اطبع هذه الصفحة


هل درسك الشيخ عبدالله الشهراني،،،؟!

د.حمزة بن فايع الفتحي


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


شخصيات قليلة في الحياة، تتأثر بها، او تأسف على فقدانها،،! منها هذا الشيخ المتفتق همةً وكفاحا، شيخنا عبدالله الشهراني، المربي الفذ،،!
خبر اسيف،،،،، اورثنا غماً وبلاءً، وشعرنا باليتم والضياع،،،،
فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدٍ ... وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا !!
وقع علينا خبرُه كالصاعقة ، فبدأت أشيد ببعض مواقفه، فسألني احد الفضلاء : هل درسك الشيخ؟!!
فقلت: نظاميا، لا،،، !
لكنه من طبقة أساتذتنا الكبار، ودرسنا أشياء كثيرة، وتعلمنا منه فوائد جمة، وزاملناه في قسم السنة، بكلية اصول الدين لاكثر من عشر سنين، نهلنا منها عجائب، وتعرفت انا بالخصوص على دقائق شخصيته، وقد كنت من ملاصقيه،،،،! واحتفى بي كثيرا حينما تعينت معيدا عام ١٤١٤هه،،،، وحرص على توجيهنا علميا وفكريا ودعويا مع مشايخ كثيرين، لا يمكن لي نسيانهم او تجاهلهم ،،،! ولكن كون الحدث متعلقا بشيخنا الفذ، اقيد هنا ما بدا لي من (سمات وخصائص) ، تميز بها هذا الداعية المجاهد، وإن كان الاولى بذلك أقرانه الاوائل، ومثلي يستحي أن يؤرخ لجهود الشيخ وشمائله،، على حد قول القائل :

وابنُ اللبون اذا ما لُزّ في قرَنٍ// لم يستطع صولةَ البُزل القناعيسِ!!

ولكن هي مشاركة،،،

١- جريان الدعوة منه مجرى الدم:
فهي سلوته وروحه، وغذاؤه ، ونظره وتخطيطه، ورحلته وهمه،،! وهو شئ يشهد به الجميع،بما في ذلك مخالفوه،،! حتى انك لتعجب ، كيف يدير شئون بيته، وطلبات اهله، ومشاغله اليومية،،،!!
الدعوة ونفع الناس، قضيته الجوهرية، وراس مال حياته ،،،،
والله لو قطعوا رأسي لاهجرها// لطار نحو حماها في الهوى وأسي !!
وهي ثروته التي يجمع لها، وينصب من اجلها.

٢- تعظيمه للعلم :
فلم يكن داعية مدروشا، او جمّاعا إنشائيا، او متكلفا للمَهمة،،! بل كان يدعو على علم، وسلاحه البصيرة، ممتثلا قوله تعالى(( قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعن))سورة يوسف. يجمع الكتب، واسع الاطلاع ، لديه مكتبة هائلة، متين التحضير، ومع كثرة مواعيده الدعوية، يحضر لها ويجمعها أحسن الجمع وأبهاه ، حازم يأخذ شأنه بقوة، ونتنافس مع آخرين في شراء كتب السنة والفكر، ويبشرني بالجديد، ويوصي بكذا، وبحذر من كذا، متابع لحركة المعارض والطباعة.

٣- غيرته على الحرمات :
يغضب للحق ،ويكره الباطل، ويستنفر الهمم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يخشى التبعات، ولا يبالي بالمعوقات والتهديدات، كأنه من اولي الخير والبقية،... نصَحة الناس، ونُذر الجماهير، والمشفقين على التباب والفساد،،،،!(( فلولا كان من القرون من قبلكم اولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض )). سورة هود. وشجاع غير هياب ولا متضعضع،،،
يقول ويفعل، ويبادر ويقتحم،، ويحتمل في ذلك هموما وشدائد،،،مقدما لها كل ما يملك،،،!
ثمنُ المجد دم جدنا بهِ// فاسألوا كيف دفعنا الثمنا!!

٤- الإخلاص لفكرته :
فهمومه الدعوية والعلمية، يحملها الى اخر رمق، ويبثها بإخلاص، وينشرها بقناعة، ويستميت في تقرير حسنها وشرفها، حتى يذعن اكثر الحاضرين، ويقرر بالحجة والبرهان.

٤- سَعة العقل:
وهي نعمة يؤتيها الله لبعض الناس، وقد سئل ابن المبارك رحمه الله : ما خير ما أعطي الانسان ؟! فقال: غريزة عقل،،! فقد كان عاقلا، فسيح التفكير، دائم التنظير، واسع التحليل والدراسة.

٥-علو الهمة :
اكمل دراسته العليا بعد سنوات من التدريس في المعهد العلمي بابها ، خلاف من يدرّس فيكسل، او يتوظف فيزهد،!! بل عاد الى مقاعد الدراسة مع من هم في أسنان طلابه، وتفوق عليهم، حتى تقلد الماجستير والدكتوراه ، رغم المشاغل الدعوية، ويمارس رسالته الدعوية بكل همة واستعلاء، لا يحب الدون، ولا يرضى بالقليل،،،! مما يدل على جودة عنصره، وسمو قضيته،،،
اذا ما علا المرء رام العلا// ويقنع بالدون من كان دونا!

٦- جلَده وجهاده :
يعلمك الجد والجلد، والصبر والنصب، حتى لتظن تلذذه بذلك، وارتياحه، سبب في استدامته، فبرغم كثرة من حوله، يجري ويسال، ويبحث وينقب، غير كال ولا مستنكف .

٧- قيادي محاور :
يملك جلّ مقومات القيادة، ويحسم بطريقة سريعة، ويحسن الرعاية والتوجيه،، ووجوده، ينشّط ويحفز ويدعم ،،
ويحاور بطريقة راقية ومرنة، ولا يتبرم من الخلاف، او يتنكر لك، بل يصبر ويثيب، و يساند،،، !! كنت من لجنة تنظيمية في قسم السنة، دعمها ونشطها، حتى تكون نواة لحركة بحثية تتابع المستجدات في علوم الحديث، يسبقها لهو خفيف بأغلب الأساتذة ، ولم يثبت فيها الا القليل المباركون لمثل ذلك التوجه.

٨- صناعة المدعو:
من قلائل معدودين، يدركون ان القضية الدعوية غرس ورعاية ونماء وحراسة، ولذلك يتعاهد طلابه ومحبيه، ويرتب اذا لم يرتبوا، وينسق اذا تكاسلوا، يفرض نفسه على من يود، ويدرك ابتهاجهم بذلك، ويزيد على ذلك باختراقه للاماكن المحتاجة دعويا، وذكر أمامي منطقة بحاجة للتبصير، وهي قريبة منا،،، اين دورك عنها؟!!
فقلت يا شيخ: امشي هنا على مذهب ابي قلابة ومسروق رحمهما الله( لا تُعر بزك من لا يريده )،،،!!
فقال: والله لاخترقنها باي وسيلة، ما دامت الحاجة قائمة،،!
ولذلك، له اذرع ووسائل قد بُنيت من القدم، تنفعه في التذليل والترتيب، دافعها حب الدعوة، وتربية الاجيال.

٩- الجلوس في المؤخرة:
هو كالجوكر تأثيرا، يرتب ويخطط ويدأب ويفعل الأعاجيب ،،،! ثم تفاجأ، وقد صدّر غيره، او ابرز طلابه، رغم حسن كلامه، وجودة إلقائه،،،! ولكنه يحب صورة جندي مجهول، او عابد خفي، او مصلح متعفف،،،! لا يهوى الاشتهار، او يبتغي البروز،،،،! يمنح طلابه الثقة، ويفتح لهم الآفاق ، حتى يعدهم للنوازل والأمور الشداد. وفي الحديث الصحيح (( ان الله يحب المؤمن التقي الغني الخفي )). رواه مسلم.
بسيط في تعامله وتحركاته، قليل ارتداء المشلح، وقد عاتبه بعضهم في ذلك شعرا،،، وان كثيرين لبسوه، والمقصد الدعوة وليس المفاخرة الشخصية، ولكنه يتحجج بالحديث الصحيح (( البَذاذة من الايمان )) اي رثة الهيئة وقلة الاهتمام بالمظهر ،،!
وزارنا في محايل عدة مرات ولم يغير من عاداته، ولبساطته دخلت عليه مرارا بيته، بموعد وسواه،،،! وسعة خلقه كسرت ما بيننا من فارق عمري وعلمي،،،،! وهو كذلك يبادلني نفس الشعور، ويتردد على في عزبتي في ابها -اذا تأخرت في شقة مفروشة- للحديث في المضمار الدعوي وقضايا القسم، وليشاهد الاخبار المتسارعة عالميا، او بعض الحلقات الفكرية الهامة، ونتسامر الفكر والشعر والطعيم،،،!
فلله ايام تقضت حميدةً// بقربك واللذات في المنزل الرحبِ..!!

١٠- الجهد الشبابي:
وهذا من ابرز ما اهتم به في مسيرته الدعوية، يعيش معهم اكثر من غيرهم، ويؤثرهم على اهله ومصالحه،،! بدءا من المراكز الصيفية، ومرورا بالمعهد والرحلات، وانتهاء بإدارة الانشطة ومكتب الدعوة وسفرات الحج،،،! لا يدع ثغرة توصله لعالم الشباب، ولذلك ربّى وخرج وصنع رجالات ، منهم أساتذة وقضاة وإداريين ومؤثرين في اماكن شتى،،!
وقد صحبته كثيرا في جولاته الشبابية، ولحظت فيها:
- حسن التحضير
- اشفاقه عليهم
- روحه الشبابية
- حله لمشاكلهم
- ملامسة واقعهم،،،لعلمه ما لهذه المرحلة العمرية من اثر حينما تصلح وتهتدي،،،! وقد تعلمت منه ذلك،،،، تلميذ منقبض، امام شيخ اجتماعي فسيح،، كان لها حسن الأثر علي بعد ذلك .

١١- النهم المعرفي:
وهذا احب ان أفرده لوحده، لانه عجيب هنا، مطالع بدرجة فائقة، مغرم بالكتب، يحملها في كل مكان، ويسابقنا في اقتناء الجديد، وكلما اقابله في الكلية الحظ معه كتابا جديدا، تخصصيا او فكريا، يخبئه بين أوراقه وتدريسه، ويدخل به قاعة الامتحانات، وعلى مكتبه كتاب جديد، واذا تحدث منحك فوائد جديدة،،،!! وحركته الدءوب لم تحل دون قراءته وبحثه واطلاعه، وهو رأس في هذا الباب، ومع اعتنائي بذلك ، الا انه شجعني كثيرا، وحمدت الله ان لا يزال في (أساتذتنا الدعوين) من يعظم العلم، ولا يزال يجمعه ويثريه،،،! لان كثيرين تحججوا بالجهد الدعوي، والتبعة الإصلاحية، فاكتفوا (بمخزونهم القديم)، ولم يطوروا انفسهم، او يجددوا طروحاتهم،،،! ولكن أبا محمد بخلاف هؤلاء كلهم، يتوقد جداً وبذلا وتواصلا،،!

١٢- ثباته العزيز:
تطور كثيرون، وتغير فضلاء، بزعم تغير الموحلة، ودخول الدعوة مرحلة جديدة، ولكن شيخنا الكريم بقي ثابتا تقليديا لم تغره المظاهر ولا طراوة النمارق،، يعتني بالسنة، و(سلامة مصادر التلقي)، ويأخذ الفكر بحذر، رغم عنايته به،،،! معظما لعلوم السلف وآثارهم، موصيا بهم كثيرا،،،! وكنت اراجعه في بعضها فيتسع صدره للنقاش، ويتفهم دوافعي، ولا يقع في المتغيرين او المتطورين،، لكن يرى انهم اخطأوا الاجتهاد، ويؤجرون على اجتهادهم،،! احبنا واحببناه، وتناقشنا واختلفنا، فلم أر الا جبلا أشم، وعقلا أتم، واختلفنا ليلة في (ضلع) وفي جلسة قسم السنة، وخالفته بكل وضوح، فتفهم وتواضع، ثم بت عنده ليلتي تلك، وبعد الفجر استشرته في اول كتاب ألفته ( طلائع السلوان ) وقرأت عليه المقدمة ومبحثا مضنونا، فشكرني واستحسن الطرح، وحينما طبع الكتاب، طلب نسخته بكل حب وتواضع،،،! ويدرك محبتي للشعر وقرظي له فيطلبه كثيرا، فكان لا بد وقد ودعناه أن أهديه أبياتا متواضعات، علها تكون من الذكر الحسن، والصيت الجميل ، ومن يعرف العبد الفقير، يدرك انني قليل المجاملة، ان لم اكن عديمها، ولذلك صورت ما رأيت، لا ما سمعت وفي المسند قال صلى الله عليه وسلم: (( ليس الخبر كالمعاينة )) رحم الله شيخنا الكريم ، وأجزل مثوبته،،،، ولا تزال في حياته صفحات اخرى ، تحتاج الى تبيان ،، ولكن لئلا اطيل هنا اكتفي بالمرصود هنا،،، والسلام،،،.


محبكم / حمزة بن فايع الفتحي
جامعة الملك خالد
١٤٣٤/١٢/٢٩
 

منوعات الفوائد