اطبع هذه الصفحة


حيل وذرائع ( المفسدين ) .. للطعن في ثوابت ( الدين )

المارقال


إن الحال التي عليها هذا المجتمع المبارك من تمسك بالإسلام ، ورفضٍ لكل ما يناقضه ، جعل جماعة ( التخريب والإفساد ) الفكرية بكافة تصنيفاتها تتحرك فوق صفيحٍ ساخنٍ لا تقرُّ أقدامهم فيه على أسلوبٍ ومنهج واضح ، فحرارة الغيرة الظاهرة على الإسلام في هذا المجتمع تجعلك لا ترى شيئاً يتقلب ويتغير وينقلب رأساً على عقب وبطناً على ظهر كمثل أطروحات أولئك المفسدين.

لقد ركب القوم في سبيل تمرير أفكار الضرار كل مركب ، وساروا مع كل طريق ، وسايروا كل سائر ، وجمعوا بين السهل والجبل ، والشرق والغرب ، واليمين والشمال ، فعلوا ذلك – بذكاء وغباء - ليفعلوا فعلتهم في هذا المجتمع.

لقد تعلم القوم جيدا أن المسلم قد يستهين بالمحرمات ، ويتساهل بالواجبات ، لكن هذا التساهل والتجاوز لا يمكن أن يؤدي به إلى رفضٍ لدينه ، أو قبولٍ لرؤى وأفكار تصادم هويته ، فالشهوة لا تنقلب لشبهة ، والهوى لا يضرب الهوية ، فالمسلم قد يشرب الخمر ، لكنه لا يقول عنه بأنه حلال ، والمرأة قد تتساهل في نزع الحجاب ، لكنها لا تراه حرية وتطورا ، فأعمل المفسدون الحيل ، وركبوا الذرائع ، وفكروا وقدروا فكانت تلك الذرائع والحيل الكثيرة التي في ظاهرها تمسك بالشرع ، وفي باطنها سلخ لقيم الدين ، ومسخ لأحكامه.

كنت – ولا زلت – أتابع باهتمام أطروحات القوم في جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة ، فأعجب من اتفاقهم في الهدف ، مع افتراقهم في الفكر ، وأعجب أكثر حين أجد اتفاقهم على الحيل والذرائع التي يسلكونها في سبيل الوصول لمآربهم ، أفتواصوا به !
 



الذريعة الأولى :

أن الخلاف في فهم النص لا في ذات النص، وأن الحقيقة نسبية لا يصح لأحد أن يحتكرها ، وأن الخلاف إنما هو مع الاجتهاد الفقهي لا مع الفقه ، ومع الرؤية المتطرفة لا مع حقيقة الدين .

وهذه أم خبائث هذه الذرائع ، فهم يتوهمون أنهم يخالفون فهماً خاطئاً للنص ولا يخالفون ذات النص.
 

ويتجلى أمر هذه الذريعة في نقاط محددة :

1- أنك تجد هذه الرؤية - التي لا يرونها تعارض النص - مقررة في نفوسهم من قديم ، وكانوا في وقت من الأوقات يطرحونها على أنها الخيار الصحيح ولو عارضت الدين ، فالدين ليس حكما في شؤون الحياة ، فلما تشربت عقولهم وقلوبهم هذا المبدأ المصادم جاؤوا بعد هذا ليقولوا للناس نحن لا نعارض الدين بل نعارض فهما متشددا للدين!؟

2- أن وجود الاختلاف في الفهم لا يعني تسويغ هذا الفهم ، فمجرد وجود فهم آخر لا يعني أنه فهم مقبول ، فضلاً عن أن يكون صحيحا .

3- وعلى درج هذه الذريعة : فكل المسائل والأحكام ، بل والعقائد والأصول الشرعية قد وقع فيها اختلاف في تفسيرها؛ بدءاً من الشهادتين وأركان الإسلام وجميع العقائد بلا استثناء ، فهل يقول القوم بأن الخلاف فيها سائغ لأنه فهم للنص!وهذا إلزام لا محيد لهم عنه ، فسفسطة هذا ( فهمي وفهمك ) ، لا يمكن أن تسلم لهم إلا إذا قبلوا كل فهم مهما كان ، وعليه : فأي شخص يرغب في مخالفة أي أمر من الأمور الشرعية ما عليه سوى أن يقول هذا فهمي، ولا بد أن تحترموا تفسيري للنص ، وأذكر أني قلت لأحدهم قديماً : أعطني أي شيء تراه أنت أنه من الإسلام؟ ، وكنت سألزمه بوجود فهم آخر له ، وقد فطن لما أريد فكان جوابه : أن الإسلام هو بحسب ما يراه كل شخص في نفسه !!

فأي شيء تراه وتظنه الإسلام فهو هو الإسلام ، وما عليه المرابي – مثلا - إلا أن يتصور أن الربا جائز في الإسلام ليكون فعله مباحاً وصحيحاً..!!

4- بل ويلزمهم أن لا يقروا بالصحة والحقيقة لدين الإسلام ، بل يكون الإسلام تفسيراً واحداً للدين ، لا يمكن لأهله أن يقطعوا بصجته ، إذ الحقيقة ليس ملكاً لهم ، وهذه النظرة السفسطائية وإن كانوا يختلفون في الأخذ بلوازمها إلا أنها أوجدت شكاً وضفعاً لديهم في الأخذ بأحكام الدين – من مقلٍ ومستكثر - ، لأن الخوف من احتكار الحقيقة وهمٌ رماهم في متاهاتٍ سحيقة من الظلمات والشكوك .

5- وهذه الذريعة تصح وتكون صحيحة ومقبولة لو كانت في المسائل الاجتهادية التي لا نص ظاهر فيها ، حيث لا يمكن القطع بصحة فهمٍ على آخر ، وأما أن يؤتى بهذه السفسطة في مسألة أجمع عليها العلماء ، أو جاء النص ظاهراً وجلياً فيها ، فلا معنى له سوى عدم إرادة الامتثال.

6- ثم إن هذه الطريقة في التعامل مع النصوص لا نجدها تشهر إلا في وجه النصوص الشرعية ، فلا نجد أحدا مثلا يبتدع رأياً جديداً في الديمقراطية مثلاً ويقول هذا فهمي لها ، ولا يجوز أن تحتكروا الحقيقة ، فلكل فهمه! ، وقل مثل هذا في الأنظمة الإدارية والسياسية لا نجد أحدا يقرر مثل هذه السفسطة ، بل لو قالها شخص لضرب به مثلا في الغباء والبلاهة ، حاشا النصوص والأحكام الشرعية ، فهي حمى مستباح ، فكل من يملك قلماً ويكتب شيئاً فواجبنا أن نتقبله ونحترمه ، ونجل فكره وفهمه !
 



الذريعة الثانية :

أن الخلاف ليس مع أحكام الشريعة ، بل هي أحكام صحيحة ومقبولة ، وإنما الخلاف مع من يستغلها لمنهج سياسي ، أو أيدلوجية فكرية ، أو تطرف ديني، وهو خلاف مع الصحوة في الدرجة الأولى والأخيرة.

ونطهر هذه الحيلة بمجموعة من المطهرات :

1- أن هذا تجاوز عن بحث المسائل الشرعية إلى الدخول في المقاصد والنيات، بحيث أصبح كل حكم شرعي يُدعى إليه يرمى به لأن صاحبه يقصد ويقصد ، حتى الأحكام الشرعية التي لا يمكن أن يفهم منها مقصد سياسي أو فكري كالأمر بإعفاء اللحى مثلا ، أو تحريم سماع الغناء يأتي المفسدون فيرمونها لأن لها أهدافاً أيدلوجية!

2- ثم إن كانت هذه المفاهيم صحيحة ولا ينازعون فيها ، فلم لا نرى ذكرها ولو تلميحا في كتاباتهم وأطروحاتهم؟

3- وإن كان الحكم صحيحاً كما تقولون فما المانع من الدعوة إليه وترسيخه في الأفهام؟

فكيف يكون الحكم صحيحاً ، فإذا سُعي إلى ترسيخه في الناس أصبح أمراً أيدلوجياً تجب محاربته؟
أم أن الدين شيء باطن لا يظهره إلا مؤدلج..!!
وخذوا هذا المثال ، وبالمثال كما يقال يتضح المقال

يقول احدهم قبل أيام في احد وسائل الإعلام : أن لا مشكلة لديه مع مفهوم ( الكافر هو الشقي ) ، وأن هذا مفهوم صحيح لكن الإشكالية هي في اختطاف هذا المفهوم واستغلاله في مناهج التعليم

طيب ..

إن كان المفهوم كما تقول صحيح ، فلم لا نرى له وجود في جميع مقالاتك وكتاباتك المتناثرة التي جاوزت المئات..!؟
وإن كان مفهوما صحيحا فما الذي يغيظك من الدعوة الى هذا المفهوم الصحيح ، وترسيخه في الناس ؟؟
وما المانع من إدخال هذا المفهوم الصحيح في مناهج التعليم ؟؟
وما العيب في استغلال المناسبات لأجل ترسيخ المفاهيم الصحيحة؟؟

وهل سيشمئز الدكتور حين يجد في المناهج عبارات تربي على الحب والتسامح وتقبل الخلاف ، أم أنه سيقول أن المفهوم صحيح ولكن العبارة في موقع غير مناسب..؟

وهل سيقبل الدكتور لو جاءه شخص فأنكر وجود عبارات تدعو للتسامح في المناهج ، وأنكر كل دعوة إلى التسامح والتعدد بحجة أنها عبارات مؤدلجة وغير نزيهة !

4- ثم ما ماهية المنهج السياسي والفكري والأيدلوجي الذي يتهم به من يدعو الى تطبيق الاحكام الشرعية ..؟؟
هل المراد به مثلا الخروج على المجتمع وسفك دماء أبنائه ؟
وهل يفهم هذا من الدعوة للأحكام الشرعية إلا من في قلب مرض من الشريعة ؟
أم المراد به تطبيق هذه الأحكام في جميع جوانب الحياة السياسية والاجتماعية ؟

أم ماذا ؟

في ظني أن القوم سيستمرون في استجرار هذه الاسطوانة من غير أن يوضحوا مرادهم منها ، لأنه لا يظهر مراد يستقيم لهم إلا أنه رفض للحكم الشرعي واشمئزاز منه ، بحيث يظهر لنا احترامه وحبه الباطني للحكم ، ويحاربه ويستميت في مواجهته علنا وظاهرا.

5- ثم إن الواقع أن الخلاف مع الليبراليين وبقية المفسدين ليس في مسائل إجرائية ،أو مصلحية بينهم وبين الصحوة ، بل واقع الأمر أن الخلاف في منهجية التعامل مع النص ، وفي قبول الرؤى المصادمة للنص ، وفي مسائل حاسمة لا يختلف أحد أنها من صميم الشرع ، فمحاولة خداع الناس ، ودس رؤوسهم في التراب وإيهامهم أنه صراع مع أشخاص لا مع دين ، هو أسلوب ماكر لكنه مكشوف ، يصل إلى حد الطرافة عند بعضهم حين يرى المعركة مع الحركيين المسيسين للدين وليس مع العلماء والمشايخ الفضلاء ، مع أنه يعلم علم اليقين أن هؤلاء المشايخ الذين يريد أن يتمسح بهم هم أول من ينكر أطروحاتهم وتشغيباتهم.
 



الذريعة الثالثة :
التمسك بالمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية .


وهي ذريعة جديدة لم يتفطن لها القوم في مجتمعنا إلا من قريب ، وهو لا يعدو استغلال وامتطاء للتمرير والتبرير ، ولعلنا نقرب المجهر قليلا على طريقة القوم في التعامل مع المقاصد الشرعية لتظهر الصورة الحقيقية لهذا الاستغلال المكشوف :

1- إن المقاصد يراد بها الأصول والكليات العامة ، والتي من أجلها شرعت الفروع والجزئيات ،

وعليه : فلا قيمة للمقاصد إلا من خلال معرفة الفروع والجزئيات ، ومن يريد الأخذ بالمقاصد من غير أخذ للفروع والجزئيات فهو كمن يريد أن يعيش في بناء من غير أساساته وقواعده !

2- ثم إن كثيرا من المقاصد العامة مما يتفق عليها جميع الناس – مسلمهم وكافرهم – فالعدل والرحمة والمساواة والتيسير هي أمور لا يختلف عليها أحد ، ومن يريد أن يأخذ بالمقاصد الشرعية من غير التفات لفروعها المقررة لها هو في الحقيقة لم يأخذ من الإسلام بشيء ، لأجل ذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عميقاً حين قال : من استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلا من غير التزام بالشرع فهو كافر،

وعليه : فمن يظن أن الإسلام جاء في باب من الأبواب بأصول عامة كالعدل وترك للناس أن يضعوا لها التفاصيل كما يريدون؛ فهو مغرقٌ في الوهم من حيث لا يشعر ، لأن الإسلام لو جاء كما يقول بمثل هذا فهو في الحقيقة لم يأت بشيء ، ولكان حكم الإسلام – وحاشاه - فضلة وتأكيدا يمكن الاستغناء عنه بغيره .

وعلى طريقة أولئك المتلاعبين يمكن نقض كل الأحكام الشرعية بلا استثناء من خلال التمسك بالمقاصد الشرعية ، بل حتى التوحيد الذي من أجله بعثت الرسل وأنزلت الكتب ، يمكن أن نجعله أمرا مباحا من خلال المقاصد الشرعية .

وإلا فما الذي يمنع قائلاً أن يقول : الزنا حلال لأن فيه تيسير ومن مقاصد الشريعة التيسير..!
والمرأة كالرجل في الإرث لأن من مقاصد الشريعة العدل والمساواة!
والكافر إذا مات على كفره فهو من أهل الجنة لأن من مقاصد الشريعة الرحمة !
والخلاف في المقاصد لا حد ولا حصر له ، فهي مصطلحات مطاطة يقدر المفسدون أن يضعوا في عباءتها ما يشاءون من كافة الانحرافات والتوجهات.

3- والغرابة تكمن أن التمسك بروح الإسلام ، ومقاصده لنسف فروعه وجزئياته ، هذه الطريقة العرجاء لا توجد إلا مع النصوص الشرعية ، ولو أن أحداً من الناس طبق هذه الطريقة على نظام إداري مثلا لضُرب على أم دماغه ، فروح النظام ليس ذريعة لإلغاء تفاصيل النظام ، وإلا لغدت البلاد فوضى .

أقف عند هذه الذرائع الثلاث ، لأن أقل الجمع ثلاثة ، وإلا فالذرائع والحيل يطول حصرها وتتبعها ، غير أن جماعها وصولٌ إلى رؤى منحرفة ، وأفكار مشبوهة من خلال التمسح بالدين ، وإظهار التمسك به ، فتتعدد الأسباب والفساد واحد.

والله المسئول أن يحمي مجتمعنا من شرهم وشررهم.

المارقال
14 / 4 /1427هـ

 

منوعات الفوائد