اطبع هذه الصفحة


كتابٌ جديدٌ عن المرجئة .. وبيان سَلف الزهراني - هداه الله -

سليمان بن صالح الخراشي

 
سبق أن نشرتُ مقالا بعنوان ( هداك الله .. يا أحمد الزهراني .. ! ) ، نصحتُ فيه الأخ أحمد - هداه الله - أن يتقي الله ، ويرجع إلى الحق بعد أن بينه له كبار العلماء ودعوه إلى التوبة منه ، وأن يدع التعصب لزلات العلماء ، إلا أنه للأسف - كما ترون - أصر واستكبر ، وأشغل نفسه وشباب الأمة عن العلم النافع والعمل الصالح .

ومن تابع المقال السابق وما جاء فيه من تعليقات ساءه أن يتطاول الزهراني - أصلحه الله - على علماء الأمة الذين حذروا من بدعته - وعلى رأسهم الإمام ابن باز رحمه الله - ، فيتهمهم - مهما راوغ - بأنهم وقعوا في " مذهب الخوارج " !!

وأنا هنا لن أناقش الرجل في هذه الفرية ؛ لأني أرى أن لا نفع من ذلك ؛ لأن الرجل - للأسف - قد تجاوز هذه المرحلة ، ودليل هذا أن الشيخ محمد بن سيف حاول الحوار معه والمناظرة إلا أنه فرّ فرار المصر على ما هو عليه ، وهذه صفة لاتليق بالمؤمن المتجرد ، وإلا فما الذي يمنعه  - إن كان كما يزعم على بينة من أمره - أن يواصل الحوار مع الشيخ ؟


ولكني هنا : أبين للأخ أحمد - هداه الله - وللإخوة القراء : مَن هو سَلفه في هذه التهمة التي رمى بها أهل السنة ، وأنقل هذا من كتابٍ قيّم صدر حديثًا للأخ الشيخ محمد الكثيري - وفقه الله - ، بعنوان " براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة " ، أنصح به الإخوة ، وكذا الأخ أحمد - هداه الله - .

 

******
 

يقول الأخ محمد - متحدثًا عن المرجئة - ( ص 185 ) :
( وقد ناقشهم الملطي –رحمه الله – نقاشاً عقلياً تدرج فيه معهم إلى أن قال: " فيجب عليهم حينئذ أن يقولوا: الإيمان قول اللسان وإقرار بالقلب" ثم قال: "والإقرار بالقلب عمل، بل هو أصل كل الأعمال التي بالجوارح؛ لأن الجوارح عن القلب تصدر"، فإذا وجد الإيمان في القلب، وجدت أعمال الجوارح، ولهذا قال - ملزماً من سلم بذلك بإدخال أعمال الجوارح في الإيمان - : "وإذا كان كذلك فقد وجب أن يقولوا: إن الإيمان قول اللسان وتصديق بالقلب لزمتهم أن يقولوا: وعمل بالجوارح"، لأنه لا يتصور أن يكون بالقلب إيمان صحيح ثم لا يظهر أثره على الجوارح،
وقد أزعجت هذه الجملة الكوثري محقق الكتاب، فعلّق عليها بما يجعلها متفقة مع كلام أئمته المرجئة، فقال: "باعتبار أن عمل الجوارح من كمال الإيمان لا أنه جزء من ماهية الإيمان لئلا يلزم الانزلاق إلى مذهب المعتزلة والخوارج" ! ) .

وقال في موضع آخر ( ص 256-258) مشيرًا إلى الزهراني أمثاله :


( قال اللقاني في (جوهرته) :

ورُجِّحت زيادة الإيـمان   ***   بـما تزيد طاعة الإنسان
ونقصُهُ بنقصها وقيل: لا   ***  وقيل: لا خُلْفُ كذا قد نُقِلا

فذكر ثلاثة أقوال:
الأول: أن الإيمان يزيد بطاعة الإنسان وينقص بنقص الطاعة.
والثاني: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
والقول الثالث: قول من قال: "ليس الخلاف بين الفريقين حقيقياً بل لفظياً، ووجهه أن القول بأنه يزيد وينقص محمول على ما به كماله، وهو الأعمال، والقول بأنه لا يزيد ولا ينقص محمول على التصديق الباطني وهو أصل الإيمان، فيرجع الخلاف لفظياً".

وهذا القول الذي ذهب إليه محققو المرجئة كالرازي وإمام الحرمين، قد نعق بعض مرجئة العصر بما يشبهه إذ أحدثوا وابتدعوا ما سموه ( الحد الأدنى ) في الإيمان وجعلوه غير قابل للنقصان، وما زاد عليه فهو الذي يقبل الزيادة والنقصان، فصار الحد الأدنى عندهم يقابل أصل الإيمان عند المرجئة الأوائل، وما زاد عليه -عندهم- يقابل الأعمال عند المرجئة الأوائل، وسبب هذا الابتداع أن هؤلاء النوابت وافقوا على إدخال العمل في مسمى الإيمان، وأقروا –أيضاً- بارتباط الظاهر بالباطن، ويترتب على هذا الذي أقروا به انعدام الباطن بانعدام الظاهر وإلا لزمهم ما هو مرفوض عند جميع العقلاء، وهو أن الشيء المحدود ينقص ثم ينقص ثم ينقص ولا ينتهي، أو يصرحوا بما صرّح به المرجئة الأوائل، ففراراً من هذين الأمرين اللذين لا محيد لهم عن أحدهما ابتدعوا القول بـ ( الحد الأدنى ) .

وقالوا: "إن أصل الحد الأدنى ليس فيه نقصان، أما الزيادة عليه فممكنة" .


وهذا القول يشبه قول المرجئة الأوائل، وفي الوقت نفسه يخالف قول السلف.


فأما وجه مشابهته لقول المرجئة أن المرجئة تهاب وتنفر من القول بالنقصان أكثر من الزيادة، وهؤلاء قيدوا النقصان بحد معين وأما الزيادة فأطلقوها، وهذا يعني أن الزيادة والنقصان عندهم ليستا على حد سواء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة". وأما وجه مخالفته قول السلف أن الأئمة قد نصوا على أن الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه شيء.

ومما تقدم يُعلم الفرق بين الزيادة والنقصان التي يبرأ من الإرجاء من يقول بها، والزيادة والنقصان التي تقرّ بها المرجئة ) .

وقال في موضع آخر ( ص 266-268) :
( وقال محمد زاهد الكوثري في كتابه (تأنيب الخطيب): "كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ويرمون بالإرجاء من يرى الإيمان: العقد والكلمة، مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج الشرع، قال الله تعالى: ( ولما يدخل الإيمان في قلوبكم (  [الحجرات:14] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره". أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب، وعليه جمهور أهل السنة .


وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد، أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتماً
إن كانوا يعدون خلاف اعتقادهم هذا بدعة وضلالة؛ لأن الإخلال بعمل من الأعمال -وهو ركن الإيمان في نظرهم- يكون إخلالاً بالإيمان، فيكون من أخلَّ بعمل خارجاً من الإيمان، إما داخلاً في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه بل في منـزلة بين المنـزلتين: الكفر والإيمان، كما هو مذهب المعتزلة.

وهم من أشد الناس تبرؤا من مذهب الفريقين، فإذا تبرؤا - أيضاً- مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن، يبقى كلامهم متهافتاً غير مفهوم، وأما إذا عدُّوا العمل من كمال الإيمان فقط فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يعدون العمل من كمال الإيمان فحسب، بل يَعُدُّونه ركناً منه أصلياً ونتيجة ذلك كما ترى ) .

( ثم أعاد هذا المعنى بصياغة أخرى في كتابه : (الترحيب بنقد التأنيب ) حيث قال: "عدم عد أبي حنيفة العمل ركناً أصلياً من الإيمان حذراً من إكفار الأمة جمعاء بمجرد إخلال بعمل، وهو - أيضاً- مقتضى الكتاب والسنة، كما تجد بسط ذلك في كتب أهل الشأن، وفي ( التأنيب ) نفسه، وعد ذلك إرجاء وزيغاً ظلم وعدوان، فلا يكون نبذ رواية من لا يقول ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) معتمداً على أساس سليم، وعند من يرى أن العمل من كمال الإيمان لا يكون في الأمر خلاف يوجب إساءة القول في أحد القولين،
ومن أصرَّ على أن العمل ركن أصلي من الإيمان بحيث إن من أخلَّ بشيء من العمل يكون قد أخلَّ بالإيمان، فهو في سبيل الانحياز إلى المعتزلة أو الخوارج شاعراً أو غير شاعر" )  .
 

مقال مناسب
يا أهل السنة : من ألمّ بشيئ من البدعة فليصنع كما صنع إبراهيم بن جاسر
 

سليمان الخراشي
  • كتب ورسائل
  • رسائل وردود
  • مطويات دعوية
  • مـقــالات
  • اعترافات
  • حوارات
  • مختارات
  • ثقافة التلبيس
  • نسائيات
  • نظرات شرعية
  • الصفحة الرئيسية