اطبع هذه الصفحة


عودة إلى ( عبدالوهاب المسيري ) .. وعلمانيته

سليمان بن صالح الخراشي

 
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سبق أن اعترض بعض الإخوة على وصفي للمسيري أنه أحد دعاة العلمانية ؛ مكتفين منه بتراجعه عن الماركسية ، وكتابته لموسوعته اليهودية ، وقد نقلتُ من كتبه قوله بصراحة إن مايسميه العلمانية " الجزئية " لا تُعارض الإسلام ! ، وإنكاره لما يسميه العلمانية " الشاملة " فقط . ثم طُبع - أخيرًا - كتابٌ مهم للباحث المصري محمد إبراهيم مبروك ، عنوانه " العلمانية : العدو الأكبر للإسلام - من البداية إلى النهاية - " ، ناقش في فصل منه دعوى المسيري السابقة ، وسماها " فرية المسيري " ، وقد صدق في هذا - كما يأتي - . فأحببتُ أن يطلع الإخوة الكرام على هذا الفصل منشورًا في الساحة ، وهذا هو :

فرية المسيري في عدم تناقض العلمانية مع الإسلام
بتقسيمها إلى شاملة وجزئية

" إن الدكتور المسيري قد جاء في مناظرة قريبة ببرنامج الاتجاه المعاكس (أبريل -2007) ليعلن صراحة أن العلمانية الجزئية التي تعني فصل الدين عن الدولة لا تتناقض مع الإسلام ! هذا بالإضافة إلى موقف المسيري المتخاذل من هجوم مناظره الوقح على الإسلام كنظام شامل للحياة على الرغم من التهافت الشديد المعروف عن هذا المناظر علماً وفكراً وأشياء أخرى ، ولم يفعل المسيري شيئاً سوى اختزال الإسلام في مجموعة من القيم التي لا تختلف كثيراً عن القيم التي يقررها بعض الأديان والفلسفات الأخرى.

ومن ثم أكرر الآن إن الموضع الذي نتحدث عنه لا يمثل هفوة للمسيري يتردد فيها وقد ينقضها كلام آخر له ، وإنما هي فرية قاتلة تؤدي إلى إرباك الأمة ، ويبدو أنه يصر عليها ، والمصيبة أن مفكراً له وزنه مثل الدكتور محمد عمارة التجأ إلى القول بهذه البدعة تحت ضغط ومحاصرة محاور علماني في أحد البرامج الفضائية ، مع أن الدكتور عمارة له كتاباته الكثيرة التي يقرر فيها أن العلمانية تتناقض مع الإسلام لا محالة ، وكان مفكر آخر هو راشد الغنوشي استند على مقولة المسيري تلك في معرض دفاعه عن نهج حزب العدالة والتنمية التركي في تخليه عن دور الإسلام في الدولة ، أي أن طامة فرية المسيري في تقسيم العلمانية إلى شاملة وجزئية تكتفي بفصل الدين عن الدولة طامةكبرى يتحدث بها ويلتجئ إليها أسماء كبيرة لها وزنها وتأثيرها على الواقع الإسلامي.

كل هذا مع أن تهافت هذه الفرية بيّن شديد البيان وواضح غاية الوضوح، ولكن ماذا نفعل إذا كانت المساومات السياسية مع أنظمة أو تيارات معينة تلجئ البعض إلى هذا السقوط.


أمامغالطة المسيري شديدة الوضوح
فهي تتحدد في المقولة مفادها ألا تعارض بين الإسلام والعلمانية الجزئية، لأنه حتى لو كانت العلمانية الجزئية هي فصل الدين عن الدولة فهي تعني العمل على الانتقاص من شمولية الدين ، بل وتهدف إلى تبعيضه وهو الأمر الذي يتناقض مع قوله تعالى: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون )  .

وقوله تعالى: ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ) . ولعل ذلك هو ما دعا الدكتور محمد البهي ( وهو المفكر الإسلامي النابغ الذي جمع بين دراسته الأزهرية للدين ودراسته الألمانية للفلسفة ) إلى أن يعنون كتابه عن العلمانية بالتالي: " العلمانية وتطبيقها في الإسلام: إيمان ببعض الكتاب وكفر بالبعض الآخر " .

ويبلغ السيل الربى عندما يطبق المسيري ذلك على قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" حيث يقول وهو يورده في إطار إقراره للفصل النسبي بين الدين والدولة: "ففي القطاع الزراعي بإمكان المرء أن يؤبر النخل أولاً حسب مقدار معرفته للملابسات متحرراً في بعض جوانبه من المنطلقات الأخلاقية". وما بين القوسين للمسيري ليس به شيئ إذا أخذ حرفياً ، لكن المشكلة في الإيهام أن ذلك يعني إمكانية الفصل بين الدين والدولة في الإسلام اعتماداً على هذا الحديث ؛ لأن الحديث بكل وضوح يتناول الجوانب العلمية التطبيقية من الحياة ، وهي أمور عامة مجردة وموقف الإسلام ( وليس كل الأديان ) من هذه الأمور شهير جداً ، ومفاده عدم التدخل والاعتماد على الخبرة ، ولكن لا ينطبق ذلك على أي جانب من الجوانب السلوكية للحياة التي تنظمها الدولة، بعكس ما يقوله المسيري.

على أي من الإسلاميين استند المسيري؟!

نستطيع القول إن العذر العام الذي يظلل مواقف الدكتور المسيري أن الرجل حديث الانتقال في نقده للحضارة الغربية من المنظور الاشتراكي الماركسي إلى المنظور الإسلامي ، أو بشكل أكثر دقة إلى منظور فلسفي يبدو عاماً ولكنه يستبطن رؤية إسلامية أو تبدو أنها إسلامية ، ومن ثم فإن تراكمه المعرفي يتشكل أساساً من التراكم المعرفي الغربي نفسه؛ ولهذا فإن منظوره الإسلامي لا يقوم إلا على بعض القواعد العامة ، وربما غير المحددة ، ويفتقد التراكم المعرفي الإسلامي لدرجة محزنة خصوصاً إذا تعلق الأمر بموقعه المتقدم المفترض في مواجهة الحضارة الغربية ، مما ينعكس على مواقفه في الكثير من الحالات بغياب الرؤية الإسلامية المحددة أو ضبابيتها في مواجهاته الفكرية مع هذه الحضارة ، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الكثير من المشاكل حتى مع إقرارنا باشتراك المنظور الإسلامي والاشتراكي في بعض المواقف الناقدة للحضارة الغربية.

ولكل ما سبق كان من الطبيعي أن يحاول الدكتور المسيري الاستناد إلى بعض المفكرين الإسلاميين في تحديد موقف المنظور الإسلامي من العلمانية ؛ ولأنه من الطبيعي أيضاً أن يتحدد استناده هذا بعاملين هما: محدودية تراكمه المعرفي الإسلامي وعزوفه الشخصي عن احتداد المواجهة في مواقفه السياسية، فقد وقع اختياره على تيار الوسط التوفيقي بين الإسلام والعلمانية، وهو ما أعتيد أن يطلق عليه في القنوات الإعلامية المرضي عنها بالتيار الوسطي ! والذي يُعد الكاتب فهمي هويدي أحد أبرز رواده؛ ولذلك فقد كان هو الشخص الوحيد من المحسوبين على الإسلاميين الذي استند إليه المسيري في تعريفه للعلمانية ، حيث يذكر عن هويدي أنه "يجعل نقطة انطلاقة ما سماه (المشروع القومي العام ) وكل من يعمل على إنجاحه علمانياً كان أم إيمانياً فهو منا " أما من يقوضه ويفككه فهو خارج الصف. فالمعيار هنا - لا أدري إن كان هذا الكلام لهويدي أم تعليقاً من المسيري - ليس العلمانية أو الإسلامية وإنما الانتماء إلى الوطن. ويميز فهمي هويدي بين تيارين علمانيين يسميهما المتطرفين والمعتدلين ( وهما يقابلان إلى حد ما العلمانيين الشامليين والجزئيين في مصطلحنا ) ويُعرف المتطرفين بأنهم ليسوا ضد الشريعة وحسب بل ضد العقيدة أيضاً ؛ فهم يعتبرون الإسلام مشكلة يجب حلها بالانتهاء منها وتجفيف ينابيعها لاستئصالها. أما المعتدلون فليست لديهم مشكلة مع العقيدة ، فهم يعتبرون أن الدين والإسلاميين حالة يمكن التعايش معها إذا أقيم حاجز بين الدين والسياسة للحيلولة دون ما يتصورنه "سلطة دينية". والأستاذ فهمي هويدي هو صاحب المقولة الشهيرة: "العلمانيون المعتدلون هم أقرب إلى الإسلاميين المعتدلين من الإسلاميين غير المعتدلين " ! اهـ كلام المسيري . والنتيجة التي ينتهي إليها الاثنان معاً ( هويدي والمسيري ) هي كما يقول هويدي: "إن كل تيار سياسي يحترم عقيدة الأمة ويلتزم بنصوص الدستور المعبرة عن ذلك يصبح من حقه أن يكتسب الشرعية وأن يكون شريكاً في الحياة السياسية للمجتمع الإسلامي ، ينسحب ذلك على مختلف فصائل العلمانيين المعتدلين سواء كانوا ليبراليين أو قوميين أو ناصريين أو ماركسيين " !

ويعلق المسيري على ذلك بقوله: "وإن الحوار بين فصائل الأمة المختلفة ممكن في إطار التعريفات الجزئية، أما التعريفات المادية الشاملة فإنها تسقط كل المرجعيات ولا تخلف لنا سوى الصراع في الداخل والتبعية لقوى العولمة في الخارج. ولعل الذين قرأوا مقال الأستاذ فهمي هويدي لاحظوا أن مطالبة الإسلاميين بتأكيدهم قبول التعددية التي تشمل التيار العلماني كانت موقفاً التقى عليه رأي آخرين من أهل الفقه والنظر ؛ في مقدمتهم الدكاترة يوسف القرضاوي وأحمد العسال ومحمد سليم العوا وعبد الغفار عزيز وسيف الدين عبدالفتاح وأبو العلا ماضي وعادل حسين. ومما يجدر ذكره أن فهمي هويدي ليس وحيداً في موقفه هذا بل يمكن القول بأن هذا الرأي هو الرأي الممثل للتيار الإسلامي الأساسي " .


أعتقد أن القارئ النابه لا يستطيع الآن أن يعرف -بعد هذا الذي سردته الآن- أين ذهب المسيري المفكر الفلسفي العميق؟


هل استغرقه الجهد في إيجاد مخرج للعلمانيين بهدف إيجاد مخرج لنفسه من الصدام مع النخبة الفكرية المسيطرة حتى ذاب تماماً في تيار السياسة؟!!

ولا بد أن ننظم الآن نقاط البحث حتى لا نذوب نحن أيضاً مع تيار السياسة هذا. ولذلك فإن ما يهمنا هنا هو ليس قبول التعايش أو عدم التعايش مع هذه العلمانية المعتدلة التي تتطابق إلى حد ما - لاحظ إصرار المسيري على استخدام مثل هذه الألفاظ (إلى حد ما ) حتى يحتفظ لنفسه دائماً بالقدرة على الإفلات من المحاسبة الفكرية الدقيقة مع العلمانية الجزئية- ولكن المهم بالنسبة لنا هنا هو هل هذه العلمانية الجزئية أو المعتدلة تتناقض مع الإسلام أو لا تتناقض؟


النقطة الثانية هي:
هل هذه العلمانية الجزئية تخرج في شيء عن العلمانية الشاملة أم أن المسألة لا تخرج عن كونها مجرد ادعاء سياسي يتم التستر به على الموقف الحقيقي من الدين أمام المجتمع الإسلامي؟

في الإجابة عن النقطة الأولى، ما هي المرجعية لنا في ذلك: هل هو الانتماء للوطن أو الانطلاق من المشروع الوطني العام أو الموقف من الاستعمار؟ إن مثل هذه الأمور قد تصح كمعايير للتعاون في القضايا العامة وهذا أمر سياسي ، ولكن ليس كمعايير لتحديد العلاقة بين العلمانية الجزئية والإسلام والتي لا يصح فيها إلا معيار واحد هو المرجعية الإسلامية التي تقرر أن الإسلام دين شمولي لا يقبل التجزئة ولا يقبل الاستعاضة عنه كمرجعية في أي أمر من أمور الحياة سواء كانت السياسة أو غير السياسة ، فإذا كانت هذه العلمانية الجزئية أو المعتدلة لا تقر الإسلام على ذلك وتصر على تنحيته كمرجعية في مجال السياسة أو في أي مجال آخر فهي تتناقض تماماً مع الإسلام. أما الحديث عن إمكانية التعاون مع هؤلاء العلمانيين أو عدم التعاون معهم فهذا حديث آخر ، ولكنه حديث من الخارج واستخدام ما قد يصح من مرجعية له كالموقف من الاستعمار أو الانتماء للوطن في تحديد العلاقة بين العلمانية المعتدلة والإسلام هو خلط ما هو سياسي بما هو عقائدي. ومن ثم فإن تولي مثل هذه الرؤية لا يؤدي إلا إلى المزيد من الارتباك في الواقع الفكري وينعكس سلباً على وضوح المواقف لدى الإسلاميين.

المسيري والعلمانيون العرب

يقول المسيري: "تتأرجح التعريفات العربية لمفهوم العلمانية بين العلمانية الجزئية بوصفها إجراء جزئياً لا علاقة له بالأمور النهائية مقابل العلمانية الشاملة بوصفها رؤية شاملة للكون". والذي يعنيه هذا الكلام هو عدم استطاعة تقسيم المسيري- الذي استمد مصداقيته من قدرته على التفسير- استيعاب هذه التعريفات أو تفسيرها. فماذا أدى المسيري به منهجه في التعامل مع العلمانيين العرب؟

يقدم حسين أحمد أمين (وما أدراك ما حسين أحمد أمين؟ ) فيقول عنه : إنه يُعرف العلمانية بأنها "محاولة في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة" ويعلق على ذلك قائلاً: "فكأن المرجعية النهائية هنا ليست علمانية وإنما مستمدة من نسق معرفي وأخلاقي آخر وكأن العلمانية تنحصر في الدائرة الصغيرة الجزئية". ثم يقول في موضع آخر "فكأن حسين أمين يرى أنه لا توجد ضرورة حتمية للصراع بين العلمانية والدين ، وأن كل ما حدث هو صراع نتيجة ظروف تاريخية طارئة، وهناك بعض المفكرين الإسلاميين -ممن يؤمنون بالتعددية والتدافع وضرورة الاجتهاد ومن ثم استحالة احتكار الحقيقة- يتفقون في بعض النقاط الأساسية مع حسين أحمد أمين". لم يذكر المسيري من هم هؤلاء المفكرون الإسلاميون الذين يتحدث عنهم ولكن ذكر بعض الأوصاف التي تستخدم عادة كأكليشيهات سياسية دون أن يكون لها معنى محدد (ممن يؤمنون بالتعددية والتدافع وضرورة الاجتهاد ) المهم أنه بهذا الكلام الهلامي أعطى حسين أحمد أمين جواز مرور من عدم التصادم مع الإسلام !

وحسين أحمد أمين هذا ( بعيداً عن علاقته الخاصة بالدوائر الغربية ) له مؤلفات شهيرة في الهجوم على الشريعة الإسلامية كبيرها وصغيرها ( راجع كتابنا: تزييف الإسلام وأكذوبة المفكر الإسلامي المستنير ) ، ولكن من الطبيعي أن يجد له مكاناً إسلامياً في رؤية المسيري الفضفاضة والمرتبكة في العلاقة بين الإسلام والعلمانية.

أما الأمثلة الأخرى التي يتخذها المسيري للمفكرين فأشد غرابة ؛ لأن نموذج حسين أحمد أمين نموذج معروف بالعلمانية الملتوية التي تحاول أن تتخذ ستاراً إسلامياً ، لكن ما بالكم بالدكتور فؤاد زكريا ذلك المفكر المادي المعروف والذي قد تمثل صراحته الفكرية أهم مميزات فكره؟! فيذكر المسيري أن الدكتور فؤاد زكريا يصف العلمانية بأنها "الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة" ويوضح فؤاد زكريا موفقه بقوله: "إن ما تريده العلمانية إن هو إلا إبعاد الدين عن ميدان التنظيم السياسي للمجتمع والإبقاء على هذا الميدان بشرياً بحتاً تتصارع فيه جماعات لا يمكن لواحدة منها أن تزعم أنها هي الناطقة بلسان السماء. فأساس المفاضلة بين المواقف المختلفة يجب أن يكون العقل والمنطق والمقدرة على الإتيان بالحلول الواقعية الناجحة "! ويذكر المسيري للدكتور زكريا أيضاً قوله: "إن العلماني المتحمس يرفض توجيه التنظيم السياسي للمجتمع توجيهاً يرتكز على سلطة الدين ، ولكنه في الوقت ذاته يتزوج بوثيقة شرعية إسلامية " ! ثم يتساءل المسيري -بفيض من البراءة المصطنعة ! - هذا السؤال العجيب: هل يمكن الحديث عن فؤاد زكريا بعد هذا باعتباره علمانياً شاملاً؟!! ولا أدري هل ينتظر المسيري أن يرفض الدكتور فؤاد زكريا الزواج بوثيقة شرعية إسلامية وهو يعيش بين أكناف مجتمع مسلم له ضغوطه الخاصة حتى يقبل الحديث عنه باعتباره علمانياً شمولياً؟!! ثم ما الذي يهمنا هنا في هذا المثال ( مثال الدكتور فؤاد زكريا ) في رفضه لتطبيق الشريعة الإسلامية في كونه علماني جزئي أو شامل في تحديد موقفه من الإسلام ولكن الدكتور المسيري بتلك الحيلة العجيبة ( ادعاء أن العلمانية الجزئية يمكنها التوافق مع الإسلام ثم ادعاء أن الدكتور زكريا فؤاد علماني جزئي ) أوجد له مخرجاً من تناقضه الفكري مع الإسلام.


ننتقل الآن إلى مثال آخر أكثر وضوحاً


فمحمد أركون قدم تعريفاً للعلمانية يقترب للغاية من التعريف الذي قدمناه حيث تكاد تتطابق عنده العلمانية مع "العقلانية التي تشكل أساس الحضارة الغربية وتذهب إلى ضرورة سيادة العقل البشري القائم على التفحص والتجريب والقياس الرياضي الدقيق".

ثم يعود فيخص الغرب بهذه العلمانية العقلانية التي يصفها بالجامدة والصراعية مع الدين ؛ لأن "مفكري أوروبا إذ يستمرون في العمل والتفكير داخل إطار الفكر المعلم كلياً ويستبعدون بشكل قطعي كل ما يخص البعد الديني من إنتاج المجتمعات البشرية فإنهم يجترجون عملاً تعسفياً لا منطقياً ولا عقلانياً.

حسناً. إذاً ما هي العلمانية التي يحبذها ( المفكر الموضوعي الكبير ! ) محمد أركون؟ يتلخص ذلك بحسب ما يعرضه المسيري لموقفه في هذه الأسئلة التي يطرحها: "هل يحق للإنسان أن يعرف أسرار الكون والمجتمع أم لا يحق؟ هل نثق بعقله في استكشاف المجاهيل وقيادة التاريخ أم لا نثق؟ هل هو قادر بواسطة عقله -وعقله فقط- على فهم الأشياء واتخاذ القرار أم غير قادر؟

يقول أركون: إنه توجد إجابتان على هذه التساؤلات فالبعض يقول: إن الإنسان بحاجة إلى قوة خارجية ( فوق طبيعية ) لكي تسيره وتسير أموره. والبعض الآخر يقول: "لا. إن الإنسان قادر بحد ذاته على تسيير أموره وحل مشاكله وتشكيل الصيغ الأجمل والأفضل للحياة في المجتمع ، وفي الحالة الأول نكون من أتباع الإنسية الدينية ، وفي الحالة الثانية نكون من أتباع الإنسية الحديثة". وينادي أركون بما يسميه العلمانية المنفتحة التي تعمل على التوفيق بين الإجابتين حيث أن "هذه العلمنة الإيجابية تأخذ الإنسان في كليته المادية والروحية دون أن يؤثر بعد من أبعاده على حساب البعد الآخر". ولكن أركون عندما يتحدث مباشرة عن برنامجه العلمي الإصلاحي يقول: "كل ما أطلبه من أجل إدخال العلمنة الصحيحة في المجتمعات العربية والإسلامية هو إلغاء برامج التعليم السائدة، وإلغاء الطريقة اللاتاريخية والعقائدية التبشيرية لتعليم الدين في المدارس العامة وإحلال تاريخ الأديان والأنثربولوجيا الدينية محله" !

ويبدو أن هذه الخطوة الأخيرة أدت إلى ارتباك المسيري أو ادعائه الارتباك في تحديد موقف أركون من الدين إذ يقول: "ببدو أن محمد أركون قد نسي الهدف الأساسي من برنامجه الإصلاحي! وهو إتاحة إمكانية وجود روحانية جديدة.. إذ إنه بدلاً من ذلك يحدد الهدف من برنامجه بأنه "دراسة بنية العقل الديني وطريقة اشتغاله ووظائفه. ولا تهم مضامين العقائد والمذاهب بحد ذاتها". وكأن المسيري قد صدق بالفعل أن علمانية أركون تسمح بإمكانية وجود روحانية جديدة كما يدعي؟ يالبراءة المسيري!

ولهذه البراءة العجيبة وضع الرجل في خانة المترددين بين العلمانية الجزئية والشاملة.

والمسألة ببساطة هي أن أركون ما فعل سوى ما اعتاد فعله العلمانيون العرب ؛ وهو التهويم باقتصار الرؤية العلمانية على المسائل السياسية والواقعية فقط دون التدخل في العقائد ، ولكن عندما يتعلق الأمر بالخطوات العملية فلا مناص من القفز إلى قلب هذه العقائد والإطاحة بها تماماً. لكن المسيري لا يقول إنه يفهم هذا ، ومن ثم يزعم أنه أصيب بالارتباك من موقف الرجل.

إن المسيري بعد أن ناقش التعريفات السابقة والكثير غيرها للعلمانيين العرب يعلق على ذلك فيقول: "معظم التعريفات أهملت قضية المرجعية النهائية للمصطلح ( والمفهوم ) [ وهل تحتاج العلمانية إلى مرجعية نهائية غير نفسها؟!] ومن ثم لم يتم التمييز بين الدائرتين: الصغيرة الجزئية والكبيرة الشاملة".

وإهمال تعريفات العلمانيين العرب للتمييز بين الدائرتين ليس عيباً فيها ، وإنما العيب في فكر المسيري الذي توهم وجود مثل هاتين الدائرتين ، ثم جعل من هذا الوهم محكاً للحكم على هذه التعريفات. بل إن اعتراف المسيري نفسه بإهمال هذه التعريفات لذلك التمييز يُظهر مدى ما بذله من تكلف من الاستخراج المصطنع لوجود مثل هاتين الدائرتين في تلك التعريفات. إن قلة قليلة من العلمانيين العرب ( وهذا أمر طبيعي تماماً نظراً للتشبث المجتمعي بالإسلام رغم كل العداءات ) هي التي من الممكن أن تتبنى صرامة موقف العلمانية الحقيقي الإقصائي من الدين ، ولكن الغالب الأعم منهم يبحث دائماً عن شكل ما من أشكال الاحتيال الفكري الذي لا يضعه في هذا التعارض الصريح مع الدين ، ويكاد يتمثل الجانب الأكبر من تاريخ الفكر العلماني في العالم العربي في تلك الجهود المبذولة في اتخاذ مثل تلك الأشكال المختلفة من الاحتيال الفكري.

 



ولكن الدكتور عبدالوهاب المسيري يعطي بهذا الاختلاف المصطنع لما سمي بالعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة تسويغاً اجتماعياً (يحاول أن يضفي عليه مسحة من الإسلامية ) لكل هذا الغالب الأعم. ولأن أصعب شيء على نفس هؤلاء العلمانيين هو التأكيد على تلك الحدود الفاصلة بين الإسلام والعلمانية ، فإن ذلك يبرز خطورة تيار الوسطية بين الإسلام والعلمانية ( والذي أعطاه المسيري بكتابه هذا زخماً كبيراً ) والذي يُدفع للانتشار والهيمنة على الأجهزة الإعلامية من جهات عديدة ، وتتمثل غاية ذلك التيار الأساسية التي تُبذل من أجلها كل جهوده في محو تلك الحدود الفاصلة بين الإسلام والعلمانية ! " .
انتهى كلام الدكتور محمد مبروك – وفقه الله - .

تعليق

1- قول الأستاذ مبروك الأخير : " إن ذلك يبرز خطورة تيار الوسطية بين الإسلام والعلمانية ( والذي أعطاه المسيري بكتابه هذا زخماً كبيراً ) والذي يُدفع للانتشار والهيمنة على الأجهزة الإعلامية من جهات عديدة ، وتتمثل غاية ذلك التيار الأساسية التي تُبذل من أجلها كل جهوده في محو تلك الحدود الفاصلة بين الإسلام والعلمانية " ، يجد القارئ مصداقه في هذا الرابط ( العصرانية قنطرة العلمانية ) .

2- ذكر الأستاذ بعض الأسماء : هويدي - الغنوشي - فؤاد زكريا - أركون - حسين أمين - عمارة .. تجد التفصيل عنهم على هذه الروابط : ( هنا ) و ( هنا ) و ( هنا ) .

3- ذكر الأستاذ شبهتهم في الاستدلال بحديث : " أنتم أعلم بأمور دينكم " . تجد ردها على ( هذا الرابط ) و ( هذا ) . والله الموفق ..


 

سليمان الخراشي
  • كتب ورسائل
  • رسائل وردود
  • مطويات دعوية
  • مـقــالات
  • اعترافات
  • حوارات
  • مختارات
  • ثقافة التلبيس
  • نسائيات
  • نظرات شرعية
  • الصفحة الرئيسية