اطبع هذه الصفحة


التشبُه (الداء العضال)!

يسري صابر فنجر

 
إن الداء العضال والمرض الخطير الذي انتشر في واقع المسلمين اليوم هو التبعية المطلقة للغرب الفاجر أو الشرق الملحد؛ فصار غالب المسلمين إمعة لهم وببغاوات لحديثهم وأبواقاً تصيح بنفَسهم؛ فإن قالوا: حقوق المرأة، أثيرت القضية عندنا بمفهومهم، وإن قالوا: حقوق الشواذ، أنشأنا مؤتمرات بمسميات ترضي الشعوب، وإن ظهرت عندهم موضة عقدية أو فكرية أو اجتماعية، تفشت عندنا وماعت عندها ثوابتنا.. فشبهاتهم وشهواتهم تنال قلوب كثير من المسلمين بعد أن ظهرت على أجسادهم بل يدَّعون أن ذلك حرية وهم عبيد لأفكار الغرب ومعتقداتهم.

روى أبو داود في سننه (4031) بسند حسن عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"، قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْعَلْقَمِيّ: أَيْ تَزَيَّى فِي ظَاهِره بِزِيِّهِمْ، وَسَارَ بِسِيرَتِهِمْ وَهَدْيهمْ فِي مَلْبَسهمْ وَبَعْض أَفْعَالهمْ.

وَقَالَ الْقَارِي: مَنْ شَبَّهَ نَفْسه بِالْكُفَّارِ مَثَلًا مِنْ اللِّبَاس وَغَيْره، أَوْ بِالْفُسَّاقِ أَوْ الْفُجَّار أَوْ بِأَهْلِ التَّصَوُّف وَالصُّلَحَاء الْأَبْرَار (فَهُوَ مِنْهُمْ): أَيْ فِي الْإِثْم وَالْخَيْر، قَالَ الْعَلْقَمِيّ: مَنْ تَشَبَّهَ بِالصَّالِحِينَ يُكْرَم كَمَا يُكْرَمُونَ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِالْفُسَّاقِ لَمْ يُكْرَم وَمَنْ وُضِعَ عَلَيْهِ عَلَامَة الشُّرَفَاء أُكْرِمَ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّق شَرَفه. قَالَ شَيْخ الْإِسْلَام اِبْن تَيْمِيَّةَ فِي الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم: هذا الْحَدِيث أَقَلّ أَحْوَاله أَنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيم التَّشَبُّه بِهِمْ كَمَا فِي قَوْله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة: من الآية51) وَهُوَ نَظِير قَوْل عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رضي الله عنهما: مَنْ بَنَى بِأَرْضِ الْمُشْرِكِينَ وَصَنَعَ نَيْرُوزَهُمْ وَمِهْرَجَانَهمْ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَمُوت حُشِرَ مَعَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة، فَقَدْ يُحْمَل هَذَا عَلَى التَّشَبُّه الْمُطْلَق فَإِنَّهُ يُوجِب الْكُفْر، وَيَقْتَضِي تَحْرِيم أَبْغاض ذَلِكَ، وَقَدْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ مِنْهُمْ فِي الْقَدْر الْمُشْتَرَك الَّذِي يُشَابِههُمْ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ كُفْرًا أَوْ مَعْصِيَة أَوْ شِعَارًا لهم كان حُكْمه كذلِكَ.

فالتشبه موالاة للمتشبه به، وتعظيماً له، وقد يجر التشبه في الظاهر إلى التأثر بالمعتقدات أو الأفكار في الباطن، ولذا يروى عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: "لا يشبه الزي الزي حتى تشبه القلوب القلوب" رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (34548).

والحقيقة أن التشبه بالكفار من النساء أو الشباب أو غيرهم نوع من الهزيمة النفسية، والشعور بالنقص والضعف والتبعية، يقول ابن خلدون في مقدمته (147): المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه، ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها.

أيها المسلمون: ليست المسألة ثوباً وتنتهي، ولكن قلوب تتبدل، ومعتقدات تتغير، وذوبان للشخصية المسلمة، ومرض يحيط بالمسلمين من كل جانب عبر موجات إعلامية فاسدة.

نسأل الله أن يحفظ المسلمين من كل سوء.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 

يسري صابر فنجر

  • كتب
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية