اطبع هذه الصفحة


 ~ الحماريات ~

محمد الشامي


بسم الله الرحمن الرحيم


من طريف طرائق المتقدمين في التعليم تلقيب المسائل العلمية؛ ليسهل حفظها، ولتتميز عن غيرها ..

وهي ألقاب متنوعة قد تكون باسم عالم هو من أبدع تلك المسألة، كالمسألة السريجية في الفقه نسبة لأبي العباس ابن سريج الشافعي، وهي قول القائل: ( كلما طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا) فهل يقع الطلاق أم لا؟!

ومسألة الكعبي في أصول الفقه والتي أبدعها أبو القاسم الكعبي حيث زعم ألا مباح في الشريعة؛ لأن المباح يترك به الحرام، وإذا كان كذلك فهو واجب؛ لأن ترك الحرام واجب.

وقد يكون لقب المسألة طريفا نوعا ما، كمسألة ( تغد معي)!! وقد أوردوها في الأيمان، وذكرها ابن نجيم في الأشباه، وهي أنه : هل يكتفى في اليمين بمطلق اللفظ أو يلتفت للسياق والقرينة، وأصلها قول القائل: ( تغد معي .. وإن لم تتغد معي فامرأتي طالق).

وقد تلقب المسألة باسم حيوان كالمسألة الزنبورية في النحو ، وهي المناظرة الشهيرة التي دارت بين الكسائي وسيبويه حول قول القائل: (قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها) .

ومن الحيوانات التي ناله شرف التلقيب : (الحمار).

والعجيب أن الحمار قد فضل على غيره بعدة مسائل في عدة علوم، ومما وقفت عليه على عجالة:
1. في الفرائض المسألة الشهيرة بالحمارية، وتلقب بالحجرية: وأصلها أن امرأة توفيت عن زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء، فقضى عمر رضي الله عنه بحجب الإخوة الأشقاء، لأنهم يرثون الباقي وليس في المسألة ما يبقى، ثم عرضت عليه مرة أخرى فأراد أن يحكم فيها بحكمه الأول، فاعترض الإخوة الأشقاء قائلين: (هب أن أبانا كان حمارا، فأشركنا في قرابة الأم) !!

2. وفي علم المنطق تعرف المغالطة الحمارية: وهي مغالطة منطقية أصلها أن شيخا منطقيا أراد الوضوء للصلاة، فزاحمه بعض التلاميذ بقصد الإيذاء عند المواضئ فقال له: ما يلزم وجوده وعدمه حماريتك أموجود أم معدوم؟ فألجم الطالب؛ لأنه لو أجاب بأي الجوابين للزم حماريته، ولهذه المغالطة جواب فاطلبه في علم المنطق.

3. وفي الفرق والمذاهب يأتي الحمار من جديد وتلقب فرقة من فرق المعتزلة بالحمارية ، وهي فرقة لم تنسب لأحد، ولها أقوال مختلطة، كالقول بتناسخ الأرواح وأن الإنسان قد يخلق بعض الحيوانات كالديدان من اللحم إذا وضعه في الشمس.

4. وفي الحديث : حديث (الحمار) فقد زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر كلم حمارا فقال له: (ما اسمك؟) فقال الحمار: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حماراً كلهم لم يركبهم إلا نبي ، لم يبق من نسل جدي غيري ، ولا من الأنبياء غيرك ، وكنت أتوقع أن تركبني ، قد كنت قبلك لرجل يهودي ، وكنت أعثر به عمداَ ، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سميتك يعفور ، يا يعفور ! قال : لبيك ، قال تشتهي الإناث قال : لا .

وهذا حديث كذب موضوع، قال عنه ابن الجوزي: (لعن الله واضعه فإنه لم يقصد إلا القدح في الإسلام والاستهزاء به) . وقد يسمى بحديث: الحمار يعفور!!

ختاما: هنيئا للحمار هذا الشرف !!

 

منوعات الفوائد