اطبع هذه الصفحة


أقوال العلماء فـي الرسالة المنسوبة إلى
شيخ الإسلام ابن تيمية
–رحمه الله- في الجهاد
بحث مختصر يبين سوء فهم دعاة العصرانية
ومروجي قصر الجهاد الشرعي على "الدفاع" فقط لكلام ابن تيمية في الرسالة السابقة

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

سليمان بن صالح الخراشي

 
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد :
فقد نُشر لقاء مع أحد الباحثين الفضلاء في إحدى الصحف أثبت فيه رسالة "قاعدة في قتال الكفار.." لشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- بدليل أن البعض قد نسخها ولم يُنكر نسبتها للشيخ، ثم استنبط منها –كما يقول-: "أن شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- خلص بما تقدم في هذه الرسالة المهمة ووضحه فيها: أن قتال الكفار وجهادهم لا لأجل الكفر ذاته، وإنما هو الدفاع عن الدين. أي أن الإسلام في أصله دفاعي وليس هجومياً"!
ونحن لا ننازعه في صحة نسبة هذه الرسالة من عدمها لشيخ الإسلام؛ لأن هذا أمر يخضع للأدلة، مما تختلف فيه أنظار الباحثين. إنما ننازعه في هذا الفهم "الخاطئ" لكلام شيخ الإسلام بأنه لا يرى "جهاد الطلب" !! وهو في ظني ما حدا ببعض العلماء أن ينكروا نسبة تلك الرسالة إليه –بشدة- دفعاً لمثل هذا الفهم الذي روج له دعاة العصرانية في هذا الزمان، وألصقوه زورًا بشيخ الإسلام.
وقد استند من نفى هذه الرسالة إلى عدة أمور –تستحق التأمل-:
الأول: ما يلاحظه الباحثون من كثرة الكذب والتزوير على شيخ الإسلام –رحمه الله-، سواء في رسائله أو فتاواه، إما من خصومه –وما أكثرهم!-، أو ممن يريد الترويج لأفكاره مستغلاً اسم الشيخ العَلَم. فقد نُسب إليه على سبيل المثال: ديوان شعري، ودعاء لختم القرآن، وفتوى بحياة الخضر، وفتوى القول بالتجسيم التي افتراها ابن بطوطة.. وغير ذلك. مما يجعل المنصف لا يتعجل بنسبة شيء للشيخ –رحمه الله- ما لم يتوثق من ذلك، لا سيما وقد أنكر هذه الرسالة كبار العلماء في هذا الزمان؛ وعلى رأسهم الشيخ سليمان بن سحمان، ومفتيا الديار السعودية: الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز –رحمهم الله جميعاً- كما سيأتي إن شاء الله.
فلابد لمن يريد إثبات الرسالة بعد هذا أن يتحقق من: وجود سند لها إلى شيخ الإسلام، أو وجودها مكتوبة بخطه، أو إثبات تلاميذه والمهتمين بكتبه لها. وهي أمور لم تتحقق –حسب علمي- إلى الآن.
الثاني : أن المتأمل في الرسالة يلمح فيها نوع تصرف أو اختصار، لما يجده من مثل هذه العبارات التي تتكرر بين صفحاتها، "ثم ذكر" "ثم تكلم" "إلى أن قال" (انظر: ص119، 125، 127، 128، 136، 137 من نسخة الفقي)
ولهذا علق الشيخ محمد بن مانع –رحمه الله- في هامش نسخته عند مروره بأحد هذه المواضع: "يستفاد منه أن في الكلام اختصاراً"(1)
الثالث: أن لشيخ الإسلام –رحمه الله- كلاماً آخر في رسائله الثابتة عنه يخالف ما فهمه البعض من هذه الرسالة؛ وهو أنه ينكر جهاد "الطلب"، -سيأتي بعضه إن شاء الله-.
إذن: فبعض الذين أثبتوها وفرحوا بها! زعموا أن شيخ الإسلام لا يرى جهاد "الطلب" في هذه الرسالة.
والذين أنكروها أرادوا دفع هذا الزعم المغلوط الذي يعارض النصوص الشرعية، ويعارض كلام شيخ الإسلام الآخر.
والصواب –في ظني- أن يقال: بأنه حتى لو قيل بثبوت هذه الرسالة(2) فإنه ليس فيها ما ينفي جهاد "الطلب" كما تصور البعض ممن لم يفهموا مقصد شيخ الإسلام منها، فخلطوا بين أمرين.
فشيخ الإسلام قد أنشأ هذه الرسالة للرد على قول فقهي ضعيف يقول أصحابه بأن قتال الكفار هو لأجل "كفرهم"، ولهذا فهؤلاء يرون قتل "كل كافر" سواء كان قادرًا على القتال أو عاجزاً عنه، وسواء كان مسالماً أو محارباً، وسواء كان من الرهبان أو لم يكن، وسواء كان شيخاً كبيراً أو شاباً فتياً.
ولا يستثني هؤلاء من القتل إلا الصبيان لعدم بلوغهم، وكذا النساء؛ لأنهن يصبحن سبياً بنفس الاستيلاء عليهن؛ فهن كالمال.
ولهذا قال –رحمه الله- في أول هذه الرسالة مبيناً سبب كتابتها:

"فصل في قتال الكفار :
هل هو سبب المقاتلة أو مجرد الكفر؟
وفي ذلك قولان مشهوران للعلماء :
الأول : قول الجمهور، كمالك، وأحمد بن حنبل، وأبي حنيفة وغيرهم.
الثاني: قول الشافعي وربما علل به بعض أصحاب أحمد.
فمن قال بالثاني قال: مقتضى الدليل قتل كل كافر، سواء كان رجلاً أو امرأة، وسواء كان قادراً على القتال أو عاجزاً عنه، وسواء سالمنا أو حاربنا. لكن شرط العقوبة بالقتل أن يكون بالغاً، فالصبيان لا يقتلون لذلك. وأما النساء فمقتضى الدليل قتلهن، لكن لم يقتلن لأنهن يصرن سبياً بنفس الاستيلاء عليهن، فلم يقتلن لكونهن مالاً للمسلمين كما لا تهدم المساكن إذا ملكت.
وعلى هذا القول: يقتل الرهبان وغير الرهبان لوجود الكفر. وذلك أن الله علق القتل لكونه مشركاً بقوله (فاقتلوا المشركين) فيجب قتل كل مشرك، كما تحرم ذبيحته ومناكحته لمجرد الشرك. وكما يجب قتل كل من بَدَّلَ دينه لكونه بدله، وإن لم يكن من أهل القتال، كالرهبان. وهذا لا نزاع فيه. وإنما النـزاع في المرأة المرتدة خاصة.
وقول الجمهور: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار" انتهى كلام شيخ الإسلام، (ص 116، من طبعة الفقي) .
وقد رد –رحمه الله- على هذا القول الضعيف في رسائله الأخرى بما يوافق ما في هذه الرسالة لمن تأمله. فلا جديد فيها !
ومن أصرح ذلك وأوضحه ما ذكره في "السياسة الشرعية". يقول –رحمه الله-: "إذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة؛ كالنساء والصبيان، والراهب والشيخ الكبير، والأعمى والزَمِن(3)، ونحوهم، فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يُقَاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين. والأول هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله…"(4) –إلى أن قال متعرضاً للرد على ذاك القول الضعيف- : "ولهذا أوجبت الشريعة قتل الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم، بل إذا أُسر الرجل منهم في القتال، أو غير القتال؛ مثل أن تلقيه السفينة إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة؛ فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح؛ من قتله أو استعباده، أو المن عليه، أو مفاداته بمال أو نفس، عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة"(5).
قلت: ففي هذا النص المهم ما يجلي حقيقة تلك الرسالة، ويبين أنها أنشئت للرد على هذا القول الفقهي الضعيف الذي يرى قتل الكفار لمجرد كفرهم دون استثناء إلا للنساء والصبيان فقط –كما سبق-، وهو ما رده شيخ الإسلام وبين مخالفته للكتاب والسنة سواء في تلك الرسالة أو في هذا الموضع من "السياسة الشرعية" أو في مواضع أخرى من "الفتاوى" -كما سيأتي إن شاء الله-.
ويبين هذا النص أيضاً أن شيخ الإسلام مع رده على ذاك القول الضعيف فإنه لا ينكر –كما يزعم البعض- شرعية جهاد "الطلب" ! وحاشاه من ذلك، وهو أمر مقرر بالنصوص ومجمع عليه بين العلماء(6)، ولهذا قال –كما سبق- "فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين". وهذا الجهاد إنما يكون "لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله".
ومن المواضع التي رد فيها الشيخ –رحمه الله- على هذا القول الفقهي الضعيف بما يوافق الرسالة المنسوبة إليه ما جاء في الفتاوى (28/659-661) عندما سئل عن الرهبان فأجاب بقوله: ".. إنما نهي عن قتل هؤلاء؛ لأنهم قوم منقطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يسمى أحدهم حبيسًا، لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلاً، ولا يخالطونهم في دنياهم، ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به. فتنازع العلماء في قتلهم؛ كتنازعهم في قتل من لا يضر المسلمين لا بيده ولا لسانه؛ كالأعمى والزَمِن، والشيخ الكبير ونحوه؛ كالنساء والصبيان. فالجمهور يقولون: لا يُقتل إلا من كان من المعاونين لهم على القتال في الجملة، وإلا كان كالنساء والصبيان، ومنهم من يقول: بل مجرد الكفر هو المبيح للقتل، وإنما استثنى النساء والصبيان؛ لأنهم أموال .."
وانظر أيضاً: "الفتاوى" (20/101-103).

فلا جديد في الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام! فقد تعرض له كثيرًا في رسائله الأخرى بتوضيح لو تأمله من طار فرحاً برسالته لعلم أنه في وادٍ والشيخ في وادٍ آخر.
يقول الدكتور عبد الله القادري: "إذا كان الجهاد في سبيل الله شرع لرفع كلمة الله وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ورفع الظلم عنهم، فإنه لا داعي للخلاف فيه: هل شرع لقتال من قاتل من الكفار أو شرع لمجرد الكفر؟ لأن رفع كلمة الله يقتضي قتال كل من صدّ عنه والقضاء عليه، سواء كان صده بالقتال أو بالرأي، أو بأي نوع من الأنواع . وأما من لم يصدّ عنه بأن دخل في دين الله أو خضع لحكمه فأدى الجزية وهو صاغر فإنه لا يقاتَل ولا يُكره على الدخول في هذا الدين كما مضى. ولعل هذه الإشارة كافية إلى ما كتبه سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان –رحمه الله- في الرد على رسالة نسبت لشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- بعنوان (قاعدة في قتال الكفار هل هو لأجل كفرهم أو دفاعاً عن الإسلام؟) وقد أنكر المؤلف نسبة هذه الرسالة لابن تيمية. والذي يظهر من أسلوب الرسالة أنها له؛ لأن أسلوبه –رحمه الله- واضح فيها، ولكنه أنكر أن يكون القتال لمجرد الكفر وإنما لرفع كلمة الله وذلك بأن يكون الحكم الغالب هو حكم الله لا سلطان الكفار، وإذا كان الكفار مغلوبين وسلطانهم منتفياً، وهم يؤدون الجزية صاغرين، فإنهم حينئذ لا يقاتَلون لكفرهم؛ إذ قتالهم لكفرهم يقتضي إكراههم على الدخول في الإسلام، وهذا من الاعتداء الذي نهى الله عنه. ومعنى قتال المقاتلين عنده –رحمه الله- هو أن يقاتل من أعد نفسه لقتال المسلمين سواء باشروا القتال فعلاً أو لم يباشروا، والذين لا يقاتلون هم الذين لم يعدوا أنفسهم للقتال؛ كالرهبان والشيوخ، فأي غبار على هذه المعاني جعل المؤلف سليمان بن حمدان يرهق نفسه لإنكار نسبة هذه الرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية؟ وإذا كانت بعض الجمل في الرسالة منكرة وقد نقلها –رحمه الله- عن بعض العلماء ولم يقرها لأنه قد بين رأيه في أول الرسالة وفي أثنائها، فإنه لا يسوغ نفي نسبة الرسالة إليه، وقد بين –رحمه الله- خلاصة رأيه في رسالته السياسة الشرعية"(7).
ويقول الدكتور علي بن نفيع العلياني: "يعمد أهل الدفاع إلى تعليل بعض علماء الإسلام قتل الكفار بأنه لأجل المحاربة ويحورونه بشكل مثير للعجب حتى يخيل للقارئ بأن هناك من علماء الإسلام من يقول إن الكفار لا يجاهَدون حتى يعتدوا على المسلمين!.
والحق أن المسلمين قبل أن يدخل الاستعمار بلادهم ويتخذ له صنائع منهم ما كانوا يعرفون هذا القول المنكر، بل الإجماع منعقد على وجوب تطلب الكفار في عقر دارهم وتخييرهم بين خصال ثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال –على خلاف في قبول الجزية من غير أهل الكتاب والمجوس-.
ولم يفهم أهل الدفاع تعليل بعض علماء الإسلام قتل الكفار بالمحاربة والمقاتلة أو تعمدوا كتمان ما فهموه. وذلك لأن العلماء الذين عللوا قتل الكفار بالمحاربة والمقاتلة نصوا على مرادهم، وهو تلمس الحكمة الشرعية في أمر الله سبحانه بقتال كل كافر باستثناء النساء والأطفال والرهبان والشيوخ العجزة، فقالوا: لو كان علة القتال الكفر لوجب قتل كل كافر، فإذًا العلة هي القدرة على المحاربة والمقاتلة، فإن من عنده الإطاقة على القتال فهو مصدر خطر على المسلمين، ولم يقل هؤلاء العلماء إن الكافر لا يقاتَل إلا إذا حارب بالفعل واعتدى، كما هو قول أهل الدفاع الذين يحرفون نصوص العلماء لكي يظهروا للناس بأنهم لم يخرقوا الإجماع، وأن هناك طائفة من العلماء تقول بقولهم"!! (8).

ويقول الأستاذ عبد الملك البراك رادًا على أحد من يتبنى الجهاد "الدفاعي"!: "إن الاختلاف الذي قد حصل بين الجمهور من جهة، والشافعي والظاهرية من جهة أخرى لم يكن أبداً في أصل تشريع الجهاد وحكمته وسببه أو علته.. وإنما كان الاختلاف في العلة الموجبة لاستباحة دماء الأعداء؛ فالجمهور على أنه لا يقتل إلا من كان قادراً على القتال، وأما من لم يكن كذلك كالنساء والأطفال والشيوخ وأصحاب الصوامع ونحوهم فلا يُقتلون؛ إلا في حالة واحدة وهي ثبوت حرابة هذه الأصناف، وحرابتهم تتخذ أشكالاً عدة؛ كالمساهمة الفعلية في القتال ضد المسلمين، والرأي والمشورة وإعداد الخطة لحرب الإسلام وأهله.. ونحوها.
أما الشافعي وابن حزم الظاهري –رحمة الله عليهم- فقد خالفوا الجمهور في هذه المسألة؛ فأجازوا قتل كل من عدا النساء والصبيان من أهل الحرب، ولو لم يشتركوا في القتال؛ سواء كانوا رجالاً بالغين أو شيوخاً مسنين.. ولهذا فإن كتب الفقه الأمهات لما تعرض لهذا الاختلاف لا تذكر إطلاقاً أن الأمة قد اختلفت فيما بينها في الجهاد: هل يقام أو لا يقام، أو أن هناك شروطاً لابد منها حتى يؤدي المسلمون فريضة الجهاد !! بل إن هذه الكتب في مبحث الجهاد تذكر اتفاق الأمة على هذه الفريضة وفضلها المتقدم.. وأنها فريضة دائمة قائمة إلى قيام الساعة.. ثم عندما يأتي الحديث عن أصناف الكفار الذين يُقتلون يقرر العلماء وجود أصناف قد نصّ الشرع على عدم قتلهم.. وأن هذه مسألة مختلف فيها.. كما مرّ آنفاً.. وهذا الاختلاف إنما كان تبعاً لاختلاف العلماء في العلة الموجبة لاستباحة دماء هؤلاء الأعداء.." (9).
- قلت: ومما يؤكد تناقض من يدعي أن شيخ الإسلام ينفي جهاد "الطلب" أنه –رحمه الله- في هذه الرسالة المنسوبة إليه قد أشار إلى كتابه "الصارم المسلول" (كما في ص144) وأنت عندما تعود إلى "الصارم المسلول" تجد الشيخ يذكر جهاد "الطلب" ولا ينفيه! فقد قال –رحمه الله-: "لما نزلت سورة براءة أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال…"(10) .

الخلاصة: أن شيخ الإسلام سواء ثبتت له هذه الرسالة أم لم تثبت، فإنه لا ينفي جهاد "الطلب" لقتال من منع نشر الإسلام كما توهم البعض؛ إنما يُنكر على من يرى قتال جميع الكفار لمجرد "كفرهم"، فلا يستثني سوى النساء والصبيان وهذا ما قرره في هذه الرسالة وفي رسائله الأخرى كما سبق.

أقوال العلماء في الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام

لما رأيت أن عددًا من الإخوة الفضلاء لم يطلع على ما قاله العلماء في هذه الرسالة فقد أحببت أن أجمع ما تيسر لي من أقوالهم؛ لكي يحيط القارئ علماً بالرأي الآخر الذي يرى عدم صحة نسبة هذه الرسالة لشيخ الإسلام.
وقد سبق أن سبب نشاطهم لهذا الرأي هو ما فهمه الفريق الآخر من أن شيخ الإسلام يقرر فيها نفي "جهاد الطلب".
والصواب في ظني –كما أوضحت- أن شيخ الإسلام لا يقول بهذا القول المزعوم. إنما يرد على قول ضعيف –كما سبق-، يلتقي الجميع على رده والإنكار على أصحابه.

1-الشيخ سليمان بن سحمان –رحمه الله-:
لما أُشيعت هذه الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام كان أول من تصدى لنفي نسبتها: الشيخ سليمان بن سحمان –رحمه الله-، في رسالة مفقودة –كما سيأتي-(11)

2-الشيخ سليمان بن حمدان –رحمه الله-:
ألف الشيخ سليمان بن حمدان –رحمه الله- رسالته الشهيرة "دلالة النصوص والإجماع على فرض القتال للكفر والدفاع" لبيان تزوير هذه الرسالة على شيخ الإسلام –رحمه الله-، ومناقضة ما فهمه البعض منها لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولإجماع المسلمين، بل ولنصوص شيخ الإسلام نفسه في كتبه الأخرى.
يقول الشيخ ابن حمدان في مقدمة رسالته: "أما بعد فقد وقفت على رسالة منسوبة لشيخ الإسلام وعلم الهداة الأعلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى ورضي عنه، مضمونها أن قتال الكفار سببه المقاتلة لا مجرد الكفر، وأنهم إذا لم يقاتلونا لم يجز لنا قتالهم وجهادهم على الكفر، وأن هذا القول هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، واستدل لما زعمه ببعض آيات شبه بها ولبس، وأولها على غير معناها المراد بها، مثل قوله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) الآية، وقوله (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه)، وقوله (لا إكراه في الدين) وحديثين حرفهما لفظاً ومعنى، وضرب صفحاً عن الآيات المحكمة الصريحة التي لا تحتمل التأويل، والأحاديث الصحيحة التي تكاد تبلغ حد التواتر في الأمر بقتال الكفار والمشركين حتى يتوبوا من كفرهم ويقلعوا عن شركهم، وهذه طريقة أهل الزيغ والضلال يدعون المحكم ويتبعون المتشابه؛ كما أخبر الله عنهم في قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) ولما رآها بعض من ينتسب إلى العلم وليس من أهل الدراية والفهم صادفت هوىً في نفسه فطار بها فرحاً ظاناً أنها الضالة المنشودة، وراجت لديه بمجرد نسبتها لشيخ الإسلام، فسعى في طبعها ونشرها، على كذبها وفشرها، وما علم المسكين أنه قد استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم، وأنها محض افتراء وتزوير على الشيخ، وقد نزه الله شيخ الإسلام عن هذا الخطل الواضح والجهل الفاضح، والخوض في شرع الله بغير علم ولا دراية ولا فهم، ولكن الأمر كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- للحارث بن الأحوص لما قال له: أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ فقال له: يا حارثة إنه لملبوس عليك، إن الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله، فهذا الذي طبعها ونشرها ممن لا يعرف الحق إلا بالرجال، فهو ملبوس عليه كما قال أمير المؤمنين، لأنه لو عرف الحق في هذا الباب لما راجت عنده هذه الرسالة ولقابلها بالإنكار والرد، ونبذها نبذ النواة؛ لأنها تضمن إبطال فريضة دينية هي ذروة سنام الإسلام، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله"، وقد جاء في حديث مرسل "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند حلول الشهوات"، فبالبصر النافذ تندفع الشبهة، وبالعقل الكامل تندفع الشهوة، وحيث إن ما جاء في هذه الرسالة مخالف لنصوص الكتاب والسنة ولما أجمعت عليه الأمة في الصدر الأول، ومخالف أيضاً لما نص عليه شيخ الإسلام نفسه في كتبه المشهورة المتداولة المعروفة لدى الخاص والعام؛ كالجواب الصحيح، والصارم المسلول، ومنهاج السنة، والسياسة الشرعية، وغيرها من كتبه التي سنذكر نصه فيها بالحرف، ونحيل على الكتاب ليسهل الوقوف عليه لمن أحب ذلك، وليعلم أن هذه الرسالة مزورة عليه ولا تصح نسبتها إليه بوجه من الوجوه، وأن من نسبها إليه فقد شارك المفتري في عمله وما يترتب عليه من إثم"(12).
قال الدكتور علي بن نفيع العلياني في رسالته "أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية" (ص346) بعد أن نقل إبطال ابن حمدان للرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام: "وقد اطلعت على الرسالة المذكورة فاتضح لي ما اتضح للشيخ سليمان بن حمدان رحمه الله من أن الرسالة منحولة على الشيخ وفيها عبارات كثيرة مأخوذة من كتبه، ولقد حرص واضعها على عدم ذكر جهاد الابتداء والطلب، بينما الناظر في مؤلفات ابن تيمية المشهورة يجد أن قوله في الجهاد لا يخالف إجماع المسلمين بل يوافقهم، وقد نقل بنفسه الإجماع كما تقدم قريباً، ونص على وجوب جهاد الابتداء والطلب في مواضع من كتبه. فقال في كتابه القيم "الجواب الصحيح": (… فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداء ودفعاً فلأن يجب علينا بيان الإسلام وأعلامه ابتداء ودفعاً لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى..)(13). وقال في كتابه "الصارم المسلول": (… لما نزلت براءة أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال وثنيهم وكتابيهم سواء كفوا أم لم يكفوا) (14).

وبهذا تظهر براءة ابن تيمية من تلك الرسالة المخالفة للإجماع ولأقواله هو بنفسه". قلت: الرسالة كما سبق منشأة للرد على قول فقهي ضعيف، ولا علاقة لها بجهاد الطلب.

3-الشيخ عبدالرحمن بن قاسم – رحمه الله- :
لم يدخل الرسالة في مجموع الفتاوى قائلاً : " وقد أعرضت عن نزر قليل نُسب إليه ؛ كمنظومة في عقائد ، ونقل محرف لترك البداءة بقتال الكفار "(8/5) .

4-سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله- :
جاء في مجموع فتاواه (6/ 198-201): "س: الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام: في "قتال الكفار" لأجل دفع شرهم.
ج: هذه جرى فيها بحث في مصر، وبيَّنا لهم بياناً تاماً في الموضوع، وأنها عرضت على مشايخ الرياض وأنكروها.
وهذه الرسالة حقيقتها أن بعضها من كلامه، ومحذوف منها شيء، ومدخل فيها شيء آخر.
وكلامه في "الصارم المسلول" و"الجواب الصحيح" وغيرهما يخالف هذا، وهو أنهم يقاتلون لأجل كفرهم، مع أن حاصلها يرجع إلى القول الأول بالنسبة إلى الواقع؛ فإن الكفار في هذه الأزمان الضرر حاصل منهم، أو متوقع. فهم يسعون في ضرر الإسلام وأهله: الدول، والطوائف".

5- سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله- :
لما نمى إلى علم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله- تبني بعض معاصريه للقول بقصر الجهاد على الدفاع اعتمادًا على ما فهمه من هذه الرسالة. ألقى –رحمه الله- محاضرة نافعة بعنوان "ليس الجهاد للدفاع فقط" ثم نُشرت في مجموع فتاواه (3/171-201) بيَّن فيها بالتفصيل: حكم الجهاد في الإسلام وحالاته، مع التعرض لأحكام الجزية، ثم نبَّه على بطلان القول السابق ورد على شبهات أصحابه، وأوضح بطلان نسبته لشيخ الإسلام –رحمه الله-. وأكتفي بنقل ما يهم هذا المبحث.
يقول الشيخ عبد العزيز : " أما قول من قال بأن القتال للدفاع فقط، فهذا القول ما علمته لأحد من العلماء القدامى ، أن الجهاد شرع في الإسلام بعد آية السيف للدفاع فقط، وأن الكفار لا يُبدؤن بالقتال وإنما يشرع للدفاع فقط.
وقد كتب بعض إخواننا رسالة في الرد على هذا القول وفي الرد على رسالة افتراها بعض الناس على شيخ الإسلام ابن تيمية ، زعم فيها أنه يرى أن الجهاد للدفاع فقط . وهذا الكاتب هو فضيلة العلامة : الشيخ سليمان بن حمدان رسالة ذكر فيها أن هذا القول منقول عن بعض أهل الكوفة ، وإنما اشتهر بين الكتاب مؤخرا .. وأما العلماء فلم يشتهر بينهم ، وإنما المعروف بين العلماء أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر أذن له في القتال مطلقا ، ثم فرض عليه الجهاد وأمر بأن يقاتل من قاتل ، ويكف عمن كف ، ثم بعد ذلك أنزل الله عليه الآيات الآمرة بالجهاد مطلقا ، وعدم الكف عن أحد حتى يدخل في دين الله ، أو يؤدي الجزية إن كان من أهلها كما تقدم ..."
"وقد تعلق القائلون بأن الجهاد للدفاع فقط بآيات ثلاث :
الأولى: قوله جل وعلا : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا والجواب عن ذلك كما تقدم أن هذه الآية ليس معناها القتال للدفاع ، وإنما معناها القتال لمن كان شأنه القتال : كالرجل المكلف القوي ، وترك من ليس شأنه القتال : كالمرأة والصبي ونحو ذلك ، ولهذا قال بعدها : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
فاتضح بطلان هذا القول ، ثم لو صح ما قالوا ، فقد نسخت بآية السيف وانتهى الأمر بحمد الله .
والآية الثانية التي احتج بها من قال بأن الجهاد للدفاع: هي قوله تعالى : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ وهذه لا حجة فيها؛ لأنها على الأصح مخصوصة بأهل الكتاب والمجوس وأشباههم ، فإنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام إذا بذلوا الجزية ، هذا هو أحد القولين في معناها .
والقول الثاني أنها منسوخة بآية السيف ولا حاجة للنسخ بل هي مخصوصة بأهل الكتاب كما جاء في التفسير عن عدة من الصحابة والسلف فهي مخصوصة بأهل الكتاب ونحوهم فلا يكرهون إذا أدوا الجزية، وهكذا من ألحق بهم من المجوس وغيرهم إذا أدوا الجزية فلا إكراه ، ولأن الراجح لدى أئمة الحديث والأصول أنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع ، وقد عرفت أن الجمع ممكن بما ذكرنا . فإن أبوا الإسلام والجزية قوتلوا كما دلت عليه الآيات الكريمات الأخرى .
والآية الثالثة التي تعلق بها من قال أن الجهاد للدفاع فقط: قوله تعالى في سورة النساء : فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً قالوا : من اعتزلنا وكف عنا لم نقاتله . وقد عرفت أن هذا كان في حال ضعف المسلمين أول ما هاجروا إلى المدينة ثم نسخت بآية السيف وانتهى أمرها ، أو أنها محمولة على أن هذا كان في حالة ضعف المسلمين فإذا قووا أمروا بالقتال كما هو القول الآخر كما عرفت وهو عدم النسخ .
وبهذا يعلم بطلان هذا القول وأنه لا أساس له ولا وجه له من الصحة ، وقد ألف بعض الناس رسالة افتراها على شيخ الإسلام ابن تيمية وزعم أنه لا يرى القتال إلا لمن قاتل فقط ، وهذه الرسالة لا شك أنها مفتراة وأنها كذب بلا ريب ، وقد انتدب لها الشيخ العلامة سليمان بن سحمان رحمة الله عليه ورد عليها منذ أكثر من خمسين سنة وقد أخبرني بذلك بعض مشايخنا ، ورد عليها أيضا أخونا العلامة الشيخ سليمان بن حمدان رحمه الله القاضي سابقا في المدينة المنورة كما ذكرنا آنفا ورده موجود بحمد الله وهو رد حسن واف بالمقصود . فجزاه الله خيرا . وممن كتب في هذا أيضا أخونا الشيخ صالح بن أحمد المصوعي رحمه الله فقد كتب فيها رسالة صغيرة ، فند فيها هذه المزاعم وأبطل ما قاله هؤلاء الكتبة بأن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط .
وصنف أيضا أخونا العلامة أبو الأعلى المودودي رحمه الله رسالة في الجهاد وبين فيها بطلان هذا القول وأنه قول لا أساس له من الصحة " اهـ كلام الشيخ ابن باز – رحمه الله - .

إضافات وفوائد :
1- اضطراب كلام الصنعاني بسبب رسالة شيخ الإسلام !
لقد اطلع الصنعاني على الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام –رحمه الله-، وقام بتلخيصها في بحث له طبع حديثًا ضمن رسائل "ذخائر علماء اليمن" جمع القاضي عبد الله الجرافي، تحت عنوان "بحث في قتال الكفار"، عرض فيه لحجج الفريقين في المسألة الفقهية السابقة؛ إلا أنه توهم أن شيخ الإسلام في رسالته السابقة يميل إلى أن الجهاد شُرع للدفاع فقط! وأنه أول من اشتُهر عنه هذا القول! وهو ما مال إلى ترجيحه الصنعاني في تلخيصه لمن تأمل.
ثم قال: "وقد أشار العلامة الحسن بن أحمد الجلال رحمه الله في موضعين من شرحه ضوء النهار إلى اختيار أن هذا الأرجح من القولين؛ وهو أن سبب القتال ليس مجرد الكفر، بل الكفر مع الإضرار، ولم نعرف له سلفاً في ذلك حتى وقفنا على رسالة للعلامة المحقق أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله فيها تحرير القولين وذكر أدلة الفريقين .." (15)
إلا أن الصنعاني –بعد هذا- أعاد النظر في هذه المسألة في حاشيته على "ضوء النهار" وعرض لأدلة الفريقين من جديد، ثم مال إلى القول الآخر! خشية أن يُنكر جهاد "الطلب"، وهو أمر مجمع عليه بين العلماء –كما سبق-، ولو فهم رسالة شيخ الإسلام –رحمه الله- لعلم أنه ليس فيها تعرض لمسألة حكم الجهاد "سواء طلبيًا أو دفاعيًا" كما أوضحت سابقاً.
ومما يبين أنه فهم من رسالة شيخ الإسلام أنه يرى أن الجهاد للدفاع فقط، قوله رادًا على هذا: "لأنه لو كان غزوه صلى الله عليه وسلم إلا لدفع شر الكفار لا لأجل الكفر؛ لم يخرج من المدينة في غزاة، ولا بعث سرية، بل يبقى في المدينة، فمن قصده دافعه فيها.." (16)
فالصنعاني توهم أن شيخ الإسلام ينصر القول بأن الجهاد للدفاع فقط فلهذا مال إليه أولاً، ثم تراجع عن ذلك خوفاً من مصادمة نصوص الشريعة والتفرد بقول يخرق إجماع المسلمين. ولو تأمل كلام شيخ الإسلام وقرنه بما يشابهه في فتاواه ورسائله الأخرى لعلم أنه قد أبعد النجعة في فهم كلامه –رحمه الله-.

2-الشوكاني يفهم الرسالة كفهم الصنعاني !
حيث تعرض لها في كتابه "نيل الأوطار" (5/250) عند حديثه عن "علامات البلوغ"، حيث قال محتجاً لمن قال بأن جهاد الكفار هو لأجل كفرهم: "ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغزو إلى البلاد البعيدة؛ كتبوك، ويأمر بغزو أهل الأقطار النائية مع كون الضرر ممن كان كذلك مأموناً".
ثم قال: "وذهبت طائفة أخرى إلى أن قتالهم لدفع الضرر.. ومن القائلين بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية حفيد المصنف، وله في ذلك رسالة".
وفي ظني أن الشوكاني قد تابع الصنعاني في فهمه لرسالة شيخ الإسلام؛ لأنه كثيرًا ما يقتفي أثره. والله أعلم.

3-نقل مختصر مفيد عن الشيخ الألباني –رحمه الله- في بيان نوعي الجهاد:
قال –رحمه الله- في تعليقه على العقيدة الطحاوية (ص71-72): "اعلم أن الجهاد على قسمين: الأول فرض عين، وهو صد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين، كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين: فالمسلمون جميعاً آثمون حتى يخرجوهم منها.
والآخر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهو الجهاد في سبيل نقل الدعوة الإسلامية إلى سائر البلاد حتى يحكمها الإسلام، فمن استسلم من أهلها فبها، ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا، فهذا الجهاد ماض إلى يوم القيامة فضلاً عن الأول.
ومن المؤسف أن بعض الكتاب اليوم ينكره، وليس هذا فقط بل إنه يجعل ذلك من مزايا الإسلام! وما ذلك إلا أثر من آثار ضعفهم وعجزهم عن القيام بالجهاد العيني، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم" "الصحيحة" (11)".

4-المدرسة العصرانية تنكر جهاد الطلب !
قصر الجهاد في الإسلام على جهاد "الدفع" فقط هو مما أثارته المدرسة العصرانية الحديثة منذ الأفغاني ومحمد عبده وتلامذتهما؛ نتيجة صدمتهم وانهزامهم أمام الحضارة الغربية التي ألجأتهم إلى تبني بعض الأقوال الشاذة تحرجًا من أحكام الله التي لا يرضاها أعداء الإسلام؛ ومن ضمنها أحكام الجهاد.
ثم تعاقب تلاميذ هذه المدرسة والمتأثرون بها على نشر هذا القول الشاذ وإشاعته بين المسلمين .
انظر على سبيل المثال: "رسالة التوحيد" لمحمد عبده (ص 235)، و"فتاوى رشيد رضا" (ص 892، 1155)، و"القرآن والقتال" لمحمود شلتوت (ص126)، و"الدولة الإسلامية.." لمحمد عمارة (ص 136)، و"آثار الحرب في الفقه الإسلامي" لوهبة الزحيلي (ص110) و"الجهاد في الإسلام – كيف نفهمه؟" للبوطي (ص 94 وما بعدها)،… وغيرها من كتب العصرانيين.
وبعضهم قد اتكأ على الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام وفرح بها؛ كالشيخ عبد الله المحمود في رسالته "الجهاد المشروع في الإسلام"، ومحمد أبو زهرة في كتابه عن "ابن تيمية"، وصاحب رسالة "الفريضة المفترى عليها" (ص 364-369).
وانظر للرد عليهم بالتفصيل: رسالة الشيخ علي العلياني "أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية" (ص 318-349). و"ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد" لعبد الملك البراك، (ص 33-163). و"الجهاد والقتال في السياسة الشرعية" للدكتور محمد خير هيكل (1/748 وما بعدها).

5-الخطأ لا يعالج بمثله :
إذا كنا نواجه سوء فهم لحقيقة "الجهاد" الشرعي في الإسلام من قبل فئات من الشباب "المتحمس" الذي يريد أن يقحم الأمة في معركة غير متكافئة لم تأخذ العدة اللازمة لها إلى الآن فيعرضها لتسلط الأعداء عليها وغزوها في عقر دارها.
إن مواجهة مثل هذا الفهم الخاطئ لا تكون من خلال إنكار ثوابت وضروريات دينية؛ كإنكار جهاد "الطلب" مثلاً، فنحن بهذه الطريقة لا نعالج الخطأ إنما نزيده تعقيدًا، ونلجئ الطرف الآخر إلى أن يتشبث بخطئه ويتعصب له؛ لما يرى من تلاعبنا بالأحكام الشرعية أو تميعنا تجاهها.
إنما العلاج الشرعي لهذا الفكر يكون من خلال إبراز وتوضيح مسائل "الجهاد" الشرعي، وتبيين مخالفة أصحاب ذاك الفكر لها. ويكون هذا بواسطة علماء ثقات لهم قبولهم بين شباب الأمة. فمن المسائل التي ينبغي إبرازها وإيصالها للشباب في هذه الفترة:
1- أن جهاد "الطلب" لا يكون إلا بإذن الإمام. يقول الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-: "لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر.. فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلا على سبيل الدفاع .. وإنما لم يجز ذلك؛ لأن الأمر منوط بالإمام، فالغزو بلا إذنه افتئات وتعد على حدوده، ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى"(17).
2- أنه يجوز عقد "المعاهدات" مع الكفار في حال ضعف المسلمين.
3- أنه في حال ضعف المسلمين يُشرع الأخذ بالآيات المكية التي فيها الكف عن القتال، والتركيز على الدعوة. يقول الشيخ ابن باز –رحمه الله- متحدثاً عن واجب الإمام: "إن ضعف المسلمون استعمل الآيات المكية؛ لما في الآيات المكية من الدعوة، والبيان، والإرشاد، والكف عن القتال عند الضعف"(18).
4- مراعاة المصالح والمفاسد في مسائل "الجهاد" .
5- تحريم قتل المعاهدين، وما فيه من عقوبة شديدة جاءت بها النصوص الشرعية.
فهذه المسائل وغيرها –مما يعرفها من هم أقدر مني- لو تم إبرازها من خلال النشرات والمحاضرات والندوات لتم القضاء على كثير من أفكار "الغلو" –بإذن الله-.

مع التنبيه على أمور مهمة تُيسر هذا العلاج:
أ- أن يكون جهد الأمة منصباً –في هذه الفترة- على جهاد "الدفع" وإخراج الكفار من ديار المسلمين التي استباحوها.
ب- إعداد العدة، وأخذ الأسباب المقوية للأمة –بإذن الله-؛ كالتزود من الأسلحة الكافية، وتدريب الشباب على الحياة الجادة، وإبعادهم عن الملهيات والمنكرات، وعدم الركون إلى الحياة الدنيا.
ج- التصدي للفكر المنهزم المقابل لفكر الغلو الذي يروج له دعاة "العلمنة" و"العصرنة" و"أصحاب العقائد المنحرفة" ممن يمثلون "الطابور الخامس" بوارثة أسلافهم المنافقين. وذلك بإبعادهم عن وسائل التأثير، ومناصحتهم، والحزم معهم؛ لأن هذا الفكر المنهزم في حال انتشاره –لا قدر الله- فإنه ينخر في جسد الأمة ويُضعفها، ويجعلها لقمة سائغة للأعداء، كما تبين ذلك في تجارب سابقة(19).
فلنكن صفاً واحدًا في هذه البلاد خلف ولاة أمرنا وعلمائنا في التصدي لهذين الفكرين الخبيثين: فكر "الغلو"، وفكر "الانهزام"، فإنهما وجهان لعملة واحدة؛ هي تسلط الأعداء علينا.

أسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء، وأن يكفينا شر الأشرار، ويقينا من الفتن الظاهرة والباطنة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

-----------------------
(1)   ونسخة ابن مانع –رحمه الله- محفوظة بمكتبته المودعة بمكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض.
(2)   ولعله الراجح؛ لتوافقها مع رسائله الأخرى –كما سيأتي- ووضوح نَفَس شيخ الإسلام فيها. لكن مع ملاحظة ما اعتراها من تصرف واختصار جعل بعض عباراتها مضطربة. وهذا يميل إليه بعض العلماء والباحثين –كما سيأتي-.
(3)   الزَمِن هو ذو العاهة الذي لا يستطيع المشي.
(4)   السياسة الشرعية (ص 106).
(5)   السابق (ص 107).
(6)   بل كما قال الشوكاني إنه أمر "معلوم من الضرورة الدينية" (السيل الجرار: 4/518). 
(7)   الجهاد في سبيل الله: حقيقته وغايته، ص 615 – 616.
(8)   أهمية الجهاد ..، ص 336 – 337.
(9)   ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد، ص 35.
(10) "الصارم المسلول"، ص 112، عن "أهمية الجهاد.." للعدِني، ص 346.
(11) لعلها رسالة "الرد على المزور على شيخ الإسلام ابن تيمية". انظر : "الشيخ سليمان بن سحمان وطريقته في تقرير العقيدة" للشيخ محمد الفوزان (ص 141).
(12) دلالة النصوص والإجماع ..، ص 1-3.
(13) الجواب الصحيح 1/75.
(14) الصارم المسلول ص 112.
(15) ذخائر علماء اليمن ، ص 163.
(16) حاشية ضوء النهار (4/2506).
(17) الشرح الممتع (8/25).
(18) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (3/193).
(19) بينت في رسالتي "العصرانية قنطرة العلمانية" أن المستفيد الوحيد من انتشار هذا الفكر بوجهيه "العلماني" و"العصراني" في بلاد المسلمين هم الأعداء من "كفار" و"أهل بدع"؛ لأنه يتسنى لهم من خلاله إضعاف هيبة الدولة الإسلامية وتنازع أهلها وتفرقهم أحزاباً شتى، مما يسهل استباحتهم –والعياذ بالله-. فهل من مدكر؟!

 

سليمان الخراشي
  • كتب ورسائل
  • رسائل وردود
  • مطويات دعوية
  • مـقــالات
  • اعترافات
  • حوارات
  • مختارات
  • ثقافة التلبيس
  • نسائيات
  • نظرات شرعية
  • الصفحة الرئيسية