اطبع هذه الصفحة


اضحك مع الفكاهة

يحيى بن موسى الزهراني

 
الحمد لله الذي أعطى الإنعام جزيلاً ، ووهب من الخير كثيراً ، وقبل من الشكر قليلاً ، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ومن أصدق من الله قيلاً ، له في كل آية دليلاً ، وعد عباده المؤمنين ظلاً ظليلاً ، وتوعد العصاة بعذاب وهولاً وبيلاً ، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله ، لم يجعل له من جنسه عديلاً ، وليس له من الخلق مثيلاً ، صلى الله وسلم عليه نهاراً وليلاً ، وعلى آله وصحبه بكرة وأصيلاً . . . أما بعد :
فإن مما يروح عن النفس همومها بعد الله تعالى ، ويجلي عنها غمومها ، التسلية والفكاهة ، فهي تلطف المجالس ، وتزيد النفس بهاءً بعد القترة ، وعزيمة بعد الفترة ، والفكاهة في الدين لا باس بها ، فهي جائزة في حدود الشرع وضوابطه ، بل هي مطلوبة في كثير من الأحيان ، سيما إذا ملت القلوب وكلت ، عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ وهو مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ ، قَالَ : سُبْحَانَ اللّهِ مَا تَقُولُ ؟ قُلْتُ : نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ ، حَتَّىٰ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ ، وَالأَوْلاَدَ ، وَالضَّيْعَاتِ ، فَنَسِينَا كَثِيراً ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَوَاللّهِ إِنَّا لَنَلْقَىٰ مِثْلَ هٰذَا ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ ، حَتَّىٰ دَخَلْنَا عَلَىٰ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : " وَمَا ذَاكَ ؟ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّىٰ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ ، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ ، وَالأَوْلاَدَ ، وَالضَّيْعَاتِ ، فنَسِينَا كَثِيراً ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْكم لَوْ تَدُومُونَ عَلَىٰ مَا تَكُونُونَ عِنْدِي ، وَفِي الذِّكْرِ ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَىٰ فُرُشِكُمْ ، وَفِي طُرُقِكُمْ ، وَلٰكِنْ يَا حَنْظَلَةُ ، سَاعةً وَسَاعةً " ثَلاَثَ مَرَّاتٍ [ أخرجه مسلم ] .
هذه هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم في طبه للقلوب ، ذكر وعلم ، ثم ترويح عن النفس للاستجمام وأخذ قسط من الراحة ، والتفكر في مخلوقات الله تعالى ، وقضاء حوائج الأهل والمزاح معهم ، والأنس بهم .

تفسير خاطئ :
لقد كذب من زعم وقال : " ساعة لربك ، وساعة لقلبك " ، فالساعة التي لربك أطع الله فيها ، والساعة التي لقلبك افعل ما بدا لك فيها من المعاصي ، واقترف ما استطعت من الذنوب والآثام ، فأي دين يأمر بالمعصية ؟ وأي كتاب يشحذ الهمم للذنب واللمم ؟ تعالى الله عما يقول الكاذبون علواً كبيراً ، قال تعالى : { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ الأعراف28 ] ، إن من تأمره نفسه بطاعة الله ساعة ، وعصيانه ساعة ، لهي نفس أمارة بالسوء ، متبعة لخطوات الشيطان ، قال تعالى : { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة268 ] .

أقوال في الفكاهة والمزاح :
الفكاهة تزيل عن النفس غشاوتها ، وتُذهب غُبرتها ، وتعيد لها نشاطها ، فتقبل على خالقها وبارئها .
عن أسامة بن زيد قال‏ : "‏ روحوا القلوب تعي الذكر " .‏
وعن الحسن قال‏ :‏ " إن هذه القلوب تحيى وتموت فإذا حييت فاحملوها على النافلة وإذا ماتت فاحملوها على الفريضة " [ أخبار الحمقى والمغفلين ] .‏
وعن قسامة بن زهير قال : " روحوا القلوب تعي الذكر " [ مصنف ابن أبي شيبة ] ، وفي مسند الشهاب ، عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " روحوا القلوب ساعة بساعة " [ ضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم 3140 ، وفي الضعيفة برقم 3649 ] .
قال المناوي في فيض القدير 7/3415 : " أي أريحوها بعض الأوقات من مكابدة العبادات بمباح لا عقاب فيه ولا ثواب ، وقال أبو الدرداء : إني لأجِمّ فؤادي ببعض الباطل _ أي اللهو الجائز _ لأنشط للحق .
وذُكِرَ عند المصطفى صلى اللّه عليه وسلم القرآن والشعر فجاء أبو بكر فقال : أقراءة وشعر ؟ فقال : نعم ! ساعة هذا ، وساعة ذاك .
وقال علي رضي اللّه عنه : " أجِمّوا هذه القلوب فإنها تمل كما تمل الأبدان أي تكل " .
وقال بعضهم : إنما ذَكَرَ المصطفى صلى اللّه عليه وسلم لأولئك الأكابر الذين استولت هموم الآخرة على قلوبهم ، فخشي عليها أن تحترق .
وقال علي رضي الله عنه : " روّحوا القلوب ساعة ، فإنها إذا أكرهت عميت " .
وفي الخبر : " على العاقل أن يكون له ثلاث ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يخلو فيها بمطعمه ومشربه ، فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات " [ إحياء علوم الدين ] .
فكل تلك الأقوال والآثار تدل على مشروعية الفكاهة ، وأنه لا بأس بها من أجل صقل القلوب ، وترطيب النفوس ، حتى تعود إلى مدارسة العلم الشرعي بكل جد ونشاط وحيوية .

خطورة الكذب في الفكاهة :
مما يعكر صفو الفكاهة ، ويذهب بروح الابتسامة ، ويخرج بروح الفكاهة من المباح إلى الحرام ، أن تحتوي على بعض الأمور المنكرة ، كان يكون فيها كذباً ، أو استهزاءً ، فإن انطوت على واحد من تلك الأمور فهي فكاهة محرمة .
وربما لا يخلو مجلس من مجالس الناس اليوم إلا وتجد فيه مرحاً وفكاهة ممزوجة بالكذب ، يروجون الكذب لإضحاك الناس ، وإخراج ابتسامتهم ، ولا ريب أن هذا الأمر لا يجوز ، بل هو محرم متوعد صاحبه بالعذاب والويل ، قال الله تعالى : { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } [ المطففين10 ، والمرسلات49 ] .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى : " أي إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين ، فويل لهم : أي لهم الهلاك والدمار ، وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك الناس ، ويل له ، ويل له " [ قال الترمذي : حديث حسن ] ، ثم قال تعالى مفسراً للمكذبين الفجار الكفرة : { ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ } أي لا يصدقون بوقوعه ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره ، قال الله تعالى : { وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦ إِلآ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ } أي معتد في أفعاله من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح ، والأثيم في أقواله إن حدث كذب ، وإن وعد أخلف ، وإن خاصم فجر " .
وكرر النبي صلى الله عليه وسلم كلمة " ويل له " إيذاناً بشدة هلكته ، وذلك لأن الكذب وحده ، رأس كل مذموم ، وجماع كل فضيحة ، فإذا انضم إليه استجلاب الضحك ، الذي يميت القلب ، ويجلب النسيان ، ويورث الرعونة ، كان أقبح القبائح ، ومن ثم قال الحكماء : إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة .
وهناك من الناس من يتلذذ بالفكاهة والضحك على أشخاص معينين ، أو يستخدم أمور الجاهلية الجهلاء ، كالطعن في الأنساب ، والتعرض للقبائل بشيء من الاستهزاء والسخرية ، وهذا أمر محرم لا شك فيه ، عن أبي مَالكٍ الأشعريِّ رضي الله عنه ، أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال : " أَرْبَعٌ في أُمَّتِي مِنْ أمر الجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ : الفَخْرُ في الأَحْسَابِ ، والطَّعْنُ في الأَنْسَابِ ، والاسْتِسْقَاءُ بالنُّجُومِ ، والنِّياحَةُ ، والنائِحَةُ إذا لم تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها ، يُقَامُ يَوْمَ القِيامَةِ عليها سِرْبَالٌ من قَطِرَانٍ ، ودِرعٌ من جَرَب " [ أخرجه مسلم ] .
فمما سبق بيانه لا يجوز لأحد أن يكذب في الفكاهة أو النكتة كما يسمونها ، بل لا يقول إلا حقاً ، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم .

المزاح سُنَّة :
عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال : قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم : " إِنِّي لأمْزَحُ ، ولا أَقُوْلُ إِلاَّ حَقًّا " [ أخرجه الطبراني في الصغير وإسناده حسن ] .
ومعنى ولا أقول إلا حقاً : لعصمتي عن الزلل في القول والعمل ، وذلك كقوله لامرأة : زوجك في عينه بياض ، وقوله في أخرى : لا يدخل الجنة عجوز ، وقوله لآخر : لأحملنك على ولد الناقة .
وقيل لابن عيينة المزاح سبة ؟ فقال : بل سنة ، ولكن من يحسنه ، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ، لأن الناس مأمورون بالتأسي به ، والاقتداء بهديه ، فلو ترك اللطافة والبشاشة ، ولزم العبوس والقطوب ، لأخذ الناس من أنفسهم بذلك ، على ما في مخالفة الغريزة من الشفقة والعناء ، فمزح ليمزحوا ، وكان إذا مزح لا يقول إلا حقاً .

وقال الماوردي : العاقل يتوخى بمزاحه أحد حالين لا ثالث لهما :
أحدهما : إيناس المصاحبين والتودد إلى المخالطين ، وهذا يكون بما أنس من جميل القول ، وبسط من مستحسن الفعل ، كما قال حكيم لابنه : يا بني اقتصد في مزاحك ، فإن الإفراط فيه ، يُذهب البهاء ، ويجرِّي السفهاء ، والتقصير فيه ، نقص بالمؤانسين ، وتوحش بالمخالطين .
والثاني : أن ينبغي من المزاح ما طرأ عليه وحدث به من هم ، وقد قيل : لا بد للمصدور أن ينفث ، ومزاح النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يخرج عن ذلك ، وأتى رجل علياً رضي اللّه عنه فقال : احتلمت بأبي ، قال: أقيموه في الشمس واضربوا ظله الحد .
أما مزاح يفضي إلى خلاعة ، أو يفضي إلى سبة فهجنة ومذمة ، قال ابن عربي : ولا يستعمل المزاح أيضاً في أحكام الدين ، فإنه جهل ، قال تعالى مخبراً عن قصة البقرة : { إن اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين } معناه : لا أمزح في أحكام الدين ، فإن ذلك فعل الجاهلين ، ولكن اذبحوها فستروا الحقيقة فيها .
فاحذروا أيها الناس من عاقبة المزاح الذي يعتريه الكذب ، أو يكون فيه سخرية بأحد من الناس أو القبائل ، فهو المهلكة والله ، عن عبد الله رضيَ الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ الصدقَ يَهدِي إلى البِرّ ، وإن البرَّ يَهدي إلى الجنَّة ، وإن الرجلَ لَيَصدُق حتى يكونَ صدِّيقاً ، وإن الكذبَ يَهدِي إلى الفجور ، وإن الفجورَ يَهدِي إلى النار ، وإن الرجلَ لَيَكذِب حتى يُكتبَ عند اللهِ كذّاباً " [ متفق عليه ] .

خطورة الكذب :
كم للكذب من مخاطر ، وكم جر من ويلات ، وكم أدى إلى قطيعة وخيمة ، وانتقام خطير ، وسأضع بين يدي القارئ الكريم ، أخطر ما للكذب من صفات وعقوبات :
1- ذم الله الكذب ولعن صاحبه ، قال تعالى : { ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } [ آل عمران61 ] .
2- ونفى الله الإيمان عن الكاذب ، فقال سبحانه : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [ النحل105 ] .
3- وأبعد الله الكاذب عن الهداية والعياذ بالله ، فقال عز وجل : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } [ غافر28 ] .
4- ووسم الكاذب بالمنافق _ نسأل الله السلامة _ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : " آيةُ المنافقِ ثلاثٌ : إِذا حدَّثَ كذَبَ ، وإِذا ائْتمِنَ خان ، وإِذا وَعدَ أخْلَفَ " [ متفق عليه ] ، وزاد مسلم في لفظ له : " وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ " .
وعنْ عبدِ اللّهِ بنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : : أربعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ كان مُنافِقاً خالصاً ، وَمَنْ كانتْ فيهِ خَصْلةٌ مِنهنَّ كانتْ فيهِ خَصْلةٌ مِنَ النفاقِ حتى يَدَعَها : إذا ٱؤْتُّمِنَ خان ، وإذا حدَّثَ كَذَبَ ، وإذا عاهَدَ غدرَ ، وإذا خاصمَ فَجَرَ " [ متفق عليه ] .
5- وختم الله ذلك بدخول الكاذب النار _ أعاذنا الله منها _ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ، يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " [ متفق عليه ] .
والأحاديث في ذلك كثيرة ، مترادفة وفيرة ، والناس في عجالة ، لا تحتمل الإطالة ، وفيما أشرت إليه كفاية ، لمن طلب الحق والوقاية .
سئل بعضهم : كم وجدت في ابن آدم من العيوب ؟
فقال : هي أكثر من أن تحصى ، والذي أحصيت ثمانية آلاف عيب ، ووجدت خصلة إن استعملها سترت العيوب كلها ، وهي حفظ اللسان ، [ الكبائر للذهبي 217 ] .
فليحذر المسلم من أن يلقي بنفسه إلى التهلكة ، ويوردها الموارد ، بإنشاء أكاذيب فكاهية ، واختلاقات مضحكة ، ليس لها من الصحة مجال ، بل هي من نسج الخيال ، ثم ليحذر المسلم من أن يجعل بعض الأشخاص مسخرة يسخر منه ، ويشهر به بين الناس ، بل إذا دعت الحاجة للمزاح بين اثنين فلا بأس بذلك ما لم يؤدي إلى فتنة أو قطيعة ، وليكن ذلك خاص بينهما ، دون التشهير به ، لأن ذلك يؤذي الآخر ، وهذا حرام لا يجوز .

أعظم رجل في التأريخ يمزح :
المداعبة والملاعبة والهزل والمزاح كلها أضداد للجد ، فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على جلال قدره ، وسمو مكانته ، وانشغاله بمهام الرسالة ، وأعباء القيادة ، هل كان يمزح ، هل لديه وقت للمزح والمداعبة ؟
والجواب : نعم ، كان يمزح ، ويداعب أهله وأصحابه ، ويضحك معهم ، ويتبسم أحياناً ، ويضحك حتى تبدو نواجذه أحياناً أخرى ، لكن كان مزاحه قليلاً وبقدر الحاجة ، وكان لا يقول فيه إلا حقاً ، بل هو في مزاحه يقدم معروفاً لأصحابه بما يدخل عليهم الفرح والسرور والغبطة ، لأنهم كانوا كلهم أهل جهاد ورسالة وأمانة يبلغونها من خلفهم ، فهمهم يحتاج إلى محطة يتوقف فيها ليعاود نشاطه .

نماذج من مزاح النبي صلى الله عليه وسلم :
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمع صوت عائشة عالياً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل تناولها ليلطمها ، وقال : لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحجزه ، فلما خرج أبو بكر مغضباً ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة : " كيف رأيتني أنقذتك من الرجل " .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي في الشمائل وابن المنذر والبيهقي في البعث عن الحسن قال: أتت عجوز فقالت يا رسول الله : ادع الله أن يدخلني الجنة ، فقال : يا أم فلان " إن لجنة لا يدخلها عجوز " ، فولت تبكي ، قال : " أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، إن الله يقول : { إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَـارًا } " .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لامْرَأَةٍ وَقَدْ ذَكَرَتْ لَهُ زَوْجَهَا ، فقال لها : الَّذِي فِي عَيْنِهِ بَيَاضٌ ؟ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّهُ لَصَحِيحُ الْعَيْنِ ، وَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيَاضَ الَّذِي حَوْلَ الْحَدَقَةِ .
فكل إنسان له بياض داخل عينيه حول السواد ، والبياض أكبر من السواد .
وقال لأنس بن مالك رضي الله عنه مرة يا ذا الأذنين ، وهي مداعبة ظاهرة ، وحق واضح ، فكل إنسان ذو أذنين اثنتين .
وقال لرجل مرة وكان دميماً وهما يمشيان مع بعضهما : " من يشتري هذا العبد " ، فقال الرجل : إذن والله تجدني كاسداً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكن عند الله لست بكاسد ، أنت عند الله غال " .
هكذا فليكن المزاح ، مزاح حقاً ، لا كذب فيه ولا افتراءً ، بل كله صدقاً وعدلاً .
ونظراً لضيق الوقت ، ولعدم الإكثار على القارئ الكريم ، وحتى تتسنى الفائدة من الموضوع ، وكما قيل : خير الكلام ما قل ودل ، فأكتفي بما كتبت ، والله المستعان ، وعليه التكلان ، وفي ذلك ذكرى للذاكرين ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

 

يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية