اطبع هذه الصفحة


الحافظات قادمات بقوة

د. أميرة بنت علي الصاعدي

 
تابعت حلقة البيان التالي هذا اليوم الجمعة ( المتطرفات قادمات ........ )
وهذا العنوان ظالم للمرأة ومخالف للواقع ومجحف للمستقبل القادم المنتظر للمرأة المسلمة .
فالمرأة تمثل قوة لا يستهان بها ، وقدرة لا يقلل من شأنها ، وذلك بما أودع الله فيها من مواهب وقدرات ومشاعر
وعواطف جياشة ، بالإضافة إلى عقل واع وحكمة وروية عند المواقف المهمة ، وخاصة إذا امتلأ قلبها بحب الله ورسوله ،
واقتنع عقلها بأهمية الدور الملقى على عاتقها ، فالمرأة تحب بقوة ، وتعطي بسخاء ، وتبذل كل طاقتها وقدراتها في سبيل ما تؤمن به وتسعى لتحقيقه .
المتطرفات قادمات إلى مصيرهن المنتظر ، ونهايتهن المرتقبة ، ولن يكن يوماً مبدعات أو منتجات في الأمة ، ولن يكن يوماً في سجل الخالدات ، وسيسطرن صفحة معتمة في تاريخ مضيء مشرق لنساء واعدت مبدعات متميزات ، كُتبت سيرهن في صحائف من ذهب ، وخلدت أسماؤهن في قائمة التميز .
وما أردت الإشادة به في عنوان مقالي ( الحافظات قادمات ) هن فئة من النساء مغيبات لا يُعرفن ، ولكن الله يعرفهن ، نساء يبذلن أعمارهن وقدراتهن في شغل أوقاتهن بحفظ كتاب الله . فيحفظهن الله بحفظه لهذا الذكر  { إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }

الحافظات قادمات بقوة ليُعلنّ على الملأ أن اهتماماتهن عالية ، وأوقاتهن غالية ، لا يصرفنها إلا في ما غلا ثمنه ،وعلا قدره ، وعز تحصيله .
الحافظات قادمات ليعلّمن أبناء هذه الأمة ، ويسلكن بهم في طريق الخيرية ، ليدخلوا تحت قول صلى الله عليه وسلم  " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " .
ومما دفعني لإبراز هذه الصورة المشرقة لهذه الفئة الغالية على قلوبنا ، ما حضرته قبل أيام من حفل تكريم ثلة من الحافظات لكتاب الله في الحفل التعريفي والتكريمي لدور الحافظات بمكة ، والتابعة لمؤسسة والدة الأمير ثامر بن عبد العزيز - رحمهم الله - وبرعاية كريمة من حرم خادم الحرمين الشريفين ، فشرفت بصحبة امرأة فاضلة ،
وراعية مسئولة ، وأميرة عالية في أخلاقها وسمتها وسيرتها ، وهي صاحبة السمو الملكي الأميرة حصة بنت طراد الشعلان سليلة الأسرة الكريمة من آل الشعلان ، وقريبة والدة الأمير ثامر بن عبد العزيز الأميرة نوف بنت نوري الشعلان .
وقد أبدت صاحبة السمو الملكي تفاعلاً ملموساً مع الحافظات ، وأثنت على تميزهن ، وتأثرت من قراءتهن الخاشعة ، وكنت أرقب سموها خلال تقديم برامج الحفل ، فكانت منصتة واعية ، ومتابعة بشغف ، ومقدرة للجهود المبذولة . كما رأيت في شخصها الكريم ، تواضع في عز ، وخلق جمّ ، والتزام ظاهر - نحسبها كذلك ولا نزكي على الله أحداً .
وقد استبشرنا خيراً برعايتها الكريمة لمثل هذه المجالس الطيبة ، ودعمها لدور الحافظات بحضورها المتألق ، وحرصها الملاحظ ، وصبرها علينا حتى انتهاء الحفل كاملاً .
وعوداً على ذي بدء ، أكرر رؤيتي المستقبلية للدور المتميز لحافظات كتاب الله ، وأعولّ كثيراً على مهمتهن الرائدة في الأمة ، فالقلب الذي حفظ كتاب الله وتفرغ له ، حريّ أن يعتنى به ، وجدير بأن يكرّم ويقدّر ، فهن القائدات الرائدات بحق .
فلنشدّ من أزرهنّ ، ونقوي عزائمهن ، بدلاً من إلقاء التهم الجزافى لدور التحافيظ ، ووضعهن في قائمة الإرهاب المرفوض عقلاً وشرعاً ، فنصيبهن في مقتل ، ونطفيء هذا النور الساطع من هذه الدور المباركة ، فنسهم من حيث لا ندري في تسرب كثير من الفتيات الصالحات منها ، فراراً من التهمة ، وتجنبناً للشبهة ،وحينها ندفع بهن لا محالة إلى الفراغ الفكري والعاطفي ، مما يسهل اختراقهن واستغلالهن من ذوي الاتجاهات المنحرفة بجميع أنواعها .

فإلى رجال الأمة ونساء العالم :
ادفعن فتياتكن إلى التميز الحقيقي ، والوصول إلى قمة الريادة ، فقد بلغت نساء المسلمات قمة عالية ، ووصلن إلى
مكانة مرموقة ، فالمرأة في الإسلام كان لها شأن عظيم ومنزلة سامقة ، اعتبرت بعد إهمال ، واهتدت بعد ضلال ، وعزت بعد ذل ، وتعلمت بعد جهل ، وأدت ما عليها من واجبات، بارت الرجال وسبقتهم أحيانا، فكان أول المؤمنين منها ، وأول الشهداء في سبيل الله منها ، وأول من هاجر في سبيل الله منها ، وكانت كذلك في نشر الدين وحفظه والإقبال عليه وتبليغه ، وازدادت المرأة المسلمة ثقة بالنفس ، واعتزازا بالمقام ، وغبطة بالإسلام ، فكان منهن الواعظات والعالمات والفقيهات والمحدثات على مر الدهور، واختلاف العصور في سائر البقاع والأصقاع ، فوجدت نفسها بعد تيه وضياع ، وانتقلت من حال إلى حال ، من حال كانت فيه رزية مهانة لاحق لها ولا كرامة ، لا يعتد بها في رأي ولا وجود، استعبدها الرجال في ذلة وامتهان ، وان سألت لا تجاب ، وإن احتيج إليها فللاحتطاب والتقاط النوى للإبل ، فان تسامت فللشهوات، يوم خروجها للدنيا يوم تسوَد فيه الوجوه ، وتغتاظ فيه النفوس في حيرة واضطراب ، أتمسك على هوان أم تدس في التراب؟
قال ابن عباس: " كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت فكان أوان ولادها حفرت حفيرة فتمخضت على رأس الحفيرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة، وإن ولدت غلاما حبسته ". ويقول قتادة: كان أحدهم يغذو كلبه ويئد ا بنته.
- فأكرم الإسلام المرأة بعد أن كانت مهانة ذليلة مسلوبة الحقوق. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " كنا في الجاهلية لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن في شيء من أمورنا ،
بل كنا ونحن بمكة لا يكلم أحدنا امرأته ، إذا كانت له حاجة سفع برجليها فقضى منها حاجته ، فلما جاء الله بالإسلام ،
أنزلهن الله حيث أنزلهن وجعل لهن حقاً".
بل كرمهن وسمى سورة باسمهن (سورة النساء). وأوصى بها خيرا: أما وأختاً وبنتاً وزوجة.
بارت الرجال فسبقتهم ، يقول الشاعر :

وما التأنيث لاسم الشمس عيب --- وما التذكير فخرللرجـــال
ولو كان النساء كمن فقدنــا --- لفضلت النساء على الرجال

انتقلت النساء من هذا الحال الى حال، فأصبحن فيه منارات هدى ومراكز إشعاع ونور، معلمات ومربيات
صالحات ومصلحات وداعيات، يرجع إليهن في المشكلات والمعضلات، ويتخرج من تحت أيديهن الأبطال والعلماء والحكماء،ولو نظرنا إلى نساء الأمس لوجدنا أن المرأة المسلمة كانت رمزاً للقوة والبطولة والعمل الدائب تلك المرأة التي صنعت الرجال وخرجت الأجيال فكانت الربان الذي يحرك السفينة .. والرئتان اللتان يتنفس بهم المجتمع .
المرأة في الإسلام برزت فأصبحت عالمة وفقيهة ومحدثة، فحازت قصب السبق في مختلف علوم الشريعة من العقيدة والفقه والحديث، فضلا عن تعلم القرآن وتعليمه، فقامت بدورها في العلم والتعليم والرواية والدعوة .
فنجد لدينا في سجل المتميزات : عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها الفقيهة العالمة المحدثة ، كبيرة محدثات عصرها ونابغته في الذكاء والبلاغة والفصاحة ، حاملة لواء العلم ، ومن أبرع النساء في القرآن والحديث والفقه والشعر وأحاديث العرب
وكذا تلميذتها عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية النجارية الفقيهة العالمة الحجة ، كثيرة العلم .
والعالمة الفقيهة فاطمة ابنة علاء السمرقندي ، كانت من الفقيهات العالمات بعلم الفقه والحديث أخذت العلم عن جملة من الفقهاء وأخذ عنها كثيرون ، وكان لها حلقة للتدريس ، وقد أجازها جملة من كبار القوم ، وكانت الفتوى تخرج وعليها خطها وخط أبيها ، والمحدثة كريمة بنت أحمد
المروزية كانت ركناً ركيناً للحديث ، ويحضر دروسها العلماء الكبار كالمحدث الخطيب البغدادي ، والمحدث السمعاني ،جاورت بمكة وروت صحيح البخاري
عن الكشميهني حتى أن محدث هراة أبا ذر رحمه الله قد وصى الطلبة أن لا يأخذوا الجامع الصحيح إلا عنها ،
وروايتها أصح روايات البخاري وكانت عالمة تضبط كتبها وتقابل نسخها ورحلت مع والدها في طلب العلم وما تزوجت ، وكانت ذا فهم ونباهة .
ومعلمة أمير الحفاظ :الحافظ ابن حجر : كان إذا ذكر أخته ست الركب قال :هي أمي بعد أمي .. فقد ربته وحدبت عليه ، وعلمته ، وماتت ولم تبلغ الثامنة والعشرين من عمرها . ولكن التميز يرفع صاحبه ويعلي منزلته في الدنيا والآخرة .

وحفصة بنت سيرين العالمة الزاهدة العابدة :
حفظت القرآن وهي بنت ثنتي عشرة سنة وعاشت سبعين سنة عمرت كلها بالعبادة والقرآن .

وأم الإمام أحمد بن حنبل :
يقول الإمام أحمد عن نفسه : ( كنا نعيش في بغداد ، وكان والدي قد توفي وكنت أعيش مع أمي ، فإذا كان قبل الفجر أيقظتني وسخنت لي الماء ثم توضأت – وكان عمره آنذاك عشر سنين – يقول : وجلسنا نصلي حتى يؤذن الفجر – هو وأمه رحمهما الله – وعند الأذان تصحبه أمه إلى المسجد وتنتظره حتى تنتهي الصلاة لأن الأسواق حينئذ مظلمة ، وقد تكون فيها السباع والهوام ثم يعودان إلى البيت ، وعندما كبر أرسلته أمه لطلب العلم .
قال أحد العلماء : إن لأم الإمام أحمد مثل ما لابنها لأنها هي التي دلته على الخير .
وقائمة المتميزات طويلة لا يكفي ذكرها هنا في هذه العجالة ، ولا تفي السطور بسرد سير ربات الخدور المكرمات الرائدات هؤلاء هن المتميزات حقيقة وبصدق ، لم يتميزن بقيادة سيارة ، ولا بشهرة غناء ومعازف ، ولا بامتطاء صهوة حصان ، ولا بممارسة رياضة وابتغاء لياقة ، بل ابتغين الجنة والهمة العالية فسمت روحهن ، وارتقت اهتماماتهن ، فكانت اهتمامات عالية سامية : هم الدعوة – هم العلم – هم الآخرة 0
وإذا كانت الأمور كباراً تعبت في مرادها الأجسام
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم


د. أميرة بنت علي الصاعدي
أستاذ مساعد بجامعة أم القرى
ومديرة الإدارة النسائية لدور الحافظات بمكة

 

حلقات القرآن
  • بحوث علمية
  • ملفات تنظيمية
  • برامج وأفكار
  • حفظ القرآن
  • الحفل الختامي
  • الحلقات النسائية
  • منوعات
  • التجويد وعلوم القرآن
  • الصفحة الرئيسية