اطبع هذه الصفحة


هل الأشاعرة من أهل السنة ؟! ( تعقيبًا على موقع الإسلام اليوم )

سليمان بن صالح الخراشي

 
نشر موقع " الإسلام اليوم " فتوى عن حكم التعامل مع الأشاعرة والماتريدية ، وعنونها بـ "الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة " ! هكذا دون تقييد . وهذا من الخطأ  الذي لا يخفى على من يعرف عقيدة الأشاعرة والماتريدية ؛ سواء في باب التوحيد الذي يحصرونه في توحيد الربوبية دون توحيد الألوهية ؛ مما ساهم في انتشار البدع والشركيات حولهم دونما نكير ، أو في باب الإيمان ، أو في باب القدر ، أو في تأويلهم لصفات الله ، أو تقديمهم للعقل على النقل عند ظن التعارض .. إلى غير ذلك مما خالفوا فيه أهل السنة . والتفصيل يجده القارئ في هذه الرسائل : " منهج الأشاعرة في العقيدة " للشيخ سفر ، " الفروق في العقيدة بين أهل السنة والأشاعرة " للأستاذ صادق السفياني ، " منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى " للأستاذ خالد نور ، " موقف ابن تيمية من الأشاعرة " للشيخ المحمود .

وجمع الأمة الذي يقصد إليه القائمون على موقع " الإسلام اليوم " هو مقصد حسن ، ولكنه لا يُنال بتغيير الحقائق ، والعبث بها ، ومجاملة المخالفين للحق ، وإنما يُنال بدعوة المنحرف – بالأسلوب الأمثل – إلى ترك انحرافه وبدعته ، وعرض الحق أمامه ، دون تبديل أومداهنة ، أو إنزال المخالفين محلا ليس لهم ، ومسايرتهم في دعاواهم . فالأشاعرة لا يفتأون يذكرون في كتبهم أنهم أهل السنة ،  وأنهم هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية... كما في كتبهم : الإنصاف للباقلاني ص 108، والفرق بين الفِرَق للبغدادي ص 26،318، ، والتبصير في الدين لأبي المظفر الإسفرائيني ص 25، ولمع الأدلة للجويني ص 75،92 ، والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص 3، ومعالم أصول الدين للرازي ص 65 ، وشرح الجوهرة للبيجوري ص 30-31، وكبرى اليقينيات الكونية للبوطي ص 125، وأركان الإيمان لوهبي غاوجي .. وغيرها .


وكل هذه الدعاوى لا تُغير الحقيقة ، كما لا يُغير حقيقة الملح أن تكتب عليه اسم السُكر .


فالأشاعرة ليسوا من أهل السنة وإنما هم أهل كلام، عدادهم في أهل البدعة :

قال الإمام أبو نصر السجزي في فصل عقده في كتابه " الرد على من أنكر الصوت والحرف " لبيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها؟

قال ص 100-101"...فكل مدَّعٍ للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، عُلم أنه محدث زائغ، وأنه لا يستحق أن يصغى إليه أو ينظر في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به ، بل تمحينهم لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد ، بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي، وقال الجبائي... " .

بل يذهب - رحمه الله – أبعد من ذلك ؛ فيرى أن ضررهم أكثر من ضرر المعتزلة، فيقول ( ص 222 ) : " ثم بُليَ أهل السنة بعد هؤلاء؛ -أي المعتزلة- بقوم يدَّعون أنهم من أهل الاتّباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم ، وهم أبو محمد بن كلاب وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري...".

معللاً رأيه هذا بقوله ( ص 223) : " فهؤلاء يردون على المعتزلة بعض أقاويلهم ويردون على أهل الأثر أكثر مما ردوه على المعتزلة " ، وقوله ( ص 177-178) : "... لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف – أي تأتي من الخلف - ولم تموِّه .

بل قالت: إن الله بذاته في كل مكان وإنه غير مرئي، وإنه لا سمع له ولا بصر... فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء. والكلابية، والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه ".

وروى ابن عبدالبر عن ابن خويز منداد المصري المالكي: أنه قال في كتاب الشهادات من كتابه "الخلاف"، في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء قال: " أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته " . ( جامع بيان العلم وأهله ، 2/117) .

وقال أبو العباس ابن سريج الشافعي : " لا نقول بتأويل المعتزلة ، والأشعرية ، والجهمية ... الخ " . ( منهج الأشاعرة للشيخ سفر ، ص 18 ) .

وقال الإمام أبوالحسن الكرجي الشافعي : " لم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن يُنسبوا إلى الأشعري ، ويتبرأون مما بنى الأشعري مذهبه عليه ، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه " . ( المرجع السابق ) .

ولما زلّ السفاريني في كتابه " لوامع الأنوار " ( 1/73) وقال : "أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية: وإمامهم أحمد بن حنبل. والأشعرية: وإمامهم أبو الحسن الأشعري. والماتريدية: وإمامهم أبو منصور الماتريدي " !

تعقبه في الحاشية بعض أهل العلم - ولعله الشيخ ابن سحمان رحمه الله - فقال: "هذا مصانعة من المصنف رحمه الله تعالى في إدخاله الأشعرية والماتريدية في أهل السنة والجماعة، فكيف يكون من أهل السنة والجماعة من لا يثبت علو الرب سبحانه فوق سماواته، واستواءه على عرشه ويقول: حروف القرآن مخلوقة، وإن الله لا يتكلم بحرف وصوت، ولا يثبت رؤية المؤمنين ربهم في الجنة بأبصارهم، فهم يقرون بالرؤية ويفسرونها بزيادة علم يخلقه الله في قلب الرائي، ويقول: الإيمان مجرد التصديق وغير ذلك من أقوالهم المعروفة المخالفة لما عليه أهل السنة اولجماعة ؟! ".

كما علق على ذلك أيضاً الشيخ عبدالله أبابطين – رحمه الله -  بقوله: " تقسيم أهل السنة إلى ثلاث فرق فيه نظر، فالحق الذي لا ريب فيه أن أهل السنة فرقة واحدة، وهي الفرقة الناجية التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عنها بقوله: (هي الجماعة)، وفي رواية: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، أو (من كان على ما أنا عليه وأصحابي). قال: وبهذا عرف أنهم المجتمعون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا يكونون سوى فرقة واحدة، -قال-: والمؤلف نفسه يرحمه الله لما ذكر في المقدمة هذا الحديث، قال في النظم:

وليس هذا النص جزماً يُعتبرْ    ***  في فرقةٍ إلا على أهل الأثر

يعني بذلك: الأثرية. وبهذا عرف أن أهل السنة والجماعة هم فرقة واحدة " .

وقال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز –رحمه الله- جواباً عن قول الصابوني : "إن التأويل لبعض الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة" :
قال: " الأشاعرة وأشباههم لا يدخلون في أهل السنة في إثبات الصفات لكونهم قد خالفوهم في ذلك وسلكوا غير منهجهم، وذلك يقتضي الإنكار عليهم وبيان خطئهم في التأويل، وأن ذلك خلاف منهج الجماعة... كما أنه لا مانع أن يقال: إن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة في باب الأسماء والصفات، وإن كانوا منهم في الأبواب الأخرى، حتى يعلم الناظر في مذهبهم أنهم قد أخطأوا في تأويل بعض الصفات وخالفوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان في هذه المسألة، تحقيقاً للحق وإنكاراً للباطل وإنزالاً لكل من أهل السنة والأشاعرة في منـزلته التي هو عليها..." . ( تنبيهات هامة على ماكتبه الصابوني ، ص 37-38) .

وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله - في تعقيبه على مقالات الصابوني: " ليسوا – أي الأشاعرة - منهم – أي أهل السنة - في باب الصفات وما خالفوا فيه، لاختلاف مذهب الفريقين في ذلك". ( البيان لأخطاء بعض الكُتاب ، ص 28 ) .

قال الدكتور محمد باكريم : " والذي أميل إليه: أن لا يقال: الأشاعرة من أهل السنة إلا بقيد، فيقال: هم من أهل السنة في كذا، في الأبواب التي لم يخالفوا فيها مذهب أهل السنة.


لأننا إذا أطلقنا القول بأنهم من أهل السنة التبس الأمر وظن من لا دراية له بحالهم أنهم على مذهب أهل السنة والسلف في كل خصال السنة، والواقع أنهم ليسوا كذلك، بل في أقوالهم ما يخالف السنة في كثير من أبواب الاعتقاد
.

فليسوا على السنة المحضة في كل اعتقاداتهم .

وإذا أطلقنا القول بأنهم ليسوا من أهل السنة، كان ذلك حكماً بأنهم خالفوا السنة في كل أبواب الاعتقاد، والأمر ليس كذلك فقد وافقوا أهل السنة في أبواب الصحابة والإمامة وبعض السمعيات " . ( وسطية أهل السنة ، ص 89 ومنه استفدت كثيرًا من النقولات السابقة ) .

وقال الشيخ سفر : " الحكم الصحيح في الأشاعرة أنهم من أهل القبلة ، لا شك في ذلك ، أما أنهم من أهل السنة فلا " . ( منهج الأشاعرة ، ص 22 ) .

فلو قيّد الموقع فتواه بأنهم من أهل السنة - بالمعنى العام - في مقابل الرافضة ، لكان هذا مقبولا . أما بصنيعه السابق فقد وقع في التلبيس على المسلمين .

هدى الله القائمين على الموقع  إلى تصحيح خطئهم ، ووفقهم للمسلك الشرعي في جمع كلمة الأمة .
 

رابط الفتوى في موقع الإسلام اليوم
 

سليمان الخراشي
  • كتب ورسائل
  • رسائل وردود
  • مطويات دعوية
  • مـقــالات
  • اعترافات
  • حوارات
  • مختارات
  • ثقافة التلبيس
  • نسائيات
  • نظرات شرعية
  • الصفحة الرئيسية