اطبع هذه الصفحة


الظلال الوارفة لأبطال الدورات المكثفة

 

حسن الحلواتي

 
الظلال الوارفة لأبطال الدورات المكثفة
كتبه / حسن الحلواتي
المشرف التعليمي بقسم الدورات وخدمة المجتمع بجمعية تحفيظ القرآن الكريم بالطائف
والمشرف على الدورة المكثفة لحفظ القرآن الكريم


الحمد لله الذي علّم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ، سبحانه وتعالى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا ، فتلقاه ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن سيدنا جبريل ــ عليه السلام ــ على أكمل صفة ، ثم لقنه أصحابه ــ عليهم رضوان الله ــ على الصفة التي تلقاها ، فنقلوه إلى مَن بعدهم كما تعلَّموه ، فوصل إلينا متواترًا صحيحًا ، محفوظًا من الزيادة والنقصان ، وأورثه الأصفياء من عباده ، فأخذُوه ، وقرَؤوه ، واعتَنَوا به ، ورتّلُوه ، وجوّدوه ، وعظّموه ، ووقّروه ، وعَمِلُوا به ، وعلَّمُوه ... ليظلَّ باقيًا ما بقي الدهر ، والصلاة والسلام على مَن بعثه الله رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ...... وبعد .

فإن الله ــ سبحانه وتعالى ــ قد مَنّ عليّ بتعليم القرآن الكريم لأبناء المسلمين فترة من الزمن، ووفقني للإشراف على الدورات المكثفة لتحفيظ القرآن الكريم بمحافظة الطائف منذ بدأت حتى الآن ولمدة عشر سنوات متتالية تقريباً ، وخلال إشرافي على هذه الدورات المكثفة وقفتُ على جملة من الفوائد والعظات والعبر ، لعلي أذكر بعضها في رسالتي هذه لتكون عونا لإخواني على السير قدمًا نحو هذه التجارة الرابحة ، والشجرة المثمرة ، ليستظلوا بظلالها الوارفة ، وينعموا بثمارها اليانعة ، وأختم ببعض التوجيهات والنصائح لإخواني وأحبابي الذين يرغبون في الالتحاق بالدورات المكثفة المنتشرة في جميع أنحاء المملكة ، وبعض الأقطار الإسلامية في شتى بقاع المعمورة ، وذلك بمناسبة بدء الدورة المكثفة لهذا العام والتي تبدأ غداً السبت 16/7/1432 هـ

أهمية الوقت :

فقد اهتم الإسلام بالوقت ، وأقسم الله تعالى به في آيات كثيرة فقال الله تعالى : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر), وقال تعالى ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ), كما قال الله تعالى (والفجر وليال عشر ) وغيرها من الآيات التي تبين أهمية الوقت وضرورة اغتنامه في طاعة الله .
وهناك العديد من الأحاديث تدعو إلى المحافظة على الوقت منها على سبيل المثال :

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به ؟ "
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ "
فالآيات والأحاديث تشير إلى أهمية الوقت في حياة المسلم كثيرة ، لذلك كان لابد من الحفاظ عليه وعدم تضيعه في أعمال قد تجلبي علينا الشر وتبعدنا عن طريق الخير, فالوقت يمضي ولا يعود مرة أخرى ، والعطلة الصيفية ، هي أولى بالاستثمار والتجارة مع الله ، وأفضل ما يمكن أن يستفيده المسلم في الصيف حفظ كتاب الله تعالى ومراجعته .
فلتحسن أخي المسلم استغلال وقتك فيما يعود عليك وعل أمتك بالنفع في الدنيا ولآخرة فما أحوج الأمة إلى رجال يعرفون قيمة الوقت ويطبقون ذلك في حياتهم ، ويرجمونه إلى واقع.

نصائح وتوجيهات :

أخي الكريم الدارس في الدورة المكثفة أود أن أوجه لك بعض التوجيهات والنصائح لعلها تكون سبباً بإذن الله تعالى في رفع همتك ، ومساعدتك على تحقيق هدفك ، والوصول إلى غايتك ، وذلك من خلال خبرتي ومعاملتي مع الدارسين بالدورة المكثفة بجمعية تحفيظ القرآن الكريم بالطائف ، والذين أتوا إلى من شتى بقاع الأرض للاستفادة من هذه الدورة المباركة التي انتشر صداها إلى أقصى الأرض ، فوالله يتصل بي طلاب من أمريكا ، وفرنسا ، وجزر القمر ومن العديد من الدول العربية يقولون سمعنا عن هذه الورة خيرا ، ونريد أن نأتي إليها وبعضهم يأتي بتأشيرة زيارة خصيصاً لهذه الدورة ، وبعضهم يأتي من دول الخليج والعديد من الدول العربية فلله الحمد والمنة ، وقد أتوا من بقاع شتى وجنسيات مختلفة ودول متعددة ، زاد عددهم عن 45 جنسية من الدول العربية وغير العربية ، فأسأل الله التوفيق والسداد ،
وإليك هذه التوجيهات التي سميتها بالظلال الوارفة لأبطال الدورة المكثفة ، وقلتُ الأبطال لأنهم قدموا إنجازات قد وفقوا إليها بفضل الله تعالى لم يستطع غيرهم القيام بها :

1. الإخلاص سر النجاح .
حفظ القرآن من أجل الأمور التي تحتاج إلى إخلاص ، فأخلص النية لله واستحضر عظمته سبحانه وتعالى وراقبه جل وعلا في السر والعلن ، ومن ثم طهّر ظاهرك وباطنك ، وتطيب والبس أحسن الثياب ، واستخدم السواك قبل القراءة ، احذر التطلع إلى الشهادة أو إلى أي مطامع دنيوية من منصب ومال ... وغير ذلك ، ولا تنس الدعاء بالتوفيق والسداد ، فالدعاء سلاح المؤمن ، والسلاح بضاربه.

2. احذر الشيطان :

الشيطان يريد أن يصدك عن ذكر الله وعن الصلاة وتلاوة القرآن ، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، ورتل وترنم بالقرآن وحسّن صوتك ، ، والتزم الخشوع والتدبر ، وصحح القراءة تصحيحاً متقناً على الشيخ قبل البدء في الحفظ ، واسأل الله الرحمة عند تلاوة آيات الرحمة ، وتعوذ به عند تلاوة آيات العذاب ، وطبق أحكام التجويد ، ولا تترك مداً ، ولا غنة ، ولا قلقلة ، بحجة أنك تحفظ ، واسأل الله التوفيق والإعانة على الحفظ ، لاسيما وقت السحر السجود ، وبين الأذانين .

3. الأدب حلية طالب العلم .
تأدّب مع الطلاب في الدورة المكثفة فإنه أدبٌ مع شيخك ، وسلم عليهم عامة وخُصه بتحية خاصة ، فإذا حضرت نوبتك استأذن الشيخ في القراءة ، ثم ادعُ له ولوالديه ولمشايخه ولنفسك ، و أنصت واستمع لشيخك ، واعتقد فيه درجة الإتقان ، فإن ذلك أقرب لنفعك ، وتواضع لمعلمك وتأدب معه ، حتى وإن كان أصغر منك سناً ، وأقل شهرة ونسباً ، واحرص على الانقياد لمعلمك وشاوره في أمورك الدينية والدنيوية واقبل قوله ، و لاتشيرن عنده بيدك ، ولا تغمزن بعينيك ، ولا تقولن قال فلان خلاف ما تقول ، واجلس بين يدي الشيخ جِلسة المتعلمين ، ولا ترفع صوتك عنده من غير حاجة ، ولا تسمح لأحد أن يغتاب شيخك ، ورُد غيبته فإن تعذر عليك ردها فقم من المجلس

4. الفهم سبيل الحفظ .

فاحرص على فهم الآيات وتدبرها ، واقرأ تفسيراً مختصراً قبل الحفظ ، وتعرف على أسباب النزول ليسهل عليك الحفظ .

5. الوقت كنزك الثمين .

فاحرص عليه ، وقد قيل : والوقت أثمن شيء في الوجود يرى ، وآفة الناس بين السين والواو والفاء .... فاحذر من سوف ، واغتم الوقت ، واحرص على الاستفادة المثلى منه ، في الحفظ والإكثار من الطاعات ، احرص على الحفظ والمراجعة والاختبار وفق الجدول المخصص لك في الدورة ، إياك والثرثرة في غير فائدة ، وكثرة السؤال عما لا يعنيك ، ولا تتكلم إلا في خير ، تذكر أن مِن الناس مَن حُرم الصحة والفراغ ، وحيل بينه وبين حضور هذه الدورة .

6. حسن الخلق :

أثقل شيء في موازين العبد يوم القيامة ، احرص على حُسن الخلق والابتسامة مع المشرفين والمعلمين والزملاء في الحلقة . ولا تكثر الكلام أمام المعلم ، ولا ترفع صوتك بالضحك ، ولا تعبث بيدك ، ولا بجوالك أمامه ، احذر من غيبة الزملاء ، والمعلمين والمشرفين على الدورة فهم يكدحون من أجلك ، اكسب قلب أخيك ، ولو بسواك تهديه له ( تهادوا تحابوا)

7. شفاء العي السؤال :

ربما تحتاج إلى بعض النصائح والاستفسارات ، وربما تجهل بعض الأمور في الحفظ والتجويد ، فاسأل المشرف عما يُشكل عليك في التجويد والتفسير وطريقة الحفظ.

8. العُجب داء قاتل :

العجب يقتل صاحبه ، ويورده المهالك ، فإياك والعجب بكثرة حفظك ، وحُسنِ صوتك ، فالعُجب من المهلكات ، فمن تواضع لله رفعه وتذكر دائماً أن الفضل لله أولاً وآخرًا ، ولولا فضل الله وتوفقيه فلن تحفظ آية واحده من القرآن ، واستشعر التقصير في حق الله وفي حق كتابه وتذكر مُنذ متى وأنت تتمنى حفظ القرآن ، إذا اقترفت إثمًا ، أو فعلت ذنبًا ، أو اغتبت أحدًا ، أو أسأت خلقًا ، فأظهر الندم.

9. مجاهدة النفس :

احرص على المجاهدة ومقاومة الهوى ، ومجانبة حظوظ النفس مما يشغلها عن تحقيق الهدف المنشود مطلوب ، فجاهد نفسك ، وتغلب على هواك ، فالدورة تحتاج إلى مزيد من الجد والاجتهاد ، و ابتعد رفقاء السوء والمحبّطين والسلبيين ، إلا أن تكون ناصحًا لهم وداعيًا ، واخرج من هذه الدورة برفقةٍ صالحة ، فهل تجد أكرم وأفضل من أهل القرآن ، وكُن موجهاً حكيماً ، وناصحاً أمينًا ، ومرشدا أريبًا ، وداعيةً صدوقًا لإخوانك .

10. مواقف مشرفة :

الموقف الأول :
في إحدى السنوات جاء إليّ أحد الإخوة فرنسي الجنسية ، وطلب أن يُسجل في الدورة ، وقد انتهى وقت التسجيل ، فأخبرته بذلك فحزن حزنًا شديداً أن فاتته الفرصة لحفظ القرآن في الدورة ، فلما وجدتُ من حرصه على الحفظ قلت لعلي أقبله وأحاول أن أجد له مكاناً في الدورة لاسيما أن الأماكن في السكن كانت محدودة جدًا ، فقلت ولو ضيقت قليلاً سأقبله ، فقلت له سنقبلك معنا في الدورة وهو جالس فإذا به يخر ساجداً في أرضية المكتب شكرا لله ، وهذه صورة مصطفى وبعد سجد في المكتب .


موقف آخر.
أحد طلاب الجامعة الإسلامية من دولة أوربية أراد أن يسجل في الدورة ، فقلنا له إن الدورة مدتها شهرين ، وكانت له أم مريضة وتريد أن يسافر لها في الصيف لتراه فقال يا سأقسم العطلة نصفها أحفظ ما يتسير لي من القرآن والنصف الآخر سأسافر لأقضي العطلة مع أهلي .

موقف ثالث :

في العادة نُجري مقابلة للطلاب لنختار من لديهم القدر الكافي من التجويد والقدرة على الحفظ ، فجاءني أحد الإخوة يمني الجنسية ، وهو رجل كبير في السن غير متعلم وتجويده ضعيف جدًا ولديه الكثير من اللحن الجلي والخفي ، ويعمل في المعمار والبناء ، فلم يُقبل في الدورة فوجدت منه حزنًا شديدًا على عدم قبوله حيث إنه ترك العمل في الصيف من أجل حفظ القرآن ، والذي يغلب على الظن أنه لن يتمكن من الحفظ ، ولكن قبلته إرضاء له وإشفاقًا عليه ، فإذا به يتفانى في الحفظ والتصحيح والضبط و يُنجز إنجازًا عظيمًا وتمكن بفضل الله من حفظ عشرة أجزاء في فترة قصيرة ، وكنتُ أراه يبذل جهدًا كبيرًا من بعد الفجر حتى العشاء ، بل كنتُ أراه في وقت متأخر من الليل يجلس أمام المسجد بعد أن أغلق يقرأ ويراجع ، والعام الذي يليه سجل في حفظ عشرين جزءًا . فلله الحمد والمنة.

موقف رابع :

أحد الدارسين من أندونيسيا وهو طالب بالجامعة الإسلامية ، سجل في الدورة ، وأتم حفظ القرآن الكريم كاملاً ، وفي السنة التالية سجل في حلقة المراجعة ، وأثناء تجولي في المسجد بين الحلقات وجدته يجلس بمفردة وسط المسجد وليس معه مصحف ليراجع منه فقلت له ماذا تصنع قال أراجع ، بدأ في التسميع لنفسه فبدأ من أول البقرة في الصباح ، في المساء إذا بع قد وصل سورة يس ، فمت بتكريمه باعتبار أنه هو الطالب المثالي ، وأمام الحاضرين طلبنا منا أن يقرأ شيئا من القرآن فقرأ بضعة آيات بصوت الشيخ عبد الباسط وبكي أبكى أكثر من بالمسجد ، فجزاه الله خيرا ، ونفع به ، كان ذلك من أربعة سنوات ولا زلت أتذكر اسمه ( عطاء الرحمن شمس الأنبيا ).

موقف خامس :

أحد الدارسين من كينيا أظنه يدرس في جامعة الإمام ، وأتم عندنا حفظ القرآن في الدورة المكثفة وفي السنة الثانية جاء وراجع ، وكان قد أنهى المرحلة الجامعية وقبل أن يغادر إلى بلده طلب مني بعض الأوراق والبرامج والخطط التي نقوم بتنفيذها في الدورة المكثفة ، وإذا به يتصل في العام التالي ، ويقول يا شيخ حسن أبشرك أنني أقمت دورة مكثفة في قريتي على غرار دورتكم المباركة ، وقد سجل فيها أكثر من خمسين طالباً حفظوا بعض أجزاء من القرآن الكريم ، فهذا الذي امتثل قوله صلى الله عليه وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )

والبعض الآخر جاء وكان يحفظ عشرة أجزاء فرجعها في الدورة ثم أكمل القرآن كاملاً وجاء في العام التالي وسجل في حلقات الإسناد وحصل على إجازة بروايتي حفص وشعبة عن عاصم وفي العام التالي حصل على إجازة في رواية ورش.
والبعض يأتي إلى الدورة ولم يكن يتكلم العربية إلا قليلاً ، فأقمنا لهؤلاء دورة في القاعدة النورانية ، لتعليم اللغة العربية فاستفادوا منها كثيرا وتحسنت تلاوتهم للقرآن الكريم وفي السنوات التالية حفظوا القرآن الكريم .

والمواقف كثير والنماذج أكثر ، فكثير من الطلاب يأتي إلينا ويحفظ عشرة أجزاء ثم نضع له خطة ليرجعها في أثناء الدراسة ، ويأتي في الصيف الذي يليه يحفظ عشرة ويراجع عشرة ، وفي الصيف الذي يحفظ القرآن الكريم كاملا وأتقنه في سنتين ولمدة ثلاث عطل صيفية .
والبعض الآخر جاء وكان يحفظ عشرة أجزاء فرجعها في الدورة ثم أكمل القرآن كاملاً وجاء في العام التالي وسجل في حلقات الإسناد وحصل على إجازة بروايتي حفص وشعبة عن عاصم وفي العام التالي حصل على إجازة في رواية ورش.
والبعض يأتي إلى الدورة ولم يكن يتكلم العربية إلا قليلاً ، فأقمنا لهؤلاء دورة في القاعدة النورانية ، لتعليم اللغة العربية فاستفادوا منها كثيرا وتحسنت تلاوتهم للقرآن الكريم وفي السنوات التالية حفظوا القرآن الكريم .
والبعض الآخر يتكلم العربية لكن بلغة ركيكة فلا يخرج الحروف من مخارجها الصحيحة ، فقدمنا لهم دورة في المخارج والصفات ، وفي أحكام التلاوة وتحسنت تلاوتهم وحفظوا القرآن الكريم ولله الحمد والمنة .

وأخيرًا أسأل الله أن يوفقنا لخدمة القرآن الكريم وأهله وأن يجعلنا جميعًا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته .


أخوكم حسن الحلواتي
الجمعة 15 / 7 / 1432 هـ
الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن بالطائف – قسم الدورات – هاتف 7333644 تحويلة 410-440
h_halawaty@hotmail.com


 

حلقات القرآن
  • بحوث علمية
  • ملفات تنظيمية
  • برامج وأفكار
  • حفظ القرآن
  • الحفل الختامي
  • الحلقات النسائية
  • منوعات
  • التجويد وعلوم القرآن
  • الصفحة الرئيسية