اطبع هذه الصفحة


قراءة ونقد لرواية: "الرهينة"

وليد بن عبده الوصابي


بسم الله الرحمن الرحيم


دهشت عند قراءة رواية (الرهينة) وهالني ماوجدت فيها من سخف وإسفاف، وبعدٍ عن الحشمة والعفاف.
وفزعت جداً مارأيت فيها من اللغة المبتذلة، والسقوط القذر في الحب الحرام، والجنس المشاع!
ويُزعم أنها تحكي حياة ذلك الوقت، أو تصوّر ذلك الزمان؟!
وهذا محض افتراء وكذب؛ لأنه جسد لنا ذلك الزمن، أنه زمن مغامرات غرامية، ولقاءات جنسية، وفحيح وسجيح!
فتراه بفجاجة وصفاقة؛ يروي لنا أن ذاك الطبشي صنع بتلك البغلة ماصنع، وأن النائب أمر بخياطة فروج الدواب!!
ثم عقّب: لو أنهم خاطوا فروج النساء!
إشارة إلى ممارسة الرذيلة من النساء في تلك القصور، ويدل كلامه على الكثرة الكاثرة! وهذا هُجر من القول وبورا.
ولا ينكر او ينفى وجود الفحش، ولكن من أفراد في كل زمان ومكان، فمن الظلم والحيف أن تنزّل حالات فردية على أمة من الأمم!
ولا يستحي دمّاج من نفسه؛ إذ يذكر أن ذاك الشاعر صنع به وصنع، وأنه أوصل يده إلى لا أدري أين؟!
فيالله، ماهذا الانحدار الوسخ، والانحطاط في الأخلاق، والتردي في الرذيلة!
والعجيب، أنه صور لنا نساء القصر، وهن يتهافتن عليه أو على الشباب بذلك الأسلوب المضحك الساخر!
ومعلوم أن نساء تلك الطبقة، أبعد مايكنّ عن تفشي أسرارهن إن كن يعملن تلك الأعمال المهينة.
فما بالهن يسعين خلف صبي مراهق أو لم يبلغ الحلم بعد، لا يعرف السر فضلاٌ عن حفظه وصونه!
زد أنهن يعلمن أن آباء الرهائن من ألد أعداء الإمام وحاشيته، فالفضيحة منه متوقعة بل مستلزمة.
فكيف يغامرن بحياتهن، ويراهنّ على سمعتهن، وسمعة أهلهن وقبيلتهن؟!
ويخبرنا كيف كان لبس النساء، وأنه شفاف أبيض يشف عما بداخله من بياض، حينما حكى ذلك عن الشريفة حفصة أخت النائب!
إنها كذبة صلعاء لا تنفق على العقلاء الذين يخبُرون ذلك الزمان، هذا أمر.
والأمر الآخر: كيف يليق بأخت النائب أن تظهر بهذا المظهر المخزي أمام رهائن أذلاء في نظرها حقراء؟!
إن البغِي، قد تخجل من هذا الفعل لأول وهلة، كيف بعفيفة شريفة؟! اللهم غفراً.
ولم يكتف حتى فضح كذبه، وكشف سوأته حينما أشار أن النائب علم بعلاقة مشبوهة مع أخته الشريفة حفصة!
ولم يزد أن قطع حديثه، ليسأله عما دار بينه وبين الغلام!!
إن هذا لا يفعله الديوث، فضلاً عن نائب له مكانته في المجتمع خصوصاً أن الأمر قد ذاع وشاع، وماقصة نبي الله يوسف عنا ببعيد؛ إذ تهمة ماكرة من زوجة العزيز جعلته يقضي أعواماً مديدة في السجن!
فياهذا، كفّ عنا جشاءك، فقد آذيت وآنيت.
وحدثنا أن القصور في ذلك الآن فيها الخمور والمجون والعهر! وهذا إن سلمنا به، فلا نسلّم أن يكون هذا مشاعاً لدى الجميع حتى لدى الدويدار المهين!!
ثم لماذا حكاية هذه الأخبار السافلة، والقصص الرخيصة، والأدب المكشوف؟
ألم يكن في سواه من وصف الأرض والحرث والزرع، والمعيشة والعادات مايكفي ويفيد؟
ويكون قد أحسن في ذلك بتاريخه لحقبة مهمة من تاريخنا، وإن شاركه غيره، إلا أن كلاً يدلي بدلوه.
ولكن:
(إن الذباب يراعي موضع العلل)!
وأي جراءة يملك هذا الصبي الوقح، حتى يحذّر سيدته من مغبة ذلك الحب الوحيد الفريد الوخيم، مع الشاعر الوسيم؟!
كيف أمن مغبة العواقب منها ومن شاعر الإمام؟
ومن المعلوم في التاريخ، أن هذه الأمور لا يقبل فيها المزاح أو الهوادة، بل يُضحّى فيها بأقرب قريب؛ ليسلم للحبيب حبيبه! فكيف سلم صاحبنا اللاعب، بل لم يكتفِ ببجاحته حتى ذكر أنها راجعته، وهي من طلبت المصالحة بينهما؟!
ياللهراء!!
وهو لم يستحِ ولم يخفِ الله، حينما أشار إلى جريمتين كبيرتين، وتهمتين عظيمتين:
إحداهما: أن ولي العهد أحمد، له ابن غير شرعي من امرأة كان يعاشرها!!
وكلنا يعلم أنه كان عالماً ورعاً عن هذه الدناءات، ولم نعلم عنه هذا العهر، بل كان مهتماً بشؤون المملكة ومايحاك حولها.
أفيفعل مايكون سبباً لسقوط العرش؟
والثانية: أن ولي العهد يحب المردان، وربما ماهو أبعد من ذلك! إذ أنه يفضل الغلام على زوجاته! وأنه يخلو به في غرفة خاصة بعيداً حتى عن زوجاته الجميلات!
فماذا بعد؟!
ولم يكتفِ الغاوي حتى قضى عربدته الغرامية في المقبرة حيث أشباح الموتى!
وهذا فعل ينأى عنه الفسقة العتاة، فكيف بصبيٍ يناهز الاحتلام؟!
إنها كذبات شنيعة، ونزوات كلامية تسيئ لذلك الزمن بمافيه ومن فيه، وفيه من إغراء الشباب والشابات مافيه!
وهذا أكثر مايطمح إليه بعض الكاتبين الفارغين "الذين مردوا على النفاق"!
فحذار أخي وأختي من الانسياق وراء كل مقروء أو مسموع أو مشاهد، بل ليكن لدينا الحس النقدي لما يخالف ديننا وقرآننا وقيمنا وأخلاقنا، مهما كان وممن كان.
وإلا سقطنا في هوة سحيقة، وحفرة عميقة، لا مُنجي لنا منها إلا أن يشاء الله (والسلامة لا يعدلها شيء) سلمني الله وإياكم.
وماذكره هذا المراهق؛ عار عن الصحة؛ لما قدمت من أسباب، ولأن الوقت كان محافظاً لدرجة كبيرة -ولا زال الكثير- والحمد لله- ولم تكن المدنية الزائفة قد ضربت أطنابها، خصوصاً في يمننا الحبيب.
ودمّاج هذا، لا أدري ماذا أراد بهذا الخطل الشانئ، والكذب المهترئ الذي أساء فيه لأمة عريقة عتيقة، لها تاريخ باذخ في الدين والعروبة والعفة، والكرامة والشهامة؟
لا أدري، أهي الكراهية الشديدة لحكم الأئمة، أم أن ذمته مشتراة من أعداء الإسلام -وماأكثر هؤلاء الرخصاء- لا كثّروا-!
أياً كان، فهو قد أتى "بمنكر من القول وزورا"، وتسقّط في روايته لحد السخف، حتى ارتفع السجف! والله حسيبه وطليبه.
وفي الرواية إشارة لم يتنبه لها الكثير، وهي أنه أوصل رسالة: أن الصلاة والتعلق بالله غير مجدٍ، وليس هو الحل النافع للتخلص من المشاكل والأزمات!
إذ أخبر أنه لجأ إلى الصلاة مبتهلاً لربه أن يخلصه من حبه الواهم للسيدة حفصة!
وذكر أنه لم يشف منها، قائلاً: (تركت الصلاة، فلم تبلغني مأربي)! بل زاد هيمانه، واستعر حبه، ودهش لبه!
وهذا مسقط وخيم، يوحي للنشء أن الصلاة والإقبال على الله سبحانه لا يخلص من الألام النفسية، والنكبات المادية! وهذا محض جحدٍ وافتراء، ولا يحتاج مني لإقامة دليل وبرهان؛ إذ هو معلوم من الدين بالضرورة.
وأختم قائلاً: كثر السقط والإسقاط في كثير من الروايات الخيالية، والقصص الغرامية التي تضيع أوقات الشبيبة فيما لا يعيد على عقولهم بالنفع والمعرفة، بل ربما كان العكس: تبلبل أفكار، وتقمص آراء، وإثارة شهوات، وتمكّن شبهات، وارتكاس وانتكاس كهاته الرواية الصاخبة.
وهذا مما بلينا به من بعض كتّاب لا خلاق لهم، ولا همّ لهم إلا إفساد المجتمع الإسلامي وانحلاله، ولا ينكر وجود هؤلاء الحقراء في أوطاننا العربية والإسلامية، وماالعلمانية والليبرالية والحداثية عنا ببعيد، ولكن لا ولم ولن يعدموا ناقضاً لخيمهم الواهنة، وخداعهم الهش من غيورين عن دين الله "ولينصرن الله من ينصره" ونحن نستعدي عليهم القوي المتين، و "إن ربك لبالمرصاد".
والخلاصة: أنها رواية ساقطة هابطة فيها من الكذب والهراء، والانحدار الأخلاقي ماينبو عنه السمع، ويصم الأذن، وقد تأذيت حين قراءتي لها جداً؛ لإساءاته الفجّة، وتجنياته الوقحة بأسلوب يحسبه البعض منصفاً، والنار تخبو تحت الرماد!
ولم أكن أصدّق أن يصل البعض إلى ذلك الانحدار السافل، والتصوير المقذع لذلك الوقت الذي كان أبعد ماكان عن التسفل الخلقي، والهبوط البهيمي، وإن وجد فمن أفراد.
على كل، اكتئبت شديداً لقراءتي لها هذا اليوم التي أنهيتها فيه، وراجعتها ثانية متصفحاً حتى أنقدها.
وهذا رأيي الذي أدين الله به تجاه هذه الرواية، وإن خالفني غيري، فلا يضيرني؛ إذ الحق مقصدي ودليلي، وماأردت بهذه الأسطر إلا إدراك الخطر المطبق، واستدراك المكر المحدق من بعض الأقلام المسمومة التي لا تسمّ البدن، بل تسمّ العقول فتفسدها، وتتركها خراباً يباباً.
والله المستعان.
"إن أريد إلا الإصلاح مااستطعت وماتوفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب"


كتبه: وليد أبو نعيم،،
١٤٣٨/٢/١١


 

منوعات الفوائد