروا عباد الله ، أنكم قطعتم على أنفسكم عهداً لن تنقضوه ، ووعداً لن تخلفوه ، ألا وهو نصرة نبيكم وحبيبكم وخليلكم صلى الله عليه وسلم ، نصرته بالغالي والنفيس ، دفاعاً عنه بالمال والنفس ، ذوداً عنه بيعاً وشراءً ، محبة له وإرضاءً ، فلقد أسهمت المقاطعة في النكاية بعدو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فواصلوا المسير رحمكم الله ، واستمروا في المقاطعة رعاكم الله ، واحذروا أن تغدروا وعودكم ، أو تخونوا أماناتكم ، قال الله عز وجل : { وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } ، فأقل ما تقدمون لنصرة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، أن تبقوا على عهدكم ووعدكم ، بمقاطعة منتجات عدو الله وعدوكم ، حتى تلقوا ربكم ، فهي مقاطعة إلى أبد الآبدين ، إلى أن يقوم الناس لرب العالمين ، ولا يستخفنكم الشيطان ، ولا يجرمنكم شنآن أقوام وأقزام ، فاستمروا على ما أنتم عليه حتى تلقوا رسولكم صلى الله عليه وسلم حول حوضه ، وتشربون شربة من يده ، واحذروا أن تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ، فلا توبة لمن سب الله ورسوله ، ولا إنابة لمن استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله عز وجل : " قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ، وقال سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } ، فإياكم والخيانة والنفاق ، أو نقض الميثاق ، فالعاقبة نار وغساق ، قال الملك الجليل ، في درة التنزيل ، ومعجزة التأويل : { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي } ، هذا وصلوا وسلموا على أكرم البشرية ، وخير البرية ، أفضل أسوة ، وأعظم قدوة ، نبي الهدى ، خير الورى ، نبي المتقين ، وسيد الثقلين ، فقد أمركم بذلك الرحيم الرحمن ، فقال الواحد المنان ، في هدي القرآن : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } ، اللهم صل على نبينا محمد في ملأ السماء الأعلى ، وسلم عليه في ملأ الدنيا الأدنى ، وزده تشريفاً وتعظيماً ، وتبجيلاً وتفخيماً ، وعلى صحابته الكرام الأبرار ، وأهل بيته الأطهار ، وصحابته الأخيار ، المهاجرين منهم والأنصار ، وأدخلنا معهم في رحمتك ، ومنا علينا بعفوك ومغفرتك ، يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً ، سخاءً رخاءً ، وسائر بلاد المسلمين ، اللهم آمنا في أوطاننا ودورنا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، يا دائم الإحسان ، يا عظيم الامتنان ، اللهم من أرد الإسلام وأهله بسوء ، فأشغله بنفسه ، واجعل تدميره في تدبيره ، اللهم نكس رأسه ، واجعل الخوف لباسه ، اللهم لا تقم له راية ، ولا تمكن له غاية ، واجعله لمن خلفه عبرة وآية ، اللهم احفظ بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه ، اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء ، الزنا والربا ، والزلازل والمحن ، وسوء الفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان ، اللهم ألف بين قلوبهم ، اللهم وحد صفوفهم ، واجمع كلمتهم على الحق والدين ، وحقق فيما يرضيك آمالهم ، واكبت عدوهم ، واخذل من خذلهم ، وانصر من نصرهم ، يا ب العالمين ، اللهم يا قوي يا عزيز ، يا ذا لبأس الشديد ، والأمر الرشيد ، اللهم عليك باليهود والنصارى ، اللهم عليك بجحافل الكفر ، اللهم أحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تغادر منهم أحداً ، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك ، وشدة بأسك ، وعظمة قوتك ، اللهم زلزل الأرض من تحتهم ، اللهم سلط عليهم الكوارث المدمرة ، اللهم أضعف قوتهم ، وول عليهم شرارهم ، اللهم دمر اقتصادهم ، وأغرق بلادهم ، وشل أركانهم ، اللهم أطعمهم من ضريع ، واجعل مآلهم إلى فشل ذريع ، اللهم اجعل أمرهم في وبال ، ورأيهم في سفال ، اللهم أقر عيوننا بهزيمتهم ، اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين ، أذلة صاغرين ، يا حي يا قيوم ، يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم أحقن دماء المسلمين ، وانصرهم على عدوك وعدوهم ، اللهم حرر مقدسات المسلمين من براثن اليهود الغاصبين ، والنصارى المحتلين ، اللهم فك أسرى المأسورين من المسلمين ، اللهم أعدهم إلى بلادهم سالمين ، اللهم إنا نحمدك على الأمطار ، والخير المدرار ، ونشكرك على ما أنعمت وأجزلت ، وتفضلت وتكرمت ، فلك الحمد كله ، ولك الشكر كله ، وإليك يرجع الأمر كله ، أهل أنت أن تعبد ، وأهل أنت أن تحمد ، لك الحمد على نعمائك ، ولك الشكر على آلائك ، سبحانك وتعاليت ، تقدست وتباركت ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية