اطبع هذه الصفحة


ورحل شيخنا عمر

وليد بن عبده الوصابي


بسم الله الرحمن الرحيم

ورحل شيخنا عمر
#وفاة_علم
"إنا لله وإنا إليه راجعون" شيخنا ومجيزنا الفقيه العلامة: عمر بن علي سقيّم في ذمة الله، وإلى رحمة الله بإذن الله.
صلينا عليه في مسجده بعد الفجر، ودفناه بمقبرة غليل بجوار بيته اليوم الأربعاء ١٤٣٨/٣/٢٩
وقد حضر الجنازة جمع من أهل العلم والفضل، وصلى عليه شيخنا المحدث: إبراهيم القريبي.
واحتشد الناس من كل مكان حتى لا تجد لرجلك موضعاً في الأرض، أو ممسكاً بالنعش، والناس مابين داع وباك.
وقد كشفت اللثام عن وجهه، وقبلت جبيناً طالمت قبلته في الحياة، فإذا به أزهر أنور عليه مسحة من نور، وقد كان من الصالحين و (أنتم شهداء الله في أرضه).
وقد درس -رحمه الله- على علماء الحديدة، كالشيخ مكرم والشيخ أحمد مطير وغيرهما من أهل العلم والفضل.
ودرّس مدة حياته في مسجده مسجد الخير، كثيراً من الطلبة الذين تخرجوا به، وتخرجوا عليه -رحمه الله- وكان هاشاً باشاً لطلابه، مرحباً بهم، عاطفاً عليهم، لم نعرف منه السآمة أو الكآبة، أو الملل والرتابة، بل كان يسمع من طلابه من قبل صلاة المغرب إلى بعد العشاء على جلسة واحدة.
وكان يمزج درسه بشيء من الطرف والدعابة، والقصص والفكاهة، حتى يطرد الملل عن الطالب، وتراه يضحك لما يلقي، ويبتسم ابتسامة حانية تشعرك بالرضا، وتدلك على الحب والندى.
وكان الشيخ متمكناً من علم النحو والفرائض والفقه والفتيا، فقد كان مأذوناً شرعياً طيلة حياته، ولم نسمع عنه مايكدر الخاطر، أو يخدش المروءة.. بل كان مثالاً للورع والزهد والرفق بالناس والنزاهة.
وقد عقد لي على زوجتي هو -رحمه الله- بحضور جمع من أهل العلم، وطلبنا منه الإجازة حينها.. فأجازنا مشكوراً، وكان قد كتب لي إجازته قبلاً على غلاف (متممة الآجرومية) بخطه المبارك.
وقد زارته الأمراض كثيراً بأخرة، وابتلي شديداً وهو صابر محتسب، مازرته قط إلا وهو يحمد الله ويشكره على نعمه عليه..
وآخر مرة زرته فيها وهو في غيبوبة لا يدري من حوله.
وقد كان أمس في المشفى، فأخرجوه منه، ولما وصل البيت أفاق من غيبوته، ونظر إلى أبنائه واحداً واحداً، وقال: (الحمد لله)، ورجع إلى ما كان عليه؛ لينتقل من هذه الدار النكداء التي طالما تعذب فيها وافتقر وأذقع.. إلى ربٍ غفور، ومقعد فسيح -بإذن الله- عند مليك مقتدر.
وقد كان عاملاً طول حياته، وفي بداياته كان يسعى متجولاً بائعاً بعض مايحتاجه الناس -رحمه الله- وهو يتحفظ القرآن حتى أتمّه وهو على حالته تلك، وأتقنه جداً.
بل قرأ مرة في الليل وقد أصيب بالسهاد من أول البقرة إلى الكهف!
وقد كان إماماً لمسجده طيلة حياته: إمامة وتدريساً وتعليماً وخطابة، يحتشد المصلون في مسجده لصلاة الجمعة من كل مكان لما يعلموا من تقصيره الخطبة جداً؛ رفقاً بالناس، ومراعاة لحوائجهم، وتطبيقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي لم يطبقها كثير من الناس اليوم! والله المستعان.
فيقصد مسجده من كل مكان، وهو جامع كبير، وقد وسّع في آخر أيامه ولا زال إلى ساعتنا هذه في صدد التوسيع.
وكان يرحب بالمشايخ والعلماء وطلبة العلم في مسجده، فلطالما تكلمت بإذنه، وتكلم غيري، وهو مصغ مستمع لما يقال!
وكانت حياته خالية من الكلفة والتكلف، بل يذهب يقضي حوائجه بنفسه إلى آخر أيامه، ويركب الدراجة النارية، دون حرج من أحد أو غير ذا.. فقد كان مثال العلم في التواضع والخلق، وهضم النفس والصدق، ولم يك من المتكلفين، قال الله عن نبيه "وما أنا من المتكلفين".
وتوفي وهو في عشر الثمانين، وقد قال القائل:
إن الثمانين وقد بلغتها *** أحوجت سمعي إلى ترجمان
ذكرياتي مع الشيخ كثيرة لا يكفي هذا الوقت، ولا تغني هذا الأسطر، ولكنها بلغة لمن لا يعرف الشيخ.
أسأل الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته، وأن يكرم نزله، ويوسع مدخله، ويغسله بالماء والثلج والبرد، إن ربي سميع الدعاء، والحمد لله رب العالمين.


تلميذه: وليد بن عبده الوصابي
٢٤٣٨/٣/٢٩


التاسع عشر من شهر ربيع أول لعام ثمانية وعشرين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
 

منوعات الفوائد