اطبع هذه الصفحة


دعـاء أصحاب الهمم العالية!

يسري صابر فنجر

 
إن دعاء إبراهيم عليه السلام الذي ذكر في القرآن ليس فيه طلب لعرض من أعراض هذه الأرض، ولا حتى صحة البدن، إنه دعاء يتجه إلى آفاق أعلى، تحركه مشاعر أصفى، دعاء القلب الذي عرف الله فأصبح يحتقر ما عداه، والذي ذاق فهو يطلب المزيد، والذي يرجو ويخاف في حدود ما ذاق وما يريد قال تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 83 ـ 89]
ويتضمن هذا الطلب ما يلي:

طلب الحكمة. قال تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} أي: أعطني علما كثيرا، أعرف به الأحكام، والحلال والحرام، وأحكم به بين الأنام، والحكمة التي أعرف بها القيم الصحيحة والقيم الزائفة.

2- طلب اللحاق بالصالحين. قال تعالى: {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} يقولها إبراهيم عليه السلام النبي الكريم الأواه الحليم؛ فيا للتواضع ويا للتحرج! ويا للإشفاق من التقصير! ويا للخوف من تقلب القلوب! ويا للحرص على مجرد اللحاق بالصالحين بتوفيق من ربه إلى العمل الصالح الذي يلحقه بالصالحين.

طلب الذكرى الحسنة بعد وفاته بالذرية الصالحة وغيرها من الأعمال الصالحة. قال تعالى: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} دعوة تدفعه إليها الرغبة في الامتداد بالذكرى الحسنة، فهو يطلب إلى ربه أن يجعل له فيمن يأتون أخيرًا لسان صدق يدعوهم إلى الحق ويردهم إلى الحنيفية السمحة دين إبراهيم عليه السلام، ولعلها هي دعوته في موضع آخر إذ يرفع قواعد البيت الحرام هو وابنه إسماعيل عليهما السلام {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة: 128 ـ 129].

وقد استجاب الله عز وجل له وحقق دعوته، وجعل له لسان صدق في الآخرين، وبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وكانت الاستجابة بعد آلاف من السنين هي في عرف الناس أمد طويل، وهي عند الله سبحانه أجل معلوم تقتضي حكمته أن تتحقق الدعوة المستجابة فيه قال تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 108ـ 111].

طلب جنة النعيم: قال تعالى: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} وقد دعا ربه ـ من قبل ـ أن يلحقه بالصالحين بتوفيقه إلى العمل الصالح الذي يسلكه في صفوفهم وجنة النعيم يرثها عباد الله الصالحين.

طلب المغفرة لوالديه ولمن تكون؟ قال تعالى {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} ذلك على الرغم مما لقيه إبراهيم عليه السلام من أبيه من غليظ القول وبالغ التهديد، ولكنه كان قد وعده أن يستغفر له فوفى بوعده، وقد بين القرآن فيما بعد أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى، وقرر أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه بناء على موعدة وعدها إياه {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114].

طلب سلامة القلب وعدم الخزي يوم القيامة. قال تعالى: {ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم} وفي من قول إبراهيم عليه السلام: {ولا تخزني يوم يبعثون} مدى شعوره بهول اليوم الآخر ومدى حيائه من ربه وخشيته من الخزي أمامه وخوفه من تقصيره وهو النبي الكريم.

كما أن في قوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} مدى إدراكه لحقيقة ذلك اليوم، وإدراكه كذلك لحقيقة القيم فليست هنالك من قيمة في يوم الحساب إلا قيمة الإخلاص إخلاص القلب كله لله وتجرده من كل شائبة، ومن كل مرض، ومن كل غرض، وصفائه من الشهوات، والانحرافات وخلوه من التعلق بغير الله فهذه سلامته التي تجعل له قيمة ووزنا {يوم لا ينفع مال ولا بنون} ولا ينفع شيء من هذه القيم الزائلة الباطلة التي يتكالب عليها المتكالبون في الأرض وهي لا تزن شيئاً في الميزان عند الله يوم القيامة.

 

يسري صابر فنجر

  • كتب
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية