اطبع هذه الصفحة


قراءةٌ نقديةٌ لبحث سعود السرحان:
«الحكمة المصلوبة : مدخل إلى موقف ابن تيمية من الفلسفة»

1428

عبدالله بن عبدالعزيز الهدلق

 
بسم الله الرحمن الرحيم

قَبْل البَدْء:
إضاءةٌ لمدخلٍ آخَر


«علم الاستغراب ليس حديثاً؛ لأن علاقتنا بالغرب أيضاً ليست فقط وليدة العصر الحديث، بل تمتد جذورها منذ نشأة الأنا الحضارية المتمثل للتراث الإسلامي عبر أربعة عشر قرناً أو يزيد. ففي علاقتنا باليونان كما فعل القدماء تمتد جذور علم الاستغراب. اليونان جزءٌ من الغرب، جغرافياً، وتاريخياً، وحضارياً، وإلى اليونان والرومان تَمتدّ مصادر الوعي الأوربيّ»[1].
 
هل لي أن أذهبَ ـ من خلال هذا النص لحسن حنفي ـ إلى أنّ افتتانَ بعضِ مثقفينا بالمثال الغربيِّ ليس وليدَ هذا العصر الحاضر، وأنَّ متقدمي الفلاسفة في تاريخنا الثقافي إنما كانوا يمهِّدون لهذا الشعور بالنقص الحضاريِّ الذي نحياه؛ حين فُتنوا بالمثال الغربي في أسمى صُوَره الثقافية آنذاك: «الفلسفة اليونانية»؟
وهل كان حسن حنفي يعلم وهو يكتب «مقدمته في علم الاستغراب» أنه ـ وإن لم يقصد إلى ذلك ـ سينير لأحد الباحثين رؤيةً جديدةً لتراث ابن تيميّة قَلَّ أن تنبَّه لها دارسوه؟
«لماذا تُعَدُّ أبحاث وكتاباتُ ابن تيمية حول الفلسفة اليونانية عامةً، والمنطق الأرسطي خاصةً، جذوراً أو إرهاصاتٍ لعلم الاستغراب؟
 
ابتداءً أُقرّر أن قراءتي لكتاب «مقدمة في علم الاستغراب» للدكتور حسن حنفي منذ أربع سنوات؛ أوحت إليَّ بفكرة إعداد دراسة خاصة عن «الرد على المنطقيين» للإمام ابن تيمية وربطه بعلم الاستغراب.
 
فجذور هذا العلم ترجع ـ في نموذجه القديم ـ إلى علاقة الحضارة الإسلامية بالحضارة اليونانية، عندما كانت الحضارة الإسلامية ذاتاً دارساً، استطاعت أن تحوِّل الحضارة اليونانية إلى موضوع
دراسة .. فإذا أضفنا إلى ذلك الأهدافَ التي توخّاها ابن تيمية والتي يسعى إليها علم الاستغراب المعاصر ـ عند بنائه واكتماله ـ نجد الاتفاق إن لم يكن المطابقة.
 
فأهداف علم الاستغراب؛ السيطرةُ على الوعي الأوربي، التقليلُ من إرهابه، وأنه ليس بالوعي الذي لا يقهر.
 
أما ابن تيمية فإنه نموذج من نماذج الفكر الإسلامي، الذي استطاع تمثُّل الحضارات السابقة دون أن يفقد هويته؛ ثم قام بنقدها.
 
وإذا كنا نعترف أنه طالما أن الغرب قابعٌ في قلوب الكثير منا كمصدرٍ للمعرفة، وكإطارٍ مرجعيٍّ يحالُ إليه كلُّ شيءٍ للفهم والتقييم؛ فسنظلُّ قاصرين وفي حاجة دوماً إلى أوصياء.
نقول قبل ذلك ومعه: إن ابن تيمية كان يهدف إلى إزاحة الرهبة من الآخر وكشفه وتحجيمه، والتصدي لأي وصاية فكرية تصدر منه.
 
لقد أراد ابن تيمية للإنسان المسلم أن يفكر بعقله ولا يدع أفلاطون أو أرسطو أو أفلوطين يفكرون له.» [2].
 



 .. قرأتُ ما كتبه سعود السرحان في بحثه «الحكمة المصلوبة: مدخل إلى موقف ابن تيمية من الفلسفة»، ومع أني تهيَّبتُ أوَّلَ أمري ولوجَ «مدخل مظلم» عُلِّقتْ على بابه «حكمة مصلوبة» تقطر دماً! إلا أني اتخذتُ شيئاً يشبه ذاك الذي يضعه مرتادو الأغوار والكهوف على رؤوسهم فينير لهم الطريق.. ودخلتُ.
 
تكمُنُ مشكلة بعض زملائنا الذين تسرّبوا من مدرستنا السلفية في تَوَهُّمه أنه حين يكتب شيئاً ثقافياً؛ إنما يؤسس لمرحلة مهمة من تاريخ حياتنا الثقافية، وتظلُّ تُداعب خيالَه أسماءُ: الطهطاوي، والأفغاني، وقاسم أمين، ومحمد عبده، وعلي عبدالرازق، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين... فيلقي في «شيئه الثقافي» هذا بعض الكلمات؛ عسى أن يهتدي إليها دارسو تراثه في المهرجان الذي سيقام بمناسبة الاحتفال بالمئوية الأولى لولادته!
وذلك كقول صاحبنا في مقدمة بحثه: «تتجاوز أهمية هذا البحث مجرد كونه عرضاً لموقف ابن تيمية من الفلسفة إلى توضيح آثار هذا الموقف على الواقع العلمي والثقافي في السعودية»، وقوله: «وحسبي أن أكون مهدت الطريق أمام هذه الدراسات، التي سيكون لها الأثر الكبير ليس على الفكر السلفي فقط، بل وعلى الفكر الإسلامي بصورة عامة». [3]
 
هنا أسئلةٌ تتردد في ذهني كثيراً حين أرى بعض من فشلوا في مشروعهم السلفيِّ يعودون فيشغبون على مدرستنا:
ما بالهم لا يذهبون إلى المدارس المجاورة فيقذفون نوافذهم  بالحجارة كما يفعلون معنا؟
أهي نظرية الثَّأْر التي تملكُ على الإنسان عقلَه فتُحيلَه إلى مَوْتورٍ يحمل سلاحه ويمشي يترنَّحُ به في الطرقات على غير هدى؟
أشعورٌ بالنقص ينتاب هذه الأنفس كحال كلِّ من عَجَزَ عن تحقيق كمالٍ كان ينشُدُه؛ يحملها على أن تعْمَدَ في تفكيرها إلى شيءٍ من الشذوذ، حتى يكون لها نوعٌ من خصوصية الذات وتفرُّدها؟
أم هي نشوة المعرفة المُتوهَّمة تمشَّتْ في عقول هؤلاء؛ فأرادوا للطُّهْر أن يشاركهم اللذة الأثيمة، بكأس المخرج الإباحي فاديم، على ألحان اغتراب الوجودي كافكا، لنشيد نيرودا الذي ترنَّم به قيفارا مع الرِّفاق في أحراش بوليفيا؟
 
ستة  محاور رئيسة في هذا البحث أَودُّ أن أقرأها مع صاحبنا، ثم أعرض بَعْدُ لشيءٍ من مثل ما نحن بسبيله. [4]
المحور الأول: النظرةُ التقليديَّةُ الجامدة التي تعامل بها السلفيُّون مع تراث ابن تيمية في الفلسفة.
المحور الثاني: تأخُّر دراسة ابن تيمية للفلسفة.
المحور الثالث: اعتمادُ ابن تيمية على مصادر غير دقيقة في حكايته لمقالات فلاسفة اليونان.
المحور الرابع: بناءُ ابن تيمية دراستَه للفلسفة على «التلفيق» و«النفعية».
المحور الخامس: مآخذُ أخَذها الباحثُ على ابن تيمية.
المحور السادس: موقفُ ابنِ تيمية من المنطق.
 



المحور الأول: النظرةُ التقليديَّة الجامدة التي تعامل بها السلفيّون مع تراث ابن تيمية في الفلسفة:

يريد صاحبنا أن يثبت أن ابن تيمية الذي تحسبه السلفية أربحَ ورقةٍ لها في التراث العقليّ عامة، [5] وفي الرد على الفلسفة التي لا تفهمها على وجه الخصوص؛ هذا الذي تحسبه كذلك؛ ليس كذلك.. فما هو إلا فقيه حنبلي احتاج في بعض ردوده إلى دراسة الفلسفة فدرسها على كِبَر، ملفِّقاً تارة، ونفعياً تارة أخرى، ثم إننا خُدعنا بقوله فصدقناه، لأن نظرتنا التقليدية وجمودنا الفكري حالا دون رؤية هذه الحقيقة.
 
قال ص1: «فقد ظلت نظرة ابن تيمية الحراني.. إلى كثير من المسائل، والفلسفة واحدة منها، هي الحَكَمُ عند السلفيين على شتى توجهاتهم، ولم تتعرض مواقف ابن تيمية للدراسة والتمحيص، بل بقيت أسيرة التقليد من الأتباع».
 
وكان من آثار هذه الرَّزِيَّة التي بُليتْ بها السلفيةُ الجامدةُ أنه: «توجد في السعودية قرابة عشر جامعات وعشرات الكليات لا تحوي بين جنباتها قسماً واحداً لدراسة الفلسفة، واعتماداً على نظرة ابن تيمية إلى الفلسفة التي تراها كفراً وضلالاً لم تتجرأ أي جامعة سعودية على فتح قسم للفلسفة.. وإن مرَّ ذكر الفلسفة عَرَضاً فينبغي وصفها بالكفر والضلال، والتأكيد على أن طريق العقل هو طريق الهلاك».
 
ما ذكره هنا قولٌ مكرور، كان ردَّده عبدالمتعال الصعيدي قديماً؛ قال: «كان لابن تيمية مدرسة بعده جارته في تلك النواحي من الجمود، فعادتْ علوم الفلسفة كما عاداها، ولم تهتم بغير الفقه والتفسير والحديث وما إليها من العلوم، وكان ابن رشد الفيلسوف الفقيه أولى أن يكون له مدرسة بعده من ابن تيمية، ليسير المسلمون بها في سبيل التجديد الصحيح، ويجمعوا بها بين علوم الدين وعلوم الفلسفة، فهذا كان خيراً من مدرسة ابن تيمية التي جمدت بعده على تقليده .. على أن طابع الدعوة الوهابية كان متأثراً بطابع دعوة ابن تيمية، وقد كانت دعوة ابن تيمية تنافر أو تهمل الفلسفة وعلومها، وكان هذا نقصاً كبيراً فيها، وهو في الدعوة الوهابية أشدّ ضرراً .. »[6].
 
أعلم من قراءتي هذا البحث أن كاتبه يظن أن حجم الإبداع يقاس بمُطلق الجرأة على الثوابت، وليس بالقيمة الفكرية التي تحملها هذه الجرأة، لذا لن أنزلق معه في مهوىً خطابيٍّ يضادُّ هذه الخطابية التي أنشأها، وهو الذي يزعم أنه يؤسس لمرحلة عقلية مهمة في تاريخ حياتنا الثقافية.
 
وسأُورد شيئاً من أقوال بعض دارسي الفلسفة في القيمة الفكرية لتراث ابن تيمية الفلسفي، [7] وهؤلاء ممن لا ينتمون للسلفية التقليدية المغرَّرة، بل إن بعضهم قد وجَّه لابن تيمية في هذه الكتب المنقول عنها ما لا يرضاه أتباع مدرسته بحالٍ من الأحوال.

1- مصطفى عبدالرازق: «نَظَر ابن تيمية في الكلام والتصوف والفلسفة نظراً عميقاً: فكتبه تدل على سعة اطلاع على المذاهب الفلسفية وتاريخها؛ وحسن تصويره لما يَعرِض للرّد عليه من مذاهب الفلسفة ينبئ عن علم وفهم.. إنا نرجو أن تتوجه همم المشتغلين بالفلسفة وعلوم الكلام والتصوف إلى درس آراء ابن تيمية في الفلسفة والكلام والتصوف.
وهذه الدراسة نافعة في توضيح آراء كلامية وصوفية وفلسفية، كشف ابن تيمية غموضها بفكره النفاذ، وردها إلى أصولها وأحسن بيانها بقوله الواضح المبسوط.
ولابن تيمية في ثنايا ردّه على الفلاسفة والمتكلمين والصوفية نظرات فلسفية طريفة قد تفتح لدراساتنا الفلسفية الناشئة آفاقاً جديدة». [8]
 
2- أبويعرب المرزوقي: «وإذن فتاريخ الفلسفة العربية والكلام العربي هو تاريخ محاولات التخلص هذه من الأفلاطونية المحدثة والتوراتية المحدثة.. سعياً إلى الملائمة بين ما بعد العلم، وما بعد العمل المطلقين، والعلم والعمل النسبيين، وإدراك هذا الانفجار وعدم الملائمة التي أبرزناها هما اللذان انطلق منهما ابن تيمية في ردوده على الفلسفة والتصوف والكلام، لوضع نظرية العلم الاسمي، وهي التي انطلق منها ابن خلدون كذلك لوضع نظرية العمل الاسمي». [9]
 
3- محمد جلال شرف: «هذا مظهرٌ آخر من مظاهر النقد الفلسفي للمشائية الإسلامية بعد ابن سينا، يتجلى بوضوح في شخصية ابن تيمية المتكلم السلفي، وكان من الممكن أن نتخذ منه نموذجاً فريداً لهذا النقد نستغني به عن كل ما سلف، فلم يترك فكرة أو شخصية إلا وتعرض لها بالتحليل والفحص على أساس من العقل والنقل.
ويرجع الفضل في ذلك كله إلى ظهوره في عصر متأخر بعد أن نضج الفكر الإسلامي واتخذ طريقاً واضحاً، مما أعان ابن تيمية على الاطلاع الكامل لهذا التراث الفلسفي، فكان يستعين بالمتكلمين على الفلسفة والعكس صحيح». [10]
 
4- عبد الحكيم أجهر: «إن رؤيته للعالم تتمتع بتماسك ذاتي كافٍ يقوم على أسس فلسفية ومنطقية واضحة وصلبة.. ابن تيمية صعب ثانياً: بسبب تعرضه لقضايا فلسفية عويصة تعكس معرفة هذا الرجل بالتراث الفلسفي السابق عليه، والذي أتى على الأغلب من مصادر عربية إسلامية، والأمر هنا لا يقتصر على مناقشته تلك القضايا فحسب، بل في تبنّيه هو لقضايا فلسفية معقدة يريد تأسيسها وتقديمها كبديل عن الخطابات العقلانية السابقة عليه». [11]
 
5- عبد الفتاح أحمد فؤاد: «كان الشيخ خبيراً بمذهب فلاسفة اليونان القدماء، فضلاً عن معرفته الواسعة بآراء فلاسفة الإسلام، ولا يتضح ذلك فقط عندما يكون بصدد عرض الخطوط العريضة لمذاهب الفلاسفة، وإنما يتضح أيضاً عندما يورد التعريفات الدقيقة للمعاني الفلسفية كتعريف أرسطو للمكان على سبيل المثال.. وها نحن نجدّد الدعوة إلى إنشاء كرسي للإمام ابن تيمية في بعض أقسام الفلسفة في جامعاتنا»! [12]
لو ذهبت أتتبع مثل هذه الأقوال لجاء من ذلك كتيّب لا بأس به.
أريد أن أصل؛ إلى أنه إذا كنا نحنُ دراويشَ السلفية - وفينا عبد الصمد شرف الدين، ومحمد رشاد سالم، ومحمد خليل هراس - قد أُصبنا بما أصبنا به، فكيف جاز أن يُخدع هؤلاء بالقيمة الفكرية لتراث ابن تيمية في الفلسفة؛ ثم لا ينكشف أمره إلا لصاحب هذا العقل الفَرْد؟
 



المحور الثاني: تأخُّر دراسة ابن تيمية للفلسفة:

قال ص10: «نشأ ابن تيمية نشأة علمية حنبلية سلفية، فقد اعتنى بسماع الحديث، وبدروس التفسير والفقه، ولم نجد له أي دراسة أو اعتناء بكتب الفلسفة والمنطق، إلا أن دخوله في صراعات كثيرة مع المتكلمين، والشيعة لاسيما الباطنية منهم، وغلاة الصوفية؛ قاده إلى البحث عن جذور مقالاتهم عند الفلاسفة، والتفتيش عن عضد «عقلي» يستعين به على إثبات العقائد «السلفية».
 
سأحاول أنا تلميذ السلفية استعمال العقل هذه المرة؛ لأثبت من نصوص صاحبنا - ومن غيرها - أن ابن تيمية عرف الفلسفة مبكراً، مبكراً جداً.
1- إنما درس ابن تيمية الفلسفة لتكون له عضداً عقلياً يستعين به على إثبات العقائد السلفية.. ماذا لو علمنا أن ابن تيمية قد ألّف مصنفاً قديماً يردّ به على المتكلم الرازي وهو دون الثلاثين من عمره؟ فما دام أنه درس الفلسفة لتكون له عضداً عقلياً.. فيكون قد درسها في العشرينات من عمره لا ريب.
 قال ابن تيمية: «وقد بسطنا الكلام على ما زعمه هؤلاء من أن الاستدلال بالأدلة السمعية موقوف على مقدمات ظنية، مثل نقل اللغة والنحو والتصريف ونفي المجاز والإضمار والتخصيص والاشتراك والنقل والمعارض العقلي بالسمعي، وقد كنا صنفنا في فساد هذا الكلام مصنفاً قديماً من نحو ثلاثين سنة». [13]
قال محمود الكردي: «يذكر ابن تيمية في كتابه «درء تعارض العقل والنقل» أنه صنف مصنفاً قديماً من نحو ثلاثين سنة.. فإذا كان الدكتور محمد رشاد سالم يرجح أن يكون كتاب «درء تعارض العقل والنقل» قد كتب بين سنتي (713-717).. معنى ذلك أنه يمكن أن نفترض أن كتابه الأول وضع وعمره عشرون سنة». [14]
قال ص10: «لو حاولنا تحديد هذا التاريخ بدقة؛ فإننا قد نجد أنه كان بعد سنة 710، واستمر هذا الاعتناء إلى وفاة ابن تيمية في السجن. ومما يدل على صحة هذا الرأي أن أهم كتب ابن تيمية التي حوت مناقشاته للفلاسفة، أو إيراده لأقوالهم، كتبت بعد سنة 710 تقريبا، مثل: «درء تعارض العقل والنقل».. ».
 
2- كيف يكون اعتناء ابن تيمية بكتب الفلسفة بعد سنة (710)، والدليل على صحة ذلك أن أهم كتبه التي حوت مناقشاته للفلاسفة كتبت بعد سنة (710) تقريباً؟
أليس من «الفكر المنطقي» ونحن نحاول تحديد التاريخ بدقة أن يكون هذا التاريخ قبل سنة (710) وليس بعدها، ولاسيما أن صاحبنا قد نبّهنا إلى أن قدرات ابن تيمية العقلية ليست بتلك التي كنا نظن..
لا بد أنه احتاج إلى زمن قبل هذا التاريخ يفتّش فيه عن عضد عقلي يستعين به..
ص10: «وفي النصيحة الذهبية، المنسوبة للذهبي، نص يفيدنا كثيراً في هذا الأمر، إذ يقول الذهبي مخاطباً ابن تيمية: «فإلى كم ننبش دقائق الكفريات الفلسفية لنرد عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات، وبكثرة استعمال السموم يدمن عليها الجسم وتكمن والله في البدن».
ويقول فيها: «أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل».
فهذا يدل على تأخر قراءة ابن تيمية لهذه الكتب، فالعقد السابع من عمر ابن تيمية كان بعد سنة 720 إلى وفاته سنة 728 عن 68 سنة».
 
3- أ- «وفي النصيحة الذهبية المنسوبة للذهبي.. يقول الذهبي»؟ ألا يقال: «جاء في النصيحة المنسوبة للذهبي: فإلى كم»؟
ب- ها هنا عقلٌ يريد أن يمهِّد لدرس فلسفي: «سيكون له الأثر الكبير على الفكر الإسلامي بصورة عامة»، لكن استظهارات هذا العقل تكشف عما يُمنى به الإنسان حين لا يوفَّق في الموازنة بين طموحه وإمكاناته.. أيفهم صبيٌّ يتوسَّم فيه أهله النَّجابةَ من هذا النّص أنه: «يدل على تأخر قراءة ابن تيمية لهذه الكتب»؟
ناصح يصرخ ويقول لابن تيمية: «إلى كم ننبش دقائق الكفريات الفلسفية» اتركها يا رجل فقد أفنيت عمرك فيها: «إلى كم»، «قد بلعت سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات» لكثرة ما قرأتها وتوافرت عليها، أما آن لك: و«أنت في عشر السبعين» وقد كَبَرت سنُّك فليس يليق بك أن تشتغل بالفلسفة في هذه السن إن كان يليق بك الاشتغال بها زمن الشباب.. أما آن لك أن تنزع عنها: «وقد قرب الرحيل».
أفهذا الصراخ الذي يوقظ العقول: «يدل على تأخر قراءة   ابن تيمية لهذه الكتب»؟ أعانك الله على عقلك.
 
4- ما في كلام ابن تيمية هنا يغنينا عن كلِّ ما كنا فيه، لولا ما بُلينا به من هذه الرُّعونة، قال ابن تيمية: «وقد كنت (في أوائل معرفتي بأقوال الفلاسفة بعد بلوغي بقريب) ، وعندي من الرَّغبة في طلب العلم، وتحقيق هذه الأمور، ما أوجب أني كنت أرى في منامي ابن سينا وأنا أناظره في هذا المقام، وأقول له: أنتم تزعمون أنكم عقلاء العالم وأذكياء الخلق، وتقولون مثل هذا الكلام الذي لا يقوله أضعف الناس عقلاً؟ وأورد عليه مثل هذا الكلام فأقول: العقل الأول إن كان واحداً من جميع الجهات فلا يصدر عنه إلا واحد، لا يصدر عنه عقل ونفس وفلك، وإن كان فيه كثرة، فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد، ولو قيل: تلك الكثرة هي أمور عدمية، فالأمور العدمية لا يصدر عنها وجود ..». [15]
 



المحور الثالث: اعتمادُ ابن تيمية على مصادر غير دقيقة في حكايته لمقالات فلاسفة اليونان.

قال ص16: «وسبب هذه المعرفة المشوهة هو أن ابن تيمية لم يطلع على النصوص الأصلية للفلاسفة اليونانيين، سواءً بلغتهم (لعدم معرفته باليونانية) ولا على النصوص المترجمة لفلاسفة اليونان. وواضح أن ابن تيمية اعتمد على مصادر غير دقيقة في حكايته لمقالات فلاسفة اليونان».
وصاحبُنا باحث؛ لكن عن حتفِه بِظَلْفِه، فهو يضرب نصوص كتابه بعضها ببعض فلا يدري من أين يؤتى:
قال ص3: «الموضوع كبير جداً ويحتاج إلى دراسات كثيرة معمقة وتفصيلية، تناقش مدى فهم ابن تيمية للمسائل الفلسفية التي تعرض لمناقشتها، وكذلك مدى دقته في عزوه للمسائل والأقوال إلى أصحابها، ودراسة أثر بعض كبار المفكرين من الفلاسفة والمتكلمين على ابن تيمية، كالغزالي، وفخر الدين الرازي، وأبي البركات البغدادي، وشهاب الدين السهروردي، وابن رشد وغيرهم».
ص20: «وقد اعتمد ابن تيمية أيضاً على نقل ابن ملكا عن هذا الكتاب؛ حيث قال عن أرسطو: «وكلامه في مسألة العلم معروف مذكور في كتابه (ما بعد الطبيعة) وقد ذكره بألفاظه     أبو البركات صاحب (المعتبر) وغيره».
ص28: «ابن ملكا: وهو أعظم الفلاسفة تأثيراً في ابن تيمية».
ص21: «أكثر ابن تيمية من النقل عن كتب ابن رشد، بل يكاد يكون نقلها كاملة في كتبه».
ص27: «ما الذي استفاده ابن تيمية من الفلسفة، وماالذي أخذه منها؟ هذا جانب مهم من جوانب ابن تيمية الفكرية؛ أغفله الدارسون، فلا نكاد نجد من دراسات في هذا الجانب إلا دراسة عبد المجيد الصغير « مواقف رشدية عند ابن تيمية»، وبعض الإشارات عند باحثين وعلماء آخرين، مثل الشيخ محمد زاهد الكوثري، [16] ود. محمد علي أبو ريان».
لو كان صاحبنا على شيءٍ من النباهة، والاطلاع على تاريخ الفلسفة الإسلامية؛ لما ذكر: « أن ابن تيمية اعتمد على مصادر غير دقيقة في حكايته لمقالات فلاسفة اليونان»؛ ثم ذهب في هذه النصوص التي سقتُها عنه يثبت ـ في سذاجة ـ الأثر البالغ لأبي البركات هبة الله ابن ملكا وابن رشد في ابن تيمية.
أيّ خير لك في أن تثبت أثر هذين الفيلسوفين في ابن تيمية وتدعو إلى دراسة ذلك؛ وأنت تزعم أن معرفته بمقالات فلاسفة اليونان: «معرفة مشوهة»؟ ألا تعلم أن ابن ملكا وابن رشد هما الفيلسوفان اللذان خلَّصا التراث اليوناني من اشتباكه، وحرّرا النص الأرسطي كما لم يحرره أحد؟ فإثباتُ أثرهما في ابن تيمية والحديثُ عن شدَّة عنايته بمؤلفاتها؛ فيه أن ابن تيمية قد عرف مقالات فلاسفة اليونان - ولاسيما أرسطو - في أدق صُوَره وأجلاها؟
 
لو قد كددتُ ذهني وأجهدت خاطري لأُثبت دقّة اطلاع ابن تيمية على تراث فلاسفة اليونان؛ لما تيسّر لي بمثل ما أفادنيه صاحبنا من هذه الطريقة هنا، فاللهم كثِّر في الثالبي تراث ابن تيمية من أمثاله!
قال محمد علي أبوريان: «إن الاتجاه الأول في الفلسفة الإسلامية لم يكن مشائياً كما اعتقد جمهرة المؤرخين بصدد ما كان أفلاطونياً مستتراً تحت ستار أرسطي مزعوم، إذ أن لبّ نظرية الفيض إنما يرجع إلى أفلاطون الحقيقي، وكان لا بد من الكشف عن هذا التيار الأفلاطوني الكامن في بناء الفلسفة الإسلامية الأولى.
وقد تصدى لهذا العمل النقدي الكبير فيلسوف هو أبوالبركات البغدادي [ابن ملكا] الذي يعتبر (عمانويل كانت الفلسفة الإسلامية)، [17] إذ أنه كان على مفترق الطرق إلى ظهور مدرسة أفلاطونية واضحة المعالم تتعصب لأفلاطون وهي المدرسة الإشراقية، ومدرسة أرسطية يتزعمها ابن رشد». [18]
جاء النص المشائيُّ في بداية معرفة العرب بالفلسفة اليونانية متداخلاً مع غيره، يصعب فيه تبيّن أفلاطون من أرسطو، وأرسطو من أفلوطين، وبدا ذلك واضحاً عند الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين» أفلاطون وأرسطو، وهو يجمع بين أفلاطون ونفسه! وابن سينا وهو يشرح «أثولوجيا» أفلوطين ظاناً أنها لأرسطو، والغزالي الناقد للإنجاز الفلسفي دون النص المنطقي الذي تبع فيه ابن سينا، حتى قام ابن رشد بجِلاء النص الأرسطي المثقل بالشرح العربي، وحرّره من اشتباكه بعد أن اختلط فيه النص بالشرح، وأفلاطون بأرسطو، وأرسطو بالفارابي، وأفلاطون بأفلوطين، فتحددت ملامح أرسطو. [19]
كان ابن تيمية يعلم هذه المزية في كتب هذين الفَيلسوفيْن فأولاهما من العناية ما لم يوله غيرها، قال: «فهذا من كلام     أبي البركات على قول أرسطو، وهو أقرب إلى تحرير النَّقل وجودة البحث في هذا الباب من ابن رشد، وابنُ رشد أقرب إلى جودة القول في ذلك من ابن سينا، مع غلوّه في تعظيم أرسطو وشيعته». [20]
وقال: «بل وهذا هو المنقول عن أكثر الفلاسفة أيضاً، كما ذكر أبو الوليد ابن رشد الحفيد، وهو من أتبع الناس لمقالات المشائين: أرسطو وأتباعه، ومن أكثر الناس عناية بها، وموافقة لها، وبياناً لما خالف فيه ابن سينا وأمثاله لها». [21]
وما ذكرته هنا ليس إلا دليلاً واحداً ـ في جملة أدلةٍ كثيرةٍ نواهض ـ تشهد على زُور ما ذهب إليه.
وهنا معنى مهمٌّ أودُّ أن أُنبه عليه: حاولتُ في قراءة بعض المحاور أن أُرتِّب الجواب على نصوص صاحبنا نفسه، فربمّا جاء الجواب ضيِّقاً، فلم تكن معرفة ابن تيمية بالفلسفة هو ما أفاده من طريق هذين الفيلسوفَيْن ثم ينتهي الأمر، فله من الاستدارك عليهما، والبصر بأقوال الفلاسفة، وتحقيق النقول عنهم، والعناية بموارد كلامهم.. ما يحارُ له قارئ تراثه. وعندنا من النصوص في ذلك خيرٌ كثير .. فإن عاد صاحبنا عدنا له!
لست أزعم أن ابن تيمية لم يتطرق إليه الخطأ في بعض كلامه على الفلسفة اليونانية وفلاسفتها، فهو كغيره من العلماء يصيبه ما يصيبهم، لكن فرقٌ بين أفراد الأخطاء التي لا يسلم منها مؤلف؛ وبين الاتهام: «بالمعرفة المشوهة» الذي يسقطه الاطلاع على مجموع كلام ابن تيمية في الفلسفة.
وإنشاء الكلام هكذا عفوَ الخاطر كلُّ أحدٍ يستطيعه، فليس أكثر من هذر العامة في مجالسهم.
قبل أن أختم الحديث عن هذا المحور ـ وهو عندي من أهم المحاور ـ سأكشف عن حيلة أخَّرتُ الكلام عليها، كان صاحبنا تحيَّلها ليتوصل بها ـ مع غيرها ـ إلى ضعف معرفة ابن تيمية بالفلسفة، وأنه اطلع عليها في مصادر غير دقيقة، لكن هذه الحيلة  تكشّفت بحمد الله.
مارس صاحبنا في هذا «المدخل المظلم» نوعاً من التعتيم الإعلامي في حق شخصية فلسفية سيفسدُ عليه ذكرُها كثيراً مما أراد أن يتحيَّفه من عقل القارئ.
كنت اصطنعت أَوَّلَ ولوجي هذا المدخلَ شيئاً يشبه ذاك الذي يضعه مرتادو الأغوار والكهوف على رؤوسهم فينير لهم الطريق..
وقد وجَّهتُ النور إلى هذه الظلمات فألفيتهُ من خَلَلِها بعمامته، قاعداً ثمَّ على حصير في إحدى مدارس دمشق يأخذ في درسٍ للفلسفة؛ سيفَ الدين الآمديَّ، قد أبصرتك...
قال ص5: «لم تخرج الشام فيلسوفاً كبيراً، مع أنه دخلها جمع من الفلاسفة، لاسيما متفلسفة الصوفية، أما في عصر ابن تيمية ما بين عامي 651-750 فلا نكاد نجد فيلسوفاً كبيراً سواءً في مصر أو الشام أو العراق إلا ما ندر بل إننا نعجب من قلة المشتغلين بالعقليات من فلسفة ومنطق وطبيعيات في ذلك العصر، وقد جردت جملة من الكتب التي أرخت لتلك الفترة، وبحثت عن كل من قيل عنه أنه فيلسوف أو منطقي، فلم أجد إلا عدداً قليلاً سأذكرهم هنا».
لقد تحدَّث صاحبُنا عن أثر بعض الفلاسفة في ابن تيمية فيما سقناه من نقول عنه وفيما لم نسقه، لكنه في بحثه كله لم يغلط مرة فيذكر سطراً واحداً عن أثر الآمدي في ابن تيمية، إلا أن يكون: «شديدُ ظهوره أخفاه»!
لن أُخدع بما بين عامي (651-750) هذه، وسأرجع قليلاً إلى عام (631) تاريخ وفاة الآمدي في دمشق قبل ولادة ابن تيمية بثلاثين سنة (661)، لأن ثلاثين سنة ليست تجعله من أهل القرن الثاني فلا يذكر في جملة الفلاسفة في عصر ابن تيمية، ولأن من يدعو جاهداً إلى دراسة أثر بعض الفلاسفة في ابن تيمية كابن ملكا وابن رشد لا يستقيم له أن يتجاهل الفيلسوف الآمدي المتوفى في دمشق، ولاسيما وأن ابن تيمية نفسه كان من المعتنين بتراثه والمثنين عليه. [22]
لقد تحيَّل هذه الحيلة في مادة بحثه؛ ليقطع الصلة بين ابن تيمية الدمشقي، والإرث الفلسفي الذي خلَّفه الآمديُّ إنْ في كتبه أو في تلامذته في دمشق، وليصل إلى أن ابن تيمية إنما كان فقيهاً حنبلياً احتاج إلى سند عقلي..
عُرف أبو الحسن علي: «سيف الدين الآمدي» عند كثير من القراء أصولياً متكلماً بكتابه «الإحكام في أصول الأحكام» و«غاية المرام في علم الكلام» و «أبكار الأفكار».. لكنه أيضاً فيلسوف بكتابه «دقائق الحقائق» و«رموز الكنوز» و«كشف التمويهات»، وبكتابه «المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين»: الذي يمثِّل النضج الفلسفي بعدَّة ألفاظه ودقة قراءته الفلسفية على اصطلاح الفلاسفة، وفق نظام ميسّر مستمد من أعمال أرسطو والفارابي وابن سينا. [23]
توجّه الآمدي إلى دمشق سنة (617) بعد وفاة أمير حماة، واستقر فيها إلى أن توفي سنة (631)، وقام فيها بتدريس الفلسفة في دروس خاصة، وكان ممن تلمذ له فيها ابن أبي أصيبعة [24] الذي قرأ عليه كتابه «رموز الكنوز»، لما كان بينه وبين أبيه من صلة.
كان الآمدي واحداً ممن قرأهم ابن تيمية بعناية، [25] ولعل هذا الذي حجبتْه عنا ظلُمات الهوى فأريد له أن يغيب، يكشفُ بَعد رؤيته عن جانب مهم من جوانب البناء المعرفي عند ابن تيمية.
لم لا يكون ابن تيمية أخذ عن تلامذة هذا الفيلسوف، إن لم يكن في درس منتظم، فلا أقلَّ من مذاكرة واستفادة؟
أما معرفة ابن تيمية بتراثه فهذا ثابت من أقواله نفسها وكثرة تردد ذكره في كتبه: «حتى إن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من      أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذُها منه أفضل من أخذ عكّا، مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحراً في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلاماً وأمثلهم اعتقاداً». [26]
 



المحور الرابع: بناءُ ابن تيمية دراستَه للفلسفة على «التلفيق» و«النفعية»:

فُتِنَ صاحبنا بهذا الكشف فكرَّر هذا المعنى في بحثه عدة مرات، ما إن يضعف نَفَسُ البحث عنده؛ حتى يلقي بهذا القول ليفجأَ به القارئ فيصرفه بجرأته عن قيمة ما يقرأ.
قال ص11: «فابن تيمية لم يدخل عالم الفلسفة دارساً محايداً أو متعلماً، بل دخله مخاصماً مجادلاً، حيث درس الفلسفة دراسة «نفعية»، فابن تيمية بنى دراسته للفلسفة على «التلفيق» ففي أي مسألة يريد أن يرد على خصومه فيها يبحث عن أي قول لأي فيلسوف يرد على هذا القول؛ سواء كان الفيلسوف مشائياً أو إشراقياً أو غير ذلك، وفي المسألة التي يقول بها يبحث ابن تيمية عن أي قول لأي فيلسوف يؤيدها مهما كان مذهبه».
ص22: «والملاحظ على نقد ابن تيمية للفلاسفة المشائين اعتماده على التلفيق، فهو يلفق ردوده من ردود الغزالي والشهرستاني عليهم..».
ص28: «واستفاد ابن تيمية من رد بعض الفلاسفة على بعض، فاستفاد من ردود ابن رشد على ابن سينا، وردود السهروردي على كثير من الفلاسفة، وردود ابن ملكا على الفلاسفة، وردود ابن سبعين على غيره، فابن تيمية يأخذ من كلام الراد ليبطل به كلام المردود عليه؛ هذا في المسائل التي يكون الراد موافقاً لابن تيمية فيها، أي أن ابن تيمية عندما يريد الرد على قول لأحد الفلاسفة يأخذ أي رد على هذا القول لأي فيلسوف آخر ».
 
1- أتعبني تتبُّع نصوص البحث وضمُّها إلى نظائرها حتى أُحسنَ قراءتها، ففي النصوص السابقة التي أوردتُها من بحثه وفي هذه؛ نرى أن المعنى الواحد يفرّق ويوزّع ويكرّر في البحث كله حتى يملَّه القارئ، فما هنا: ص11ثم ص22 ثم ص28، والمعنى في كُلٍّ واحد. وعهدي بأن للمفكرين عنايةً بالمنهج وطرائق التنظيم الفكري، إلا أن يكون صاحبنا ما حُنّك بَعْدُ «بأرجانون» بيكون، و«مقال» ديكارت، و «إصلاح» اسبينوزا، و «فن التفكير» عند فلاسفة «بورريال»، [27] فسنمهله إلى أن يَلْثَغَ بها ثم نقبل منه شيئاً من كلامه على المنهج.
 
2- هل يظن صاحبنا أني أجَّرتُ عقلي له، يقسمني مع القراء في فريقين: يقول لهذا الفريق: قل: كان ابن تيمية؛ فيردّ الفريق الآخر: ملفقاً نفعياً يأخذ من هذا فيردُّ به على هذا؟
إنه لم يورد في هذه المواضع كلها نصاً يستشهد به على ما ذهب إليه.
 
3- الهدمُ أيسرُ من البناء لا شك، وأنا فأستطيع أن أُورد على صاحبنا شبهةً من الكلام يكلِّفه ردُّها ثلاث سنوات من البحث الجادّ، وحتى أكون صادقاً مع نفسي وصاحبي وقارئي؛ فإن الكلام في المنهج من أعقد مشكلات المعرفة، فكيف إذا كان عن ابن تيمية؟ بل كيف إذا كان عن منهج ابن تيمية في ردوده على الفلاسفة؟
 
فدراسة منهج ابن تيمية في ردوده على الفلاسفة تحتاج إلى:
1- دراسة تراث ابن تيمية في هذا الجانب بعناية.
2- دراسة ما يتّصل بهذا التراث من كتب ابن القيم فهي تشرحه وتتمِّمه.
3- دراسة ما يتصل بهذا المنهج من نظريات المعرفة.
4- دراسة المنهج في التراث الفلسفي خاصة.
5- دراسة مناهج أبرز الفلاسفة في ردودهم.

فهل قام صاحبنا بهذا وهو يتحدث عن منهج ابن تيمية في ردوده على الفلاسفة؟ كلا، وكلامه يشهد على هذا، وأنا أيضاً لم أقم به، وهو حريٌّ بدراسة مفردة جادة.
لذا فإن قراءتي لكلام صاحبنا هنا لن تعدو ما أَوْرَده، فهي قراءة لمنهج ابن تيمية في هذه الجزئية، وهذا الذي اصطنعناه هنا، منهجٌ أفدناه من بعض ما قرأناه من ردود، وهو مثَلٌ على الاستفادة من نتاج العقول بضابطه.
هل ما كان يقوم به ابن تيمية «تلفيقاً» كما فهم صاحبنا، أم هو عملٌ ينمُّ على عمق اطلاع ابن تيمية على مناهج الفلاسفة؟
لما أراد ابن تيمية أن ينقض على الفلاسفة أقوالهم؛ عمد إلى الفلسفة من الداخل فنقضها بأدواتها وليس بشيءٍ خارج عنها، وكان من المنهج سلوك طريق الفلاسفة أنفسهم مع بعضهم البعض في جدلهم: «هذه الحركة الديالكتيكية هي ماهية الفلسفة».
إن شأنه شأنُ كلِّ المفكرين، ينقد وجهات نظر من قبله ثم هو يأخذ منهم في الوقت نفسه، وهذا يشبه قانون الفكر..
ولأن من أصل المغالبة إظهارَ مواطن الضعف في دعاوى الخصم إذا سنحت الفرصة، ولاسيما وأنه لم يكن يلتزم مقتضيات العرض المنهجي، بل كانت دواعي المجادلة هي الحاكمة لأن المسلك الطبيعي لديه كان أقوى من المسلك الصناعي. [28]
قال عبدالرحمن بدوي في كلام يذهب فيه إلى إثبات شيءٍ آخر مغاير تماماً لما نحن فيه، لكنه يوضّحه: «قال هيجل إن تفنيد الفلاسفة بعضهم لبعض يحدث: «دون أن تختفي الفلسفات السابقة في مذاهب الفكر اللاحقة». فمثلاً تفنيد أرسطو لمثالية أفلاطون لم تمنع أرسطو من الاحتفاظ بفكرة الصورة في نظرية العلل عنده.. وتفنيد كَنْت لمذهب ديكارت لم يمنع كَنْت من الحفاظ على مقالة «أنا أفكر، فأنا إذن موجود» في مذهبه هو. والذي يحدث هو أن المبدأ الأساسي في فلسفة ما ينزل إلى مرتبة ثانوية في مرتبة لاحقة.. هذا التغيير للمكانة يكفي لإبعاد شبهة «التلفيق» [!] عنها..
ولنضرب مثلاً بفلسفة أفلاطون: «إننا لو أخذنا محاورات أفلاطون، لوجدنا في بعضها طابعاً إيليّاً، وفي بعضها الآخر طابعاً فيثاغوريّاً، وفي بعضها الثالث طابعاً هيرقليطيّاً، ومع ذلك فإن فلسفة أفلاطون قد وحّدت بين هذه الفلسفات المختلفة معدّلة من نقائصها».. وعلى الرغم من أن كل مذهب لاحق لا بد له لتبرير وجوده أن يفند آراء المذهب أو المذاهب السابقة عليه، فإن «هذه الحركة الديالكتيكية هي ماهية الفلسفة نفسها». [29]
 
5- هل كان ابن تيمية إلا واحداً من العلماء؛ ليس ينفكُّ عن نظرية التراكم المعرفي وأثرِها في صياغة العقل الإنساني؟
وهذا المعنى هنا واحد من أعظم الفروق بين نتاج العقل التراكمي و «الوَحْي» المؤسِّس.
هذا الوحي الذي كان ابن تيمية عظيمَ الاحتفاء به، حتى إنه صارع هذا الصراع العقليَّ العنيفَ ليخضع عقولَ الفلاسفة الآبقة ويردَّها لسلطته.
أين هذا من عمل أذلِّ عقلٍ في تاريخنا الحضاري؛ ابن رشد، وهُوَ يقول عن متألَّهه أرسطو: «إن مؤلف هذا الكتاب هو أعقل اليونان، أرسطوطاليس بن نيقوماخس، الذي وضع علوم المنطق والطبيعيات  وما بعد الطبيعة وأكمَلها، وقد قلتُ: إنه وضعها، لأن جميع الكتب التي أُلِّفت قبله عن هذه العلوم لا تستحق جُهد الحديث عنها، ولأنها توارتْ بمؤلفاته الخاصة، وقد قلت: إنه أكملها، لأن جميع الذين خلفوه حتى زمننا، أي في مدة خَمسَةَ عَشر قرناً، لم يستطيعوا أن يضيفوا شيئاً إلى مؤلفاته أو أن يجدوا فيها خطأً ذا بال، والواقع أن جميع هذا اجتمع في رجل واحد، وهذا أمرٌ عجيبٌ خارق للعادة، وهو إذ امتاز على هذا الوجه يستحق أن يدعى إلهيًّا أكثر من أن يدعى بشرياً، وهذا ما جعل الأوائل يسمُّونه إلهيًّا»![30]
وفي ضوء هذا النص نعرف معنى القول الساقط الذي مرّ معنا لعبدالمتعال الصعيدي: «وكان ابن رشد الفيلسوف الفقيه أولى أن يكون له مدرسة بعده من ابن تيمية، ليسير المسلمون بها في سبيل التجديد الصحيح، ويجمعوا بها بين علوم الدين وعلوم الفلسفة، فهذا كان خيراً من مدرسة ابن تيمية التي جمدت بعده على تقليده.. ».
أين التقليد يامولانا الشيخ عبدالمتعال؟
متابعة عقل مستعبد كان أكبر أوصافه أنه: «شارح أرسطو »، أم التوافر على درس تراث عالم أحد أوصافه أنه: «ناقض أرسطو»؟
 
6- هذه «النفعيّة» ما وصفها من مذاهب الفلاسفة؟ أهي نفعية السوفسطائيين، أم نفعية البراجماتية، أم نفعية بنتام؟
أم هي لفظة يهمسُ بها عاميٌّ في أذن صديق له في مجلس لينال بها من أحد الداخلين؟
إنه لمن الشناعة أن يوصف في دراسة كاتب مسلم؛ جُهد مَن كان يناضل عن «الوحي» لينقذ العقل من أسر تلك التصورات اليونانية الوثنية المضحكة؛ من الشناعة أن يوصف هذا الجهد السامي الغاية، والبالغ الأثر، بكلمة توحي في بعض ظلالها: «باللؤم العقلي».
«وابن تيمية بهذا الموقف يكشف عن غيرة دينية منقطعة النظير، كما يكشف في نفس الوقت عن الفيلسوف العملي الذي يرى أحقية الأشياء وصدقها في «نفعها» العام لبني البشر، وأكثر القضايا التي تقررها الأديان من قبيل القضايا التي دافع عنها ابن تيمية». [31]
ما هنا لا يفي بدراسة منهج ابن تيمية في ردوده على الفلاسفة، لكنها إشارة إلى هذا المنهج، وإن طبيعة القراءة والبحث لا تسمح بأكثر من هذا.
 



المحور الخامس: مآخذُ أَخَذها الباحثُ على ابن تيمية:

أعلمُ أن المؤلف حين يكتب فهو يقول: هاؤم عقلي فانظروا فيه، وأنا قد نظرتُ فوجدت شيئاً يشبه العقل وما هو به:
لأنه من العقل إذا ما أردت أن تقوّض مدرسة من المدارس؛ أن تعمد إلى ضعيف ممن يمثِّل هذه المدرسة فتفترسه..
لا أدري ما الذي صرف صاحبنا عن هذه الخطة؟ أمّا أن يبتلى فيُجادِل في العلم واحداً من أكبر العلماء في تاريخ العلم، ويجالِده بعدُ في الفهم؛ فهذه والله ورطة ما أعدّ لها صاحبنا عدّتها.
ومن أراد أن يجادِل ويجالِد ابنَ تيمية في العلم والفهم، فعليه أن يكون حذراً غاية الحذر من أن يجادَل ويجالَد، فيراجع علمه مرّات، ويعود على فهمه بالتهمة كرّات.
والحقُّ أنه ليس «يَغُضُّ» من قيمة عالم متماسك البنيان المعرفي عندي؛ أَنْ جَهِل ونسي هنا، أو أخطأ هناك، لأن المعرفة المطلقة التامة مستحيلة، فأفراد العلوم لا تتناهى، ولأن الإنسان مهما بلغ من العلم والفهم فإنه يجري عليه من الخطأ والغفلة ما هو من لازم كونه إنساناً.
فما جئتُ هنا لأقول: إن ابن تيمية لا يغلط كحال من لا أحبُّ له أن يقول ذلك، لكن جئتُ لأقول: إن شهوة النقد ضربتْ عقل صاحبنا فأصابته بالحَوَل الفكريِّ فلا حَوْل ولا قوّة إلا بالله!

وبسبب هذا سأبدأ القراءة بالمقلوب، أعني بصفحة 22، ثم ص15 ليكون أيسر على صاحبنا:

أولاً: قال ص22: «قال ابن تيمية عن فلاسفة الصوفية: «.. وأما الإيمان بالرسل: فقد ادعوا أن خاتم الأولياء أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وأن خاتم الأنبياء هو وسائر الأنبياء يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، وهذا مناقض للعقل والدين».
وبالنسبة لمسألة تفضيل الولي على النبي؛ ففي كلام ابن عربي ما يبين أنه يريد خلاف ما نقله عنه ابن تيمية، حيث يقول: «إذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج التشريع؛ فمن حيث هو ولي وعارف، ولهذا مقامه من حيث هو عالم وولي أكمل وأتم من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع، فإذا سمعت أحداً من أهل الله يقول، أو ينقل إليك عنه أنه قال: الولاية أعلى من النبوة، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه، أو يقول: إن الولي فوق النبي والرسول؛ فإنه يعني بذلك في شخص واحد: وهو الرسول عليه السلام من حيث هو ولي أتم منه من حيث هو نبي ورسول، لا أن الولي التابع له أعلى منه، فإن التابع لا يدرك المتبوع أبداً فيما هو تابع له فيه، إذ لو أدركه لم يكن تابعاً له، فافهم».
فابن عربي يبين أن قول الصوفية بتفضيل الولي على النبي، يريدون به أن النبي من حيث كونه ولياً لله أفضل من حيث كونه نبياً له، ولا يريدون أن الولي (من غير الأنبياء) يكون أفضل من النبي، كما فهم ابن تيمية».
أصابت شهوةُ النقد صاحبنا بالحَوَل الفكريّ فما عاد يفرّق بين كلام ابن تيمية عن: «خاتم الأولياء» و: «الولي». ولو كان يريد أن يذبَّ القول عن عقله؛ لاتَّهم فهمه للكلام ألفَ مرَّة قبل أن يتَّهم فهمَ أكبرِ ناقدٍ للتراث الصوفي في تاريخ الإسلام.
قال ابن تيمية: «الناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه، وقد لا يراه «لعشىً في بصره»، وكذلك أعمى القلب. وأما الناظر في المسألة: فهذا يحتاج إلى شيئين: إلى أن يظفر بالدليل الهادي، وإلى أن يهتدي به وينتفع، فأَمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب الهادية، ويصرف عنه الأسباب المعوقة».[32]
«ولا يريدون أن الولي .. كما فهم ابن تيمية».

من أين يستمدُّ هؤلاء هذه الجرأة والقدرة على الصَّفاقة؟ إن أحدنا إذا كان في مجلسٍ فيه بعض طلبة العلم أدار المعنى في ذهنه مراتٍ قبل أن يقول به خوفَ أن يُزرى عليه، والواحد من هؤلاء يكشف للناس عن عورة عقله ويسير بها فلا يخجل ولا ينكسر.. فلله هذه الأنفس ما أشدَّ تباينها في منازعها وأطوارها وشأنها كلِّه!

1- قال ابن تيمية: «وهذا من جنس قول شيخهم الطائي [ابن عربي].. ويقول أيضاً: إن الولاية أفضل من النبوة، وولاية النبي عنده أفضل من نبوته ورسالته، لأنه بزعمه من حيث الولاية يأخذ من الله بلا واسطة، ومن حيث النبوة يأخذ بواسطة. وهذا الكلام قد يقولونه مطلقاً، وتوجيهه على أصولهم: أن النبوة هي مقام تخييل المعقولات، والولاية هي المعقول الصرف، فالولي ترِد عليه المعقولات صرفاً، والنبي من جهة ولايته له هذه المعقولات، لكن من جهة نبوته هي تخييل هذه المعقولات، فيأخذ بواسطة الخيال، وجهة رسالته عندهم أنزل الدرجات وهي جهة تبليغه للناس.. وهذا قلب للحقيقة التي اتفق عليها المسلمون، وهو أن الرسول أفضل من النبي الذي ليس برسول، والنبي أفضل من الولي الذي ليس بنبي، والرسالة تنتظم النبوة والولاية، كما أن النبوة تنتظم الولاية، وأن أفضل الأولياء أكملهم تلقياً عن الأنبياء». [33]
فابن تيمية «يفهم» هذا ويوجهه على أصولهم وينقضه.

2- ثم يزيد عليه فيقول: «ويقولون: إن ولاية النبي أعظم من نبوته، ونبوته أعظم من رسالته، ثم قد يدّعي أحدهم أن ولايته وولاية سائر الأولياء تابعة لولاية خاتم الأولياء، وأن جميع الأنبياء والرسل من حيث ولايتهم هي عندهم أعظم من نبوتهم ورسالتهم، وإنما يستفيدون العلم بالله الذي هو عندهم القول بوحدة الوجود من مشكاة خاتم الأولياء، وشبهتهم في أصل ذلك أن قالوا: الولي يأخذ عن الله بغير واسطة، والنبي والرسول بواسطة، ولهذا جعلوا ما يفيض في نفوسهم ـ ويجعلونه من باب المخاطبات الإلهية، والمكاشفات الربانية ـ أعظم من تكليم موسى بن عمران، وهي في الحقيقة إيحاءات شيطانية،ووساوس نفسانية (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)، (الأنعام:121)، ولو هُدوا لعلموا أن أفضل ما عند الولي: ما يأخذه عن الرسول لا ما يأخذه عن قلبه، وأن أفضل الأولياء الصديقون، وأفضلهم أبوبكر، وكان هو أفضل من عمر، مع أن عمر كان مُحَدَّثاً كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر)[34]».

3- ما ذَكَره ابن تيمية في النص الذي ساقه صاحبنا عنه: «وأما الإيمان بالرسل: فقد ادعوا أن «خاتم الأولياء» أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وأن خاتم الأنبياء هو وسائر الأنبياء يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء»؛ هو قول ابن عربي نفسه.
قال في «فصوص الحكم»: «وهذا هو أعلى عالم بالله، وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى إن الرسل لا يرونه ـ متى رأوه ـ إلا من «مشكاة خاتم الأولياء»[35].

ثانياً: قال ص15: «فقدماء الفلاسفة قبل أرسطو كما يرى ابن تيمية، كانوا..». فذكر مآخذ أخذها على ابن تيمية ومنها:
«يثبتون عالماً فوق هذا العالم يصفونه ببعض ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم به الجنة = واضح أن هذه صورة مشوهة وساذجة عن نظرية «المُثُل» التي قال بها أفلاطون».
أ- قال عبد الجليل الوالي في كتابه « نظرية المثل، البناء الأفلاطوني والنقد الأرسطي»: «نظرية المثل لم تنشأ من العدم، بل هي مزيج فلسفي من مفكرين سابقين، موضوعة بعقلية وقادة، مضاف إليها إبداعات خارقة».
فقوله: «نظرية «المثل» التي قالها بها أفلاطون»، غير دقيق.
ب- أما ذكر الجنة في «المثل الأفلاطونية» فأحيل صاحبنا إلى الكتاب السابق ليفتش فيه مع: «تاريخ الفلسفة اليونانية» ليوسف كرم [36]، وكتاب لحسام الألوسي عنوانه: «بواكير الفلسفة قبل طاليس»، ولينظر فيما قالوه عن: «الجنة» وأثر: «الأورفيَّة» في الفكر اليوناني وفي المثالية بكل أشكالها .. أحيله إليهما دون ذكر الصفحات حتى يشتدَّ عُوده في البحث، لأننا وقَفْنا على ما نذكره في هذه القراءة بعرق الجبين وسهر الليل، ولم نتلقَّها عن الشيخ «قوقل» عفا الله عنه!
هل كان ابن تيمية صاحبَ صورة ساذجة عن نظرية «المثل الأفلاطونية»؟ سأسوق كلاماً لابن تيمية عن «المثل الأفلاطونية» ومناقشته لها حتى تتبين لنا هذه السذاجة بوضوح.
قال ابن تيمية: «لما أثبت قدماؤهم الكليات المجردة عن الأعيان التي يسمونها «المثل الأفلاطونية» أنكر ذلك حُذّاقهم، وقالوا: هذه لا تكون إلا في الذهن، ثم الذين ادعوا ثبوت هذه الكليات في الخارج مجردة قالوا: إنها مجردة عن الأعيان المحسوسة، ويمتنع عندهم أن تكون هذه هي المبدعة للأعيان، بل يمتنع أن تكون شرطاً في وجود الأعيان؛ فإنها إما أن تكون صفة للأعيان، أو جزءاً منها. وصفة الشيء لا تكون خالقةً للموصوف، وجزء الشيء لا يكون خالقاً للجملة، فلو قُدِّر أن في الخارج وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق امتنع أن يكون مبدعاً لغيره من الموجودات، بل امتنع أن يكون شرطاً في وجود غيره، فإذن تكون المحدثات والممكنات المعلوم حدوثها وافتقارها إلى الخالق المبدع مستغنية عن هذا الوجود المطلق بشرط الإطلاق، إن قيل: إن له وجوداً في الخارج، فكيف إذا كان الذي قال هذا القول هو من أشد الناس إنكاراً على من جعل وجود هذه الكليات المطلقة المجردة عن الأعيان خارجاً عن الذهن؟ وهم قد قرروا أن العلم الأعلى والفلسفة الأولى هو العلم الناظر في الوجود ولواحقه، فجعلوا الوجود المطلق موضوع هذا العلم، لكن هذا هو المطلق الذي ينقسم إلى واجب وممكن، وعلّة ومعلول، وقديم ومحدث. ومَورد التقسيم مشترك بين الأقسام. فلم يمكن هؤلاء أن يجعلوا هذا الوجود المنقسم إلى واجب وممكن هو الوجود الواجب، فجعلوا الوجود الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق الذي ليس له حقيقة سوى الوجود المطلق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، ويعبرون عن هذا بأن وجوده ليس عارضاً لشيءٍ من الماهيات والحقائق. وهذا التعبير مبنيٌّ على أصلهم الفاسد، وهو أن الوجود يعرض للحقائق الثابتة في الخارج، بناء على أنه في الخارج وجود الشيء غير حقيقته، فيكون في الخارج حقيقة يعرض لها الوجود تارة، ويفارقها أخرى»![37]
قال أبويعرب المرزوقي في التعليق على قول ابن تيمية: «كانوا قد بنوا ذلك على .. قول من جعل الكليات ثابتة في الخارج زائدة على المعينات ... وهو قول القونوي صاحب ابن عربي». قال المرزوقي: «وإذا اعتبر التعدد العقلي أصلاً، والتعدد الحسي ظلاًّ له، كان الحل قائلاً بواقعية الكليات المعقولة، التي ينسبها ابن تيمية إلى تلميذ ابن عربي وربيبه أعني القونوي، معتبراً إياها من جنس نظرية «المُثُل الأفلاطونية»[38]».
لو أن البحث الذي بين يديَّ عملٌ علميٌّ متماسك، فيه أصالةُ رأي، ودقة فهم، وسعة اطلاع؛ لما «غَضَّ» من قيمته عندي أن أخطأ كاتبه هنا، أو وهم هناك.. لكن أن يكون البحث بمثل هذه الضّحالة العلمية الفاضحة، وهذا العمل العقليّ المخجل، ثم يزيد صاحبه الطين بِلَّةً بهذه الجرأة على علم ابن تيمية وفهمه؛ فإن أخطاءه وأوهامه مما كان قال فيها الطناحي: «لا أقول كما يقول بعض المناقشين إن هذه الملحوظات لا تَغُضُّ من قيمة الرسالة، بل «تَغُضُّ وسِتِّين تَغُضُّ»! [39]
 
قال صاحبنا وهو في فسحة من أمره وهي أمثلة على أوهامه الساذجة ولم أستقصِ:
1- ص5: «ولد ابن تيمية سنة 661، لكن لم تبق في ذاكرته عنها [حران] إلا ذكرى فظيعة عندما وضعه أهله في عربة .. وتوجهوا إلى دمشق سنة 666».
وهم قدموا إلى دمشق سنة (667).[40]

2- ص11: «فالعقد السابع من عمر ابن تيمية كان بعد سنة 720 إلى وفاته سنة 728 عن 68 سنة».
ومن ولد ـ كما في النص السابق ـ سنة (661)، وتوفي سنة (728)، يتوفى عن (67) سنة وليس عن (68).

3- ص6: «الحسين بن يوسف بن المطهر الشيعي». اسمه الحسن [41].

4- ص5: «نصير الدين الطوسي: أبوعبدالله محمد بن محمد بن حسن الطوسي، الفيلسوف الكبير، والفلكي المشهور .. وتوفي في ذي الحجة سنة 672 ـ وقد نيف على الثمانين».
أ- نصيرالدين الطوسي: «الفيلسوف الكبير»، وأما ابن تيمية فلم يكن يفهم في الفلسفة شيئاً.
ب- كنية نصيرالدين: أبوجعفر، وليس «أبوعبدالله».
ج- توفي عن خمس وسبعين سنة ولم: «ينيف على الثمانين»، لأن ولادته كانت سنة 597.[42]
 
5- تطرق الخطأ إلى صاحبنا:
أ- لأنه رجع في ترجمة الطوسي إلى: «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد، تحقيق: محمود الأرناؤوط.
قال عبدالرحمن العثيمين: «واشتهر ابن العماد بكتابه «شذرات الذهب».. ثم أعاد تحقيقه محمود الأرناؤوط وطبع منه حتى سنة 1410هـ أربع مجلدات [تمَّ فيما بعد] .. ولنا على تحقيقه ملاحظات لا يتسع المقام لذكرها. ولعل من أهم هذه الملاحظات أن محققه لم يعتمد على نسخة المؤلف التي بخطه، وهي موجودة في مكتبة مدينة بتركيا ..»[43].
ب- ورجع في ترجمة ابن المطهر الحلي إلى: «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» لابن حجر، تحقيق: محمد سيد جاد الحق.
قال الطناحي: «... معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار: طبع طبعة وحيدة بمصر [هذا وقت تأليف الكتاب] وهي طبعة رديئة جداً، وغفر الله لناشرها، فهو رجل من أهل الفضل والوعظ، ولكن تحقيق الكتب ليس من صناعته.. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: طبع طبعتين .. والثانية بمصر .. وهي طبعة غير جيدة، ويقال فيها ما قيل في طبعة كتاب «معرفة القراء الكبار» السابق، فناشرهما واحد، ومحققهما واحد» [44].
 
6- ليس يُرجع في تحرير تراجم الفلاسفة ـ في بحث فلسفي ـ إلى «الشذرات» و «الدرر الكامنة» ولو إلى مخطوطات أصلية بخط مؤلفيها. وكلما كان المرجع مما أُفرد في ترجمة العَلَم كان أوفى وأدقّ.

7- عندما يذهب المرء إلى المختبر، يأخذون عيِّنة من دمه، فإن كانت العيِّنةُ فاسدةً كان الدَّمُ فاسداً كلّه، وهذه «عيّنة» من علم صاحبنا وفهمه..«ومن أراد أن يجادِل ويجالِد ابن تيمية في العلم والفهم، فعليه أن يكون حذراً غاية الحذر من أن يجادَل ويجالَد».
 



المحور السادس: موقفُ ابنِ تيمية من المنطق:

قال ص26: «موقف ابن تيمية من المنطق هو أكثر الجوانب استحواذاً على دراسات الباحثين، لذا فإني لا أجد حاجة إلى الإطالة في هذا الجانب، لاسيما بعد دراسات كثير من الباحثين من السنة والشيعة في هذا الجانب، كدراسة محمد حسن الزين «منطق ابن تيمية» وهي في قرابة 600 صفحة، ودراسات علي سامي النشار، وسأحاول هنا تلخيص رأيه في المنطق، مع بيان ارتباط نقده للمنطق بنقده للفلسفة عموماً». ثم تحدَّث في اثني عشر سطراً عن المنطق عند ابن تيمية.

«لا أجد حاجة إلى الإطالة في هذا الجانب»، فيم العجلة؟ سنمكث هنا بعض الوقت مع ابن تيمية والمنطق:

1- محمود يعقوبي: «نريد أن نثبت بهذا البحث ثلاث قضايا: أولاها أن الإمام ابن تيمية نقد المنطق المشائي نقداً مذهبياً شاملاً كما لم ينقده أحدٌ من المفكرين الإسلاميين لا قبله ولا بعده». [45]

2- محمد عبدالله الشرقاوي: «تفجرت في القرن السابع عشر ـ الذي بدأت منه وبه الفلسفة الحديثة ـ النزعة التجريبية على يد فلاسفة علماء كبار، يقف على رأس صفهم الطويل فرنسيس بيكون (1561-1626). ولم يدخر بيكون وسعاً في مهاجمة الفلسفة التقليدية والحط من شأنها، وتحميلها أوزار الجمود العلمي والقحط العقلي الذي آل الأمر إليه. وإنه ليتعجب من ضحالة الفلسفة التقليدية وعقمها، وعجزها عن الإسهام الفاعل في رفاهية الإنسان وتقدمه وسعادته.. قد برز لبيكون ـ مثلما برز لمعاصره ديكارت [46] ـ الحاجة الماسّة إلى إصلاح المنهج العلمي، فوضع بيكون المنهج الاستقرائي التجريبـي، وضمنه كتابه «الأورجانون الجديد» أي: المنطق الجديد والآلة الجديدة في مقابل «الأورجانون القديم» الذي يتضمن منطق أرسطو الذي أفسد العلم وأصاب العقل البشري بالجدْب والعقم.
ولنلاحظ أن فرنسيس بيكون قد نقد منطق أرسطو ونقضه بما نقده به ونقضه المفكر المسلم (ابن تيمية) في كتابيه «نقض المنطق» و «الرد على المنطقيين». وإنا لنتطلع إلى دراسة العلاقة بين هذين المفكرين العملاقين: ابن تيمية وهو السابق، وبيكون وهو اللاحق في ضوء نقد كل منهما لأرسطو». [47]

3- مصطفى طباطبائي: «جان لوك وابن تيمية: ولد جان لاك الفيلسوف الشهير الإنجليزي في عام 1632م قرب مدينة بريستول في إنجلترا، وتوفي في عام 1704. وهذا المفكر الشهير له دور كبير في نقد منطق أرسطو في العالم الغربي .. الكتاب المشهور لجان لاك يسمى: «رسالة في فهم البشر»، كما هو ظاهر من اسمه، كتب في مباحث تتعلق بمعرفة الذهن وقوانينه .. جان لاك – بخلاف بعض المناطقة – اعتبر المعاني الكلية أو الكليّات مخلوقاً من قدرة الفهم والعقل البشري، ولم يكن يعتقد لها وجود مستقل خارجي، ويقول في هذا الصدد: «واضح أن العمومي والكلي لا يتعلقان بالوجود الواقعي للأشياء، بل هما من اختراع الفهم الإنساني وخلقه».
هذا الرأي هو الذي بيّنه ابن تيمية قبل جان لاك بشكل أوضح وقال: «ومن أخصّ صفات «العقل» التي فارق بها «الحس» [إذ الحس] لا يعلم إلا معيّناً، والعقل يدركه كلياً مطلقاً». وعندئذٍ يوضح ابن تيمية: «وفصل الخطاب: أنه ليس في الخارج إلا جزئي معيّن، ليس في الخارج ما هو مطلق عام مع كونه مطلقاً عاماً..».[48]

4- فضل قائد علي: «لم يقل جون ستيوارت مل أكثر مما قال به ابن تيمية؛ وهو يقرر أن القياس الأرسطي تحصيل حاصل، لأن النتيجة «سقراط فان» متضمنة في مقدمة القياس الكبرى «كل إنسان فان» طالما وأن «سقراط إنسان» كما تقول المقدمة الصغرى». [49]

5- عفاف الغمري: «على صفحات هذا الكتاب بيان لمحاولة ابن تيمية المنطقية، وهي من المحاولات القليلة للنقد العلمي الموضوعي من عقلية عربية لمنطق أرسطو، فهي محاولة لم تكتف بالرفض دون تقديم الأسباب، أو القبول دون التوصّل إلى أدلة أو براهين على الصدق بالصحة. فلم يكن نقد ابن تيمية للمنطق لمجرد الهدم، أي هدم طريقة قديمة في التفكير بل كان لإظهار عدم كفاية هذه الطريقة في بلوغ المعرفة، أو في عصمة التفكير الإنساني عن الوقوع في الخطأ، لأن طرق الاستدلال الصحيحة موجودة في القرآن، ومن ثم فلا حاجة بنا إلى المنطق التقليدي طالما أننا نستغني عنه بما هو أكثر دقة .. جاء رفضه واعياً عن دراسة وفهم، فناقش المنطق القديم بصفة عامة ونظرياته، وأهمها نظرية القياس وقواعده وبراهينه وأوضح بطلانها أو عدم كفايتها في الوصول إلى المعرفة الحقة. فقدم بذلك محاولة نقدية مكتملة .. وكانت من المحاولات النقدية القليلة في تاريخ الفكر الإسلامي التي رفضت المنطق الأرسطي بناء على نقد ومناقشة لا عن إسقاط أو إحجام أو تكفير .. في دراستنا لحجج ابن تيمية التي وجّهها للمقام الموجب في الحد؛ وافقنا الدكتور عزمي إسلام في إثبات وجود تشابه بين بعض ما قاله ابن تيمية في هذه الحجج من نقد للمنطق الأرسطي، وبين الوضعيين المنطقيين أو التحليليين المعاصرين، خاصة: كارناب، وبرتراند رسل، وفتنجشتين، فابن تيمية في نقده لفكرة الماهيات الثابتة، وقوله بعدم وجود الماهيات والكليات إلا في الأذهان؛ يستخدم منهجاً تحليلياً لا يقل في دقته ووضوحه عن تحليلات فلاسفة ومناطقة التحليل المعاصرين أمثال رسل وفتنجشتين».[50]
لِمَ أغَذَّ صاحبُنا السير عند الحديث عن المنطق وابن تيمية، فلم يعد به حاجة إلى الإطالة؟
أيكون الكلام عن قيمة تراث ابن تيمية في المنطق ينقض عليه بحثه كله ويهدمه على رأسه، لذا آثر السلامة وأسرع السير مخافةَ أن يصيبه مكروه؟ إن القول بعدم معرفة «الفقيه الحنبلي» ابن تيمية بالفلسفة، وعدم اطلاعه عليها في مصادرها الأصلية وتلقيه لها عن شيوخها، والقول بقيام منهجه فيها على التلفيق والنفعية؛ يقال في المنطق أيضاً فما الفرق؟
لاسيما أنه قد جرى على لسانه غفلةً منه: «ارتباط نقده للمنطق بنقده للفلسفة عموماً».
إنه ليس يصح في الذهن أن يبلغ ابن تيمية في نقده للمنطق المشائي هذا المبلغ؛ ثم هو يفشل بعد ذلك في الفلسفة الفشل الذريع الذي يريده له هذا المتعجّل.
يرى جون ديوي: أن علاقة المنطق بالفلسفة كعلاقة المنطق بالبحث ذاته، فأيّ تغيير في أحدهما لا بد أن ينعكس على الآخر، والمؤلفون في المنطق حين لا يفصحون عن ميولهم في اتجاهاتهم الفلسفية؛ فإن التحليل يكشف عن الرابطة بين الميول وما يذهبون إليه من نظرية منطقية. [51]
قال ابن تيمية: «لما كنت بالإسكندريّة اجتمع بي مَنْ رأيتُه يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد، فذكرتُ له بعضَ ما يستحقونه من التجهيل والتضليل، واقتضى ذلك أني كتبتُ في قعدة بين الظهر والعصر من الكلام على المنطق ما علّقتُه تلك الساعة، ثم تعقّبتُه بعد ذلك في مجالس إلى أن تمّ. ولم يكن ذلك من همّتي، فإن همّتي إنما كانت فيما كتبتُه عليهم في «الإلهيات». وتبين لي أن كثيراً مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات .. فأراد بعض الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم في المنطق، فأذنتُ في ذلك، لأنه يفتح باب معرفة الحق، وإن كان ما فُتح من باب الردّ عليهم يحتمل أضعاف ما علّقتُه تلك الساعة».[52]
«كتبتُ في قعدة بين الظهر والعصر .. ولم يكن ذلك من همّتي»...
كان صاحبنا قد قال في مقدمة بحثه: «تتجاوز أهمية هذا البحث مجرد كونه ..» وقال: «وحسبي أن أكون مهدت الطريق أمام هذه الدراسات..»؛ زائرٌ ينصب خيمةً قديمةً وسط ناطحات السحاب في نيويورك، ثم يذهب يتحدَّث ـ بلا خَجلٍ ـ عن شيءٍ يشبه بداية تأسيس الهندسة المعماريّة!
إنك فشلت في أن تكون مشروعَ شيخٍ في الإسلام، وتريد ـ ويْحَكَ ـ أن تَنْقُضَ شيخَ الإسلام كلِّه..
أما بعد: فقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية ـ رحمه الله ورضي عنه ـ واحداً من أكبر العقول العلمية التي عرفها تاريخ الإنسان، ورائدَ دعوة تجديدية تنويرية قلَّ أن بلغتْها دعوةُ مجدّد في الإسلام، وهو حجة الله على أهل العقول: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} البقرة: 269.
وإن بلداً طيباً شعاره التوحيد، ودثاره منهج السلف الصالح؛ ليس يسمحُ بأن تُعرّيَه منهما أقلامٌ غِرَّةٌ مغرضةٌ، لم تجد نفسها في الحق، فبحثتْ عنها في الباطل، ومن رام دَرْسَ الفلسفة الوثنيّة ففي تلك البلاد متَّسع.. ما دام قد ضاق صدره بلا إله إلا الله تعلو بها مآذن المساجد في جامعاتنا.
 



شيءٌ من مثل ما نحن بسبيله:

كثُر حديث المتحدِّث عن: «الانفتاح العالمي» وأثرِه في الصحوة الإسلامية، لكن قلّ الحديث عن أثر هذا الانفتاح العالمي في: «انتكاسات الصحوة».
كان غايةُ منتكس الصحوة قبل عدة سنوات: سيجارةً يشربها في تخفٍّ، أو أغنيةً يسارق سماعها، فإذا تفلَّتَ؛ أكثر من السهر.. أفعالٌ تحكمها براءة المجتمع ويتوب الله على من تاب.
وأما اليوم؛ فثمَّ ـ مع الشهوة ـ تلوُّثٌ فكريٌّ، وجماحٌ عقليٌّ غالب، وشططٌ بالغ السوء؛ جعل منتكسَ الصحوة يواجه الصحوةَ نفسَها بوجه صفيق بعد أن كان يتوارى منها خجلاً.. صار ينازعها أصولَها وثوابتها في سَوْرةٍ محمومةٍ، وأصبحتَ تسمعُ أصواتاً مبحوحةً تتحدث عن: «المفصل الثقافي» والعروي، والجابري، و«الحراك الاجتماعي» وصادق العظم، وأركون، وابن تيمية الذي لا يفهم في الفلسفة.. فعسى أن أوفَّقَ للعَوْد وبسط هذا الموضوع، لأن السلفية ليست تطامن من العقل، ولا ترفض أن يُعْمَل العقل فيما حَقُّه أن يُعْمَل فيه، ولأن العقل الغربيَّ بمنهاجه ليس أقدَرَ على الدَرْس الحضاري من عقلٍ بمنهاجٍ سَلفيٍّ.
والعقل، هذا العقل ويلٌ له إن هو تَلَعَّبَ به صاحبه.
ونحن، نعم نحن: متى ندرك أن سرعة تغيّر الأفكار من خصائص العقل الناشئ، وأننا إن لم نحرص على هذه العقول تخَطَّفتْها عصاباتُ المعرفة فأحدثتْ بها عاهاتٍ فكرية؛ ثم أعادتها لتتسوّل بها على حسابنا!


عبدالله بن عبدالعزيز الهدلق
1428


 
--------------------------
الهوامش
[1] حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب، ص57.
 والاستغراب: دراسة الغرب برؤية شرقية.
[2] محمود ماضي، جذور علم الاستغراب، وقفة مع الرد على المنطقيين لابن تيمية، ص5، 6. وقارن هذا بقول باسمة جاسم: «وهنا نلاحظ أن ابن رشد يظهر مع عموم الفلاسفة والمناطقة والشراح مدافعاً بذلك عن المذهب الأرسطي، ويؤاخذهم لأنهم خرجوا على المعلم الأول ونصوصه، وهذا الموقف نابع من استحكام تأثر ابن رشد الشديد بأرسطو». النقد المنطقي لابن رشد، ص8.
[3] في: الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، 1/66: «..أول من أفسد الكلام أبو الفضل[ ابن العميد]، لأنه تخيّل مذهب الجاحظ وظن ّ أنه إن تبعه لحقه، وإن تلاه أدركه، فوقع بعيداً من الجاحظ، قريباً من نفسه؛ ألا يعلم أبو الفضل أن مذهب الجاحظ مدبَّرٌ بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان، ولا تجتمع في صدر كلِّ أحد: بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ؛ وهذه مفاتح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلما ينفك منها واحد».
عن التوحيدي في بعض تراث ابن تيمية: عبد الأمير الأعسم، أبو حيان التوحيدي في كتاب المقابسات، ص22. 
[4] أود أن أنبه على:
أ – أن البحث غير مرقم الصفحات، فآمل ترقيمها بتجاوز صفحة الغلاف ووضع الرقم (1) للمقدمة حتى تتفق الإحالة.
ب- أن هوامش البحث تنتهي في الأوراق التي بين يديّ بالهامش رقم (40)، مع أن إحالة الهوامش في المتن بلغت رقم (154)، فما في هذه القراءة لا يتجاوز البحث بهوامشه الأربعين.
ج- أن البحث غير مؤرخ.  
[5] قال ابن بسام عن الشيخ إبراهيم ابن جاسر : «حدَّثَني أحد تلاميذه وهو الشيخ عبدالرحمن السعدي.. أنه [ابن جاسر] كان يدرس للطلبة في ـ المنهاج ـ لشيخ الإسلام ابن تيمية في بريدة، فقرأ القارئ أمام الدرس كلام المعارض ـ ابن المطهر ـ وأخذ القارئ يسرد أقواله في الرفض والضلال، فما انتبه الطلبة إلا على بكاء الشيخ ونشيجه وترحُّمه على شيخ الإسلام، فلمّا سكن قال: «أيها الإخوان لو لم يقيِّض اللهُ لهذا الطاغية وأمثاله مثل هذا الإمام الكبير، فمن الذي يستطيع الرد والإجابة على هذه الحجج والشبهات». علماء نجد خلال ثمانية قرون، 1/281. ويرى الشيخ ابن سعدي أن ابن تيميّةَ من لطف الله بعباده في أثناء قرون هذه الأمة: المواهب الربانية من الآيات القرآنية، ص149.      
[6] المجددون في الإسلام، ص266، 439.  
[7] لست مع حسن حنفي في قوله في مراجعة كتاب الصادق النيهوم: إسلام ضد الإسلام: «كما أن كثرة الاعتماد على النصوص المنتقاة تقلل من ثقل الحجج العقلية». هموم الفكر والوطن، 2/402. إلا أن يُقيَّد قوله فيقال: إن كثرة الاعتماد على النصوص المنتقاة تقلّل من ثقل الحجج العقلية؛ إذا كان  موضوع النقاش من مجال الحجة العقلية. ماذا لو قال دارسٌ للحضارة المصرية لحسن حنفي: إن لفظة «فرعون» لم ترد في القرآن؟
ولرياض الريس في: آخر الخوارج، أشياء من سيرة صحافية، ص195، رسالة عن الصادق النيهوم ومنع كتابه في لبنان.   
[8] فليسوف العرب والمعلم الثاني، ص123،120.  
[9] تجليات الفلسفة العربية، منطق تاريخها من خلال منزلة الكلي، ص147.
[10] الله والعالم والإنسان في الفكر الإسلامي، ص140.
[11] ابن تيمية واستئناف القول الفلسفي في الإسلام، ص26،13.
[12] ابن تيمية وموقفه من الفكر الفلسفي، ص269،266.
[13] درء تعارض العقل والنقل، 1/22.
[14] أثر القرآن على منهج التفكير النقدي عند ابن تيمية، ص67. لو أخذنا سنة (717) على أعلى تقدير لوقت كتابته «الدرء»، وحذفنا من هذا التاريخ «نحواً من ثلاثين سنة»، يكون ابن تيمية المولود سنة (661)، قد ألف هذا الكتاب وهو دون الثلاثين بيقين.
[15] بيان تلبيس الجهمية، 1/37. عن: صالح الغامدي، موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة ومنهجه في عرضها، ص207.
 قال الكردي: «لقد بدأ تحصيله للفكر الفلسفي بداية مبكرة جداً حتى كون لنفسه فكرة عن الفلاسفة والمتكلمين وهو صبي في عمر البلوغ.. وهذا واضح باعترافه هو في مصنفه عن رد المنطق [ص24] فهو يقول: « وأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم (الفلاسفة والمتكلمين) من المشغوفين بهم ـ وأنا إذ ذاك صغيرٌ قريب العهد من الاحتلام ـ كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل إما في الدلائل وإما في المسائل..». أثر القرآن، ص67.
  ألم يتعثّر صاحبنا في بحثه اللاهث بشيءٍ من هذه الأقوال وهو يفتش في تراث ابن تيمية؟   
[16] الإشارة هنا إلى «الشيخ الكوثري»، «إشارةٌ سرحانيَّة».. فالكوثريُّ يقول في كتابه: من عبر التاريخ، عن ابن ملكا ص38: «تظاهر بالإسلام ابتعاداً عن الهوان والله أعلم بما في قلبه، وهو الفيلسوف الوحيد الذي وجد ابن تيمية بغيته عنده واتخذه قدوةً لنفسه في القول بجواز حلول الحوادث في الله سبحانه، تعالى الله عن إفك الأفاكين».
 ليس بي هنا مناقشة كلامه في ابن تيمية فقد كُفِيناه، لكن قوله عن ابن ملكا: «تظاهر بالإسلام..»، ردّه عليه أحمد الطيب في: الجانب النقدي في فلسفة أبي البركات البغدادي، ص38.
 ما أحسن ما ختم به محمد أحمد عبد القادر دراسته: الشيخ زاهد الكوثري وجهوده في مجال الفكر الإسلامي، حيث قال:
« يؤخذ على الكوثري في إطار حماسه الزائد اندفاعه إلى تخطئة غيره ممن لا يتفق معه إلى حد رَمْيه بالكفر، أو يصف خصمه بأوصاف لا يليق أن تصدر عن عالم أو مفكر مثله».
[17] «وخطتي في بحث موقف أبي البركات من الفلسفة المشائية.. تحليل الفكرة المنقودة، وذلك بتعقبها عند القائلين بها، وفي مظانها التي قيلت فيها، سواء عند أرسطو أو عند الأفلاطونية المحدثة، أو عند المشائية الإسلامية ممثلة في الفارابي وابن سينا، وقد كان أبو البركات ينقل في ذلك نقلاً غاية في الدقة والضبط والأمانة». أحمد الطيب، الجانب النقدي، ص10.  
[18] منهج جديد لدراسة الفلسفة الإسلامية، ضمن: المشكاة، مجموعة مقالات في الفلسفة والعلوم الإنسانية مهداة إلى اسم المرحوم الدكتور علي سامي النشار [ت 1980]، ص20.
[19] مقدمة تحقيق: الشرح الكبير لمقولات أرسطو، لأبي الفرج ابن الطيب، ص11. ولعبدالأمير الأعسم في: دراسة منطق ابن رشد، ضمن: ابن رشد فيلسوف الشرق والغرب في الذكرى المئوية الثامنة لوفاته: «ابن رشد كان يمتلك الوعي بالنص الأرسطوطاليسي بحيث استطاع أن يكُون الحكم العقلاني التاريخي على كل أقوال المفسرين والشراح والمتأولين لأقوال أرسطوطاليس». 1/81.
[20] درء تعارض العقل والنقل، 9/434.
[21] المرجع السابق، 6/210.
[22] في: دليل الرسائل الجامعية في علوم شيخ الإسلام        ابن تيمية، لعثمان شوشان، ص77:موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من سيف الدين الآمدي في الإلهيات، ليحيى الهنيدي، جامعة أم القرى، 1407هـ. وفي هذا الدليل (صدر سنة 1424) مئة وسبع وسبعون رسالة علمية، منها مئة وثلاثون رسالة درستْ تراث ابن تيمية، والباقي في تحقيقه.    
[23]عبد الأمير الأعسم، المصطلح الفلسفي عند العرب، ص118. نُشر «المبين» ضمن الكتاب السابق، وأفرده الأعسم في: الفيلسوف الآمدي، دراسة وتحقيق.  
[24] هنا تعتيمٌ إعلامي آخر وربط لخيوط الحيلة، فهذه شخصيةٌ فلسفية أخرى كانت تدرس الفلسفة في دمشق، وليس ذلك فحسب، بل هو صاحب أهم كتاب في تراجم الفلاسفة في تاريخنا الإسلامي: عيون الأنباء في طبقات الأطباء. ولا تغترَّ «بطبقات الأطباء» هذه، فما أكثر ما صَرَف عن هذه الكتب أسماؤُها.
 لما كان كثير من الفلاسفة يشتغلون بالطب، وكان عصر  ابن أبي أصيبعة يمقت الفلاسفة، أخفى عقول فلاسفته بأردية الطب، فعوقب بأن أخفاه صاحبنا فلم يذكره ولا كتابَه في بحثه قط.  
 توفي ابن أبي أصيبعة سنة (668).  
[25]حسن الشافعي ،الآمدي وآراؤه الكلامية، ص40، 43، 166.
[26]نقض المنطق، ص156، فهرس: الدرء، 11/149. وفهرس: منهاج السنة، 9/222.  
[27] علي جواد الطاهر، منهج البحث الأدبي، ص19. عثمان أمين، ديكارت: «ضرورة المنهج وماهيته» ص76.
[28] عبد الحكيم أجهر،ابن تيمية واستئناف القول الفلسفي في الإسلام، ص82. محمود يعقوبي ،ابن تيمية والمنطق الأرسطي، ص7. قال إبراهيم عقيلي: «حاولت من خلال ما سبق التدليل على مفهوم التكامل المنهجي عند ابن تيمية، وكيف أنه حاول الاستفادة من جميع طرق المعرفة الممكنة فلم يلغ بعضها لحساب بعض، وإنما عمل بكل طريق في مجاله، ونظر إلى كل مصادر العلم على أنها متكاملة ومتداخلة لا مستقلة ومتباينة، وألغى المحاولات السابقة «للتلفيق» بينها على أساس أن بعضها تابع لبعض مطلقاً». تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية، ص383.
[29] مدخل جديد إلى الفلسفة، ص53.
[30] إرنست رينان، ابن رشد والرشدية، ترجمة عادل زعيتر، ص70. محمد عبدالستار أحمد، المدرسة السلفية وموقف رجالها من المنطق وعلم الكلام، ص248. ولزينب الخضيري: «لقد فعل ابن رشد لأرسطو مالم يفعله المؤلفون المسلمون إلا للقرآن ». أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، ص7.
[31] محمد عبد الستار أحمد، المدرسة السلفية، ص433.  
[32] نقض المنطق، ص34.  
[33] الرسالة الصفدية، ص252.
[34] بغية المرتاد، ص387.
[35] فصوص الحكم، 1/61. عن محقِّقَيْ: الرسالة الصفدية، ص253. ولعبد الرحمن بدوي في: تاريخ التصوف الإسلامي، ص78، إشارة لموقف ابن تيمية من ابن عربي.   
[36] «للتوماويّ» يوسف كرم (ت 1959)، و«للراهب» الدومينيكاني جورج شحاته قنواتي (ت 1994)؛ أثرٌ بالغ السوء في كثير من مثقفي مصر، ولا سيما من أصبحوا فيما بعد أساتذة الفلسفة في مصر والعالم الإسلامي: محمد عبدالهادي أبوريدة، وعثمان أمين، وعبدالرحمن بدوي، وعاطف العراقي، وزينب الخضيري...
 هذا الأثر يحتاج إلى توسّع لا تفي به هذه الإشارة.
 وفي كتاب: أبونا قنواتي، ص 83: «والطريف أن الأب قنواتي عندما كان يرأس قدّاس الصباح في الدير، كان يضع فوق المذبح بطاقة صغيرة تحتوي على أسماء الذين في فكره وحسبانه ليذكرهم في صلاته، وكان يقرأ حوالي ثلاثمائة وعشرين اسماً .. منهم على سبيل المثال: طه حسين ..»!
 وفي: العقل والتنوير، لعاطف العراقي، ص 475: «جثمان الأب الدكتور جورج قنواتي .. وقد وقف بجوار الجثمان تلميذه عاطف العراقي».
 ولنا مع الفيلسوف «الكذَّاب» عاطف العراقي تلميذ الأب جورج؛ وقفة مع «كذبه المخزي» على ابن تيمية ومصطفى عبدالرازق في غير هذا القراءة إن شاء الله.
[37] رفيق العجم، موسوعة مصطلحات ابن تيمية، ص448.
[38] تجليات الفلسفة العربية، ص438.  
[39] تركي بن سهو العتيبـي، الليلة الأخيرة، ضمن كتاب: محمود الطناحي .. ذكرى لن تغيب، ص38.  
[40] محمد عزير شمس، وعلي بن محمد العمران، الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، الفهرس التفصيلي: «انتقاله مع أسرته من حران إلى دمشق ـ تاريخه»، ص751.
[41]صالح مهدي هاشم، المشهد الفلسفي في القرن السابع الهجري، دراسة في فكر العلامة ابن المطهر الحلي ورجال عصره، ص335. وفي: الأعلام 2/228: «الحسن كما هو هنا ويخطئ من يسميه الحسين».  
[42]عبدالأمير الأعسم، الفيلسوف نصيرالدين الطوسي، مؤسس المنهج الفلسفي في علم الكلام الإسلامي، ص23، ص25.
 وفيه ص41: «ومن هنا اختصه هولاكو به فأكرمه «غاية الإكرام» كما يشير إلى ذلك البحراني والخوانساري، ولم يمر وقت طويل على هذه الصلة التي أثارت في نفس النصير سعادة المطمئن بعد أن لاذ بالوحش من الوحش نفسه، أن أعلن بشكل رسمي أنه شيعي (اثنا عشري)؛ فأزاح عن وجهه قناع التقيّة التي لازمته طوال ثمانية وعشرين عاماً في قلاع الإسماعيلية، وكان ذلك الإعلان المدهش في الرابع عشر من شوال سنة 654هـ.. ليصبح فيما بعد الزعيم العقلي للفكر الشيعي بلا منازع حتى يومنا هذا، والفيلسوف الشيعي الأول الذي يفخر به التراث الشيعي بكامله».  
[43] السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة، 2/460.  
[44] الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم، ص53، 73. واللوم يقع ـ مع الناقل ـ على محقق «الشذرات» ومحقق «الدرر»، لأنهما لم ينبها على الوهم.  
[45] ابن تيمية والمنطق الأرسطي، ص5.  
[46] قال ديكارت: «معظم من أرادوا في هذه القرون الأخيرة أن يكونوا فلاسفة قد تابعوا أرسطو متابعة عمياء.. أما من لم يتابعوه ـ وفيهم كثيرون من ذوي العقول الراجحة ـ فلم يبرأوا من التشبع بآرائه في شبابهم، لأنه لا يُعَلَّم في المدارس سواها، وقد شغلهم ذلك شغلاً حال دون وصولهم إلى معرفة المبادئ الحقة». مبادئ الفلسفة، ترجمة عثمان أمين، ص35.
[47] مدخل نقدي لدراسة الفلسفة (1988)، ص143. وفي: دليل الرسائل الجامعية في علوم شيخ الإسلام، ص145: نظرية المنطق بين شيخ الإسلام ابن تيمية وفلاسفة الغرب، لجلال أحمد عبد النبي، جامعة القاهرة، 1989.   
[48] المفكرون المسلمون في مواجهة المنطق اليوناني، ترجمة عبدالرحيم البلوشي، ص135ـ 137.  
[49] نقد نظرية القياس الأرسطية عند ابن سينا وابن تيمية، ص136. عن ابن تيمية وجون ستيوارت مل: علي سامي النشار، المنطق الصوري منذ أرسطو وتطوره المعاصر، ص424.
 قال توفيق الطويل: «كان طبيعياً أن يفيد «مل» من الدراسات العلمية التي أدت إلى قيام الاستقراء وبيان خطواته ومراحله، وقد بدأت هذه الدراسات على يد روّاد الفكر الحديث». جون ستيورت مل، ص133. لاحظ قوله: «بدأت هذه الدراسات على يد روّاد الفكر الحديث». 
[50] المنطق عند ابن تيمية، ص10، 333. ونؤكد أن بعض من أوردنا نقولهم لم يسلّموا لابن تيمية بكل أقواله، بل ناقشوه  في كثير منها.
[51] محمد تقي المدرّسي ،المنطق الإسلامي، أصوله ومناهجه، «العلاقة بين الفلسفة والمنطق»، ص33.
[52] الرد على المنطقيين، ص45.  
 

 
سليمان الخراشي
  • كتب ورسائل
  • رسائل وردود
  • مطويات دعوية
  • مـقــالات
  • اعترافات
  • حوارات
  • مختارات
  • ثقافة التلبيس
  • نسائيات
  • نظرات شرعية
  • الصفحة الرئيسية