اطبع هذه الصفحة


سنية انتقال المصلي من المكان الذي صلى فيه الفريضة للنافلة ( بحث مختصر )

سليمان بن صالح الخراشي

 
هذا بحث مختصر عن سنية الانتقال من المكان الذي صلى فيه الفرض إذا أراد التطوع ، كتبه الأخ محمد بن إبراهيم الخريجي – وفقه الله - ، بناء على طلب أحد العلماء ، قبل سنين عديدة .
قال : " إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد: فهذا بحث في مسألة عملية وهي: أداء النافلة في المكان الذي صُليت فيه الفريضة أو الانتقال إلى مكان آخر.
وبعد البحث في هذه المسألة عثرت للعلماء على ثلاثة آراء فيها:
الأول: رأي من يقول بانتقال المصلي سواء كان إماماً أو مأموماً من مكانه الذي صلى فيه الفريضة إذا أراد أن يتنقل.
وبه يقول: ابن عباس وابن الزبير وابن سعيد وإحدى الروايتين عن ابن عمر رضي الله عنهم، ورجحه النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني وغيرهم ممن سوف يرد بالتفصيل.
الثاني: رأي من يقول بانتقال المصلي إذا كان إماماً من مكانه الذي صلى فيه الفريضة إذا أراد أن ينتقل وبه يقول: علي رضي الله عنه وإحدى الروايتين عن ابن عمر رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب والحافظ بن حجر.
الثالث: رأي من جوز للمصلي أن يتنفل في مكانه الذي صلى فيه ، وبه يقول ابن مسعود رضي الله عنه والبخاري وسعيد بن المسيب.
هذا وسوف أقوم إن شاء الله بسرد أقوال كل رأي مفصلاً فأسأل الله العون والسداد.

أدلة الرأي الأول: الذي يقول: بانتقال المصلي سواء كان إماماً أو مأموماً من مكانه الذي صلى فيه الفريضة إذا أراد أن يتنفل.
1-قوله تعالى: ( فما بكت عليهم السماء والأرض...) سورة الدخان: 29.
2-وقوله تعالى: ( يومئذ تحدث أخبارها) سورة الزلزلة: 4. قال الشوكاني في نيل الأوطار (3/197) بعد أن ذكر بعض الأدلة على مشروعية انتقال المصلي من مكانه إذا أراد أن يتنفل: "والعلة في ذلك تكثير مواضع العبادة كما قال البخاري والبغوي لأن مواضع السجود تشهد له كما في قوله تعالى ( يومئذ تحدث أخبارها) أي تخبر بما عمل عليها وورد في تفسير قوله تعالى ( فما بكت عليهم السماء والأرض) أن المؤمن إذا مات بكي عليه مصلاه في الأرض ومصعد عمله في السماء ، وهذه العلة تقتضي أن ينتقل إلى الفريضة من موضع نفله وأن ينتقل لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل ، ولما م ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام لحديث النهي عن أن توصل صلاة بصلاة حتى يتكلم المصلي أو يخرج أخرجه مسلم وأبو داود" ا.هـ
3-وأخرج الترمذي في التفسير (3308) باب من سورة الدخان، وأبو يعلى في مسنده (7/160-161 رقم 4133) كلاها من طريق يزيد بن أبان الرقاشي، قال أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من مؤمن إلا وله بابان: بابٌ يصعد منه عمله، وبابٌ ينـزل منه رزقه ، فإذا مات بكيا عليه، فذلك قوله: "فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين".
وهذا سنده ضعيف جداً لضعف يزيد بن أبان الرقاشي وموسى بن عبيدة الربذي، وذكره الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي برقم 641 ص 413.
4-وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو أحمد يعني الزبيدي حدثنا العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبدالله قال سأل رجل علياً رضي الله عنه : هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له : لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض ومصعد معمله في السماء، وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا عمل يصعد في السماء ثم قرأ علي رضي الله عنه "فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين". وهذا الإسناد فيه عباد بن عبدالله الأسدي وهو ضعيف والعلاء بن صالح وهو صدوق له أوهام.
5-لكن الحديث يتقوى بالحديث التالي: قال ابن جرير في تفسيره 25/124-125: حدثنا أبو كريب حدثنا طلق بن غنام عن زائدة عن منصور عن منهال عن سعيد بن جبير قال أتى ابن عباس رضي الله عنهما رجل فقال له : يا أبا العباس أرأيت قوله تعالى: ( فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين) فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال رضي الله عنه: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينـزل رزقه وفيه يصعد عمله فإذا مات المؤمن فأغلق بابه في السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينـزل منه رزقه ففقده بكى عليه وإذا فقده مصلاه في الأرض التي كان يصلي فيها وبذكر الله عز وجل فيها بكت عليه. وهذا سنده حسن.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ( فما بكت عليهم السماء والأرض...) ج4/126 أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم... ثم ساق الأحاديث السابقة.
6-وقال الترمذي (ج9 ص285 الأحوذي): حدثنا سويد بن نصر أخبرنا عبدالله بن المبارك أخبرنا سعيد ابن أبي أيوب عن يحيى ابن أبي سليمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ( يومئذ تحدث أخبارها) قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبدٍ وأمةٍ بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يومَ كذا، كذا وكذا، فهذه أخبارها، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب وسنده ضعيف لضعف يحيى بن أبي سليمان. وذكره الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي برقم 664 ص437.
7-وفي معجم الطبراني من حديث ابن لهيعة حدثني ابن يزيد سمع ربيعة الجرشي أن رسول اله الله صلى الله عليه وسلم قال: "تحفظوا في الأرض فأنها أمكم وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة".
ذكره الشيخ الألباني في ضعيف الجامع برقم 2407 وقال ضعيف وقال ابن كثير في تفسيره هذه الآية ( يومئذ تحدث أخبارها) ج4 ص472 أي تحدث بما عمل العاملون على ظهرها، ثم ساق الأحاديث السابقة.
8-وأخرج أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي أخبرنا عبدالرزاق أنبأنا ابن جريج أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن يزيد ابن أخت عمر يسأله عن شيء رأى من معاوية في الصلاة فقال: "صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلمت قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال: لا تعد لما صنعت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك أن لا توصل صلاة بصلاة حتى تتكلم أو تخرج" 3/479 (عون المعبود).
أخرجه عبدالرزاق ج2 ص417، وابن أبي شيبة 2/139، ومسلم 2/602 ترتيب عبدالباقي، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 2/191 وذكره الشيخ الألباني في صحيح أبو داود 1/209 برقم 999- 1129.
ثم قال البيهقي بعد أن ساق الحديث السابق: أخبرناه أبو صالح بن أبي طاهر أنبأنا جدي يحيى بن منصور القاضي حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا عبدالرحمن بن بشر ومحمد بن رافع قالا حدثنا عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج فذكره بنحوه إلا أنه قال فلما سلمت قمت ولم يذكر الإمام وهذه الرواية تجمع الجمعة وغيرها حيث قال لا توصل صلاة بصلاة ، وتجمع الإمام والمأموم، وقد ذكر الشافعي –رحمه الله- في رواية المزني عند عبدالمجيد بن عبدالعزيز عن ابن جريج هذه الرواية وقد نقلها مع أثر بن عباس ا.هـ
9-قال ابن أبي شيبه ج2 ص208: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ليث عن الحجاج ابن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله يعني السُبحة.
هذا الحديث أخرجه أبو داود (عون المعبود 3/308)، وأخرجه ابن ماجه 1/458، وهو من زيادات ابن الإمام أحمد في المسند "18/139 رقم الحديث 9492 تحقيق الشيخ أحمد شاكر؛ وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 2/190، وذكره الشيخ الألباني في صحيح الجامع 1/519 وقال: صحيح وكذلك ذكره في صحيح أبو داود ج1 ص188 رقم الحديث 885-1006".
وقد بوب البخاري –رحمه الله- في صحيحه (باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام) ...، ثم قال: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإمام في مكانه ولم يصح"
قال ابن حجر في الفتح (2/335): قوله (ويذكر عن أبي هريرة رفعه) أي قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوله (لا يتطوع الإمام في مكانه) ذكره بالمعنى ولفظه عند أبي داود "أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر..." ولابن ماجه "إذا صلى أحدكم..." زاد أبو داود يعني في السُبحة وللبيهقي "إذا أراد أحدكم أن يتطوع بعد الفريضة فليتقدم..." قوله (لم يصح) هو كلام البخاري وذلك لضعف إسناده واضطرابه تفرد به ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، واختلف عليه فيه وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في تاريخه وقال "لم يثبت هذا الحديث. أ.هـ وقال الشيخ أحمد شاكر "المسند تحقيقه 18/139": ليث هو ابن أبي سليم وإبراهيم بن إسماعيل ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم "مجهول" واختلف في إسناد الحديث قال ابن حجر والخلط فيه من ليث ابن أبي سليم وقال البخاري "ولم يصح إسناده" وانظر التهذيب ترجمة حجاج وترجمة إبراهيم والمراد من الحديث ألا يتطوع المصلي في مكان صلاة الفريضة. أ.هـ
وهذا السند ضعيف جداً لضعف ليث بن أبي سليم واضطرابه في الحديث ولجهالة الحجاج بن عبيد وجهالة حال إبراهيم بن إسماعيل.
10-وقد أخرج عبدالرزاق في المصنف 2/417، هذا الحديث قال: عن معمر عن ليث عن عبدالرحمن بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا صلى أحدكم المكتوبة فأراد أن يتطوع بشيء فليتقدم قليلاً، أو يتأخر قليلاً أو عن يساره".
وهذا اختلاف آخر على ليث.
11-قال ابن أبي شيبه 2/208: حدثنا ابن عُليه عن أيوب عن عطاء أن ابن عباس وابن الزبير وأبا سعيد وابن عمر رضي الله عنهم كانوا يقولون : لا يتطوع حتى يتحول من مكانه الذي صلى فيه الفريضة.
وهذا إسناده صحيح.
12-وقد أخرج عبدالرزاق 2/416: عن ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: من صلى المكتوبة ثم بدا له أن يتطوع فليتكلم أو فليمش وليصل أمام ذلك قال : وقال ابن عباس: أني لأقول للجارية: انظري كم ذهب من الليل؟ ما بي إلا أن أفصل بينهما.
وهذا سند رجاله ثقات لكن ابن جريج مدلس ولم يصرح بالسماع.
13-وقد أخرج البيهقي (2/191) قال: أخبرنا أبو الحسن علي ابن أحمد بن عبدان أنبأنا القاضي أبو بكر أحمد بن محمود بن خرزاد حدثنا موسى بن إسحاق القاضي حدثنا إبراهيم بن محمد يعني الشافعي حدثنا داود عن عمرو قال قال ابن عباس رضي الله عنهما : من صلى الفريضة ثم أراد أن يصلي بعدها فليتقدم أو ليكلم أحداً.
وهذا إسناد ضعيف لأجل أحمد بن محمود بن خُرزاد القاضي فإنه إما مجهول أو ضعيف كما يتضح من مراجعة ترجمة يعيش بن هشام، في لسان الميزان 6/314.
14-وقد أخرج عبدالرزاق 2/416: عن ابن جريج عن عطاء قال أخبرني من رأى ابن عمر وصلى رجل المكتوبة ثم قام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة يتطوع فيه فدفعه ابن عمر فلما انصرف قال له ابن عمر: هل تدري لم دفعتك؟ قال: لا غير أني أرى أنك لم تدفعني إلا لخير . قال: أجل من أجل أنك لم تتكلم منذ انصرفت من المكتوبة ولم تصل أمامك".
وقد أخرجه البيهقي إلا أن عطاء قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهم ... (2/191).
15-وقد أخرجه أبو داود "عون المعبود 3/476" قال: حدثنا محمد بن عبيد وسليمان بن داود المعنى قالا أخبرنا حماد بن زيد أخبرنا أيوب عن نافع "أن ابن عمر رأى رجلاً يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعاً؟ وكان عبدالله يصلي يوم الجمعة ركعتين في بيته ويقول: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا سنده صحيح، وذكره الألباني في صحيح أبو داود برقم 997-1127 (1/209) وقال: صحيح.
16-وقد أخرج الإمام أحمد في المسند (5/368) قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الأزرق بن قيس عن عبدالله بن رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر فقام رجل يصلي فرآه عمر رضي الله عنه فقال له : اجلس فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحسن ابن الخطاب".
وهذا إسناده صحيح حيث أن جهالة الصحابي لا تضر.
وقد أخرجه عبدالرزاق في المصنف 2/432، وأبو يعلى في مسنده 13/107، (وأخرجه أبو داود "عون المعبود 3/309" وكذلك البيهقي 2/190 وكلاهما في الإسناد المنهال بن خليفة العجلي وهو ضعيف كما في التقريب ص 547. وأشعث بن شعبة المصيصى وهو مقبول كما في التقريب ص 113. وقد ذكره الشيخ الألباني في ضعيف أبو داود برقم 215-1007 وكذلك في المشكاة 1/306 برقم 972).
وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2/234 وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح ، قال في عون المعبود 3/311: قال صاحب إعلام أهل العصر: والظاهر أن عمر رضي الله عنه لم يرد الفصل فصلاً بالتقدم لأنه قال له اجلس ولم يقل تقدم أو تأخر، فتعين الفصل بالزمان، وأما الفصل بالتقدم أو التأخر فكما أخرجه مسلم في حديث معاوية رضي الله عنه وفيه إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة... الحديث" أ.هـ
17-وقال ابن أبي شيبة في المصنف 2/139: حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبدالملك بن أبي سليمان قال حدثنا عطاء قال رأيت ابن عمر صلى الجمعة ثم تنحى من مكانه فصلى ركعتين فيهما خفة ثم تنحى من مكانه ذلك فصلى أربعاً هي أطول من تيك.
وهذا سنده صحيح. وقد أخرجه البيهقي 3/240-241، (وأخرجه أبو داود "عون المعبود 3/483" من طريق ابن جريج أخبرني عطاء...[زاد فيه] قلت لعطاء: كم رأيت ابن عمر يصنع ذلك؟ قال: مراراً. وذكره الشيخ الألباني في صحيح أبو داود 1/210 برقم 1003-1133 وقال: صحيح).
18-وأخرج أبو داود "عون المعبود ج3 ص480" قال: حدثنا محمد بن عبدالعزيز بن أبي رزمة المروزي أنبأنا النضل بن موسى عن عبدالمجيد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء عن ابن عمر قال: "كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد، فقيل له، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك". وقد ذكره الشيخ الألباني في صحيح أبو داود 1/210 برقم 1000-1130 وقال: صحيح .
19-وقد أخرج ابن أبي شيبه في المصنف 2/139 قال: حدثنا أبو معاوية عن أبي قلابة قال صليت معه الجمعة فلما قضيت صلاتي أخذ بيدي فقام في مقامي وأقامني مقامه.

ثانياً: أدلة من قال بالرأي الثاني القائل: بانتقال المصلي إذا كان إماماً من مكانه الذي صلى فيه الفريضة إذا أراد أن يتنفل.
1-أخرج أبو داود "عون المعبود 2/333" قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا عبدالعزيز بن عبدالملك القرشي حدثنا عطاء الخرساني عن المغيرة بن شعبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول".
وسنده ضعيف، قال أبو داود : عطاء الخرساني لم يدرك المغيرة بن شعبة وقد أخرجه البيهقي في السنن 2/190 – شرح السنة للبغوي 3/215.
وقد ذكره الشيخ الألباني في صحيح أبو داود 1/122 برقم 576-616 وقال صحيح، وقد ذكره كذلك في مشكاة المصابيح 1/300 وقال: هو منقطع، وفيه علة أخرى: وهي جهالة عبدالعزيز بن عبدالملك القرشي، لكن الحديث صحيح فإن له شاهدين ذكرتهما في صحيح أبي داود . اهـ.
2-وقد أخرج ابن أبي شبيه في المصنف 2/209 قال: حدثنا شريك عن ميسرة بن المنهال عن عمار بن عبدالله عن علي رضي الله عنه قال: إذا سلم الإمام لم يتطوع حتى يتحول من مكانه أو يفصل بينهما بكلام.
كذا جاء في المصنف "عمار بن عبدالله" وصوابه "عباد بن عبدالله".
فقد أخرجه كذلك عبدالرزاق في مصنفه 2/417 قال: عن الثوري عن ميسرة بن حبيب النهدي عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبدالله الأسدي عن علي رضي الله عنه قال: لا يصلح للإمام أن يصلي في المكان الذي أم فيه القوم حتى يتحول، أو يفصل بكلام. وهذا إسناده ضعيف لضعف عباد.
وقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/209 والبيهقي في السنن 2/191 إلا أنه قال: قال علي رضي الله عنه : من السنة إذا سلم الإمام أن لا يقوم من موضعه الذي صلى فيه يصلي تطوعاً حتى ينحرف أو يفصل بكلام.
3-وقد أخرج ابن أبي شيبة 2/209 قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن أبي إسحاق عن الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كره إذا صلى الإمام أن يتطوع في مكانه ولم ير به لغير الإمام بأساً.
وهذا إسناد ضعيف فيه حجاج بن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس ولم يصرح هنا بالسماع ، وأبو إسحاق السبيعي ثقة إلا أنه مدلس واختلط.
4-وأخرج ابن أبي شبية 2/209 قال: حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن عبدالله بن عمرو أنه كره للإمام أن يصلي مكانه الذي صلى فيه الفريضة وهذا إسناد ضعيف أيضاً فيه حجاج بن أرطاة وتقدم الكلام عنه وإبراهيم بن مهاجر وهو صدوق لين الحفظ.
5-وبه يقول: سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي.
أخرجه ابن أبي شبيه في المصنف 2/209.
6-قال الحافظ بن حجر (الفتح 2/335): ويؤخذ من مجموع الأدلة أن للإمام أحوالاً ؛ لأن الصلاة إما أن تكون مما يتطوع بعدها أولا يتطوع، الأول اختلف فيه هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور ثم يتطوع؟ وهذا الذي عليه عمل الأكثر ، وعند الحنفية يبدأ بالتطوع، وحجة الجمهور حديث معاوية. ويمكن أن يقال : لايتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر بل إذا تنحى من مكانه كفى، فإن قيل لم يثبت الحديث في التنحي قلنا: قد ثبت في حديث معاوية "أو تخرج" ويترجح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة) ا.هـ

ثالثاً: أدلة من قال بالرأي الثالث القائل: بجواز أن يصلي التطوع في المكان الذي صلى فيه الفريضة.
1-قال البخاري "الفتح 2/334": وقال لنا آدم حدثنا شعبة عن أيوب عن نافع قال : "كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة" وفعله القاسم. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/209 والبيهقي في السنن 2/191.
2-أخرج عبدالرزاق في المصنف 2/418 قال: عن عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يؤمهم ثم يتطوع في مكانه، قال وكان إذا صلى المكتوبة سبح مكانه.
ولا يفهم من هذا أن ابن عمر رضي الله عنه كان يصل صلاة بصلاة لأنه يمكن التوفيق بينه وبين ما سبق نقله عنه أنه فصل بينهما هنا بكلام من ذكر أو غيره.
3-أخرج ابن أبي شيبه في المصنف 2/209 قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي بحر عن شيخ قال سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن الرجل يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة قال : لا بأس به.
أخرجه عبدالرزاق في المصنف 2/419 البيهقي في السنن 2/192. وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن مسعود رضي الله عنه.
4-أخرج ابن أبي شيبة في المصنف 2/209 قال: حدثنا معتمر عن عبدالله بن عمر قال : رأيت القاسم وسالم يصليان الفريضة ثم يتطوعان في مكانهما.
5-وبه يقول عطاء وسعيد بن المسيب وطاووس. انظر مصنف ابن أبي شبية 2/209، مصنف عبدالرزاق 2/418.

الخاتمة: ومما سبق يتضح لنا أن :
1-الرأي الأول أقوى الآراء للأدلة الصحيحة التي يستدل بها له وهي:
1- قوله تعالى: ( فما بكت عليهم السماء والأرض...) تقدم ص 2 برقم1.
2- قوله تعالى: ( يومئذ تحدث أخبارها) تقدم ص 2 برقم 1.
3- حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن لا توصل صلاة بصلاة حتى تتكلم أو تخرج تقدم برقم 8.
4- قول ابن عباس وابن الزبير وأبي سعيد وابن عمر رضي الله عنهم لا يتطوع حتى يتحول من مكانه الذي صلى فيه الفريضة. تقدم برقم 11.
5- عن نافع "أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلاً يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعاً؟... الحديث " برقم15.
6-حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العصر فقام رجل يصلي فرآه عمر رضي الله عنه فقال له اجلس ... الحديث" تقدم برقم 16.
وغيرها مما قد صح أيضاً وسبق ذكره.
2-الرأي الثاني ضعيف حيث أن أدلته ضعيفة كما سبق.
3-الرأي الثالث فيه أثر ابن عمر رضي الله عنهما وهو صحيح لكن يوفق بينه وبين ماقبله أنه صح عنه أيضًا رضي الله عنه أنه يرى الرأي الأول، وبأنه فصل بين الصلاتين بكلام من ذكر أو غيره.

وهذا الترجيح هو الذي يقول به جمهور العلماء وبه يقول النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني رحمهم الله وسنذكر أقوالهم كما يأتي: - قال النووي في المجموع 3/491-492: قال أصحابنا فإن لم يرجع إلى بيته وأراد التنفل في المسجد يستحب أن ينتقل عن موضعه قليلاً لتكثير مواضع سجوده ، هكذا علله البغوي وغيره ، فإن لم ينتقل إلى موضع آخر فينبغي أن يفصل بين الفريضة والنافلة بكلام إنسان ، واستدل البيهقي وآخرون من أصحابنا وغيرهم بحديث عمرو بن عطاء "أن نافع بين جبير أرسله إلى السائب يسأله عن شيء رآه من معاوية رضي الله عنه في الصلاة فقال : صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال : لا تعُد لما فعلت ، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج رواه مسلم فهذا الحديث هو المعتمد في المسألة ، وأما حديث عطاء الخراساني عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي الإمام في الموضع الذي يصلي فيه حتى يتحول" فضعيف رواه أبو داود وقال : عطاء لم يدرك المغيرة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر عن يمينه أو عن شماله في الصلاة يعني النافلة" رواه أبو داود بإسناد ضعيف وضعفه البخاري في صحيحه ، قال أصحابنا : فإذا صلى النافلة في المسجد جاز وإن كان خلاف الأفضل ..." ا.هـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية "الفتاوى 24/202": والسنة الفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها كما ثبت عنه في الصحيح "أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام" فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس يصل السلام بركعتي السنة ، فإن هذا ركوب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا من الحكمة : التمييز بين الفرض وغير الفرض كما يميز بين العبادة وغير العبادة ، ولهذا يستحب تعجيل الفطور وتأخير السحور والأكل يوم الفطر قبل الصلاة ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين ، فهذا كله للفصل بين المأمور به من الصيام وغير المأمور به والفصل بين العبادة وغيرها. وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها.
وأيضاً فإن كثيرًا من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر ويُظهرون أنهم سلموا، وما سلموا ، فيصلون ظهراً ويظن الظان أنهم يصلون السنة ، فإذا حصل التمييز بين الفرض والنفل كان هذا منعًا لهذه البدعة وهذا له نظائر كثيرة والله سبحانه أعلم.اهـ .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار 3/197 بعد سياق حديث المغيرة بن شعبة: لا يصلي الإمام ...الحديث" وحديث أبو هريرة: أيعجز أحدكم...الحديث" قال: والحديثان يدلان على مشروعية انتقال المصلي عن مصلاه الذي صلى فيه لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل. أما الإمام فبنص الحديث الأول وبعموم الثاني. وأما المؤتم والمنفرد فبعموم الحديث الثاني والقياس على الإمام.
والعلة في ذلك تكثير مواضع العبادة كما قال البخاري والبغوي ؛ لأن مواضع السجود تشهد له كما في قوله تعالى (يومئذ تحدث أخبارها) أي تخبر بما عمل عليها ، وورد في تفسير قوله تعالى ( فما بكت عليهم السماء والأرض) أن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء وهذه العلة تقتضي أيضاً أن ينتقل إلى الفرض من موضع نفله وأن ينتقل لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل ، وإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام لحديث النهي عن أن توصل صلاة بصلاة حتى يتكلم المصلي أو يخرج أخرجه مسلم وأبو داود. ا.هـ
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والله أعلم.


كتبه / محمد بن إبراهيم الخريجي
2/4/1412هـ

 
سليمان الخراشي
  • كتب ورسائل
  • رسائل وردود
  • مطويات دعوية
  • مـقــالات
  • اعترافات
  • حوارات
  • مختارات
  • ثقافة التلبيس
  • نسائيات
  • نظرات شرعية
  • الصفحة الرئيسية