اطبع هذه الصفحة


وقفات مع التفجيرات

د. إبراهيم بن عبد الله الدويش

 
لقد جاء هذا الدين العظيم من أجل مقاصد عظيمة يجب أن يتعلمها كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ، هي حفظ الضرورات الخمس،والتي يُسميها العلماء مقاصد الشريعة:حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، وحفظ المال، وما فتئ العلماء العارفون يبنون الأحكام والمسائل على هذه المقاصد العظيمة،فلّما غاب العلم وتفشى الهوى والجهل وكثرت الشبهات، ظهرت الفتن والهرج والقتل، دون مراعاة لهذه المقاصد، ومن أجل ذلك فإنّ كلَّ عملٍ تخريبي يستهدف الآمنين مخالف لأحكام شريعة ربّ العالمين،والتي جاءت بعصمة دماء المسلمين والمعاهدين، فكيف إذا كان ذلك في بلدٍ مسلمٍ آمن،بل هو مهبط الوحي والرسالة والنور الذي يشع في جنبات الأرض كلها!!كيف إذا كان ذلك في بلد الدعوة والدعاة!! لا شك أن ذلك أشدّ حرمة بإجماع علماء المسلمين العارفين، فضلاً عمّا في ذلك من هتك لحرمة الأنفس والأموال المعصومة، وهتك لحرمة الآمنين المطمئنين في مساكنهم، وإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار، وما حدث مساء الاثنين الماضي من تفجير وتدمير وترويع لمؤلم حقاً، ولا يوافق عليه لا شرعاً ولا عقلاً، فكم من نفس مسلمة بريئة أزهقت، وكم من أموالٍ وممتلكاتٍ أُتلفت، وكم من نفوس مؤمنة آمنة رُوِّعت، عجباً أين يذهب هؤلاء إن كانوا مسلمين بآية صريحة يقول الله تعالى فيها: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً) ،"ولزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" كما قال (صلى الله عليه وسلم) (النسائي والترمذي)، ولا يزال المسلم في فسحة في دينه ما لم يصب دماً حراماً.

ولي مع هذا الحدث وقفات:
أولاً: أنه في مثل هذه الأحداث تضطرب النفوس،وتكثر الاتهامات والأقاويل،والمسلمون مأمورون بالتثبت والتأني وعدم العجلة،والسكينة والحكمة في معالجة الأمور، وكم ظُلم واتهم أناس في مثل هذه الأحداث بسبب التسرع والظنون السيئة، وكم هو جميلٌ عندما سئل متحدث باسم الأجهزة الأمنية السعودية عن الجناة ؟ فاكتفى بقوله:"إن التحقيق في شأن هذه الانفجارات جارٍ وسوف يتم الإعلان عن تفاصيلها عندما يكتمل التحقيق".

ثانياً: لا بد من الحذر كل الحذر من القيام بمثل هذه الأعمال باسم الإسلام ومحاربة الكافرين، فإن هذا جهل وانحراف عن المنهج الصحيح إذ إنه دين الإسلام دين عظيم، حفظ الحقوق لأهلها، فقد حفظ للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم، وحرم انتهاكها وشدّد في ذلك، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع:"إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فَأَعَادَهَا مِرَارًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا:نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (متفق عليه).وقال صلى الله عليه وسلم:"كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ".وقال عليه الصلاة والسلام:"اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ"(الترمذي). ومن عظمة هذا الدين أن حفظ لغير المسلمين حقوقهم أيضاً ،فقال سبحانه في حقّ الكافر الذي له ذمة - في حكم قتل الخطأ - : (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [ النساء:92]،فإذا كان الكافر الذي له أمان وعهدٌ إذا قتل خطأ فيه الدية والكفارة، فكيف إذا قتل عمداً، فإن الجريمة تكون أعظم، والإثم يكون أكبر. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا "رواه البخاري.وفي الحديث وعيد شديد لمن قتل معاهداً،وأنه كبيرة من الكبائر المتوعد عليها بعدم دخول القاتل الجنة،عياذاً بالله، وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم دروس وعبر،فإنه لما نجى عمرو بن أمية رضي الله عنه في قصة بئر معونة ورجع لقي في الطريق رجلين من بني كلاب، فقتلهما وهو يرى أنه قد أخذ ثأر أصحابه،وما شعر أن معهما عهداً من رسول الله، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أمر بجمع ديتهما من المسلمين وحلفائهم من اليهود. إنها عظمة الإسلام لا غدر لمن كان له عهد مهما كانت الظروف والأحوال، ومهما بلغت النفوس الحناجر وضاقت بالكفار ومكرهم، فإن للإسلام آداباً وأحكاماً يجب أن يتربى عليها شباب الإسلام..فقد دفع النبي صلى الله عليه وسلم الدية للكافريْن رغم تألمه لأصحابه الذين قتلوا في بئر معونة، بل وتألمه قبلها بأيام على الصحابة الذين قتلوا في حادثة الرجيع أشدّ الألم ، بل ما وجد على أحد مثل ما وجد عليهم كما قال أنس.ومن شدة ما وجد صلى الله عليه وسلم ظل يقنت ويدعو ثلاثين صباحاً على رِعل، وذكوان، ولحيان، وعصية، ويقول:عصية عصت الله ورسوله. إنه درس عملي لشباب المسلمين في ضبط الأعصاب والتصرف بحكمة خاصة أثناء الفتن والشدائد،وأثناء الضعف وقلة الحيلة، ودرس في اللجوء إلى الله واستمرار الدعاء على الأعداء كل يوم ولشهر كامل.

ثالثاً: ليحذر كل مسلم أن يُشوه صفحة الجهاد والمجاهدين في سبيل الله،فإن الجهاد فريضة عظيمة وهو ذروة سنام الإسلام له ضوابطه وأصوله،ولن يُدحر تسلط الكافرين وجبروتهم إلا برفع راية الجهاد في سبيل الله خالصة نقية، وللمجاهدين في أفغانستان والشيشان وغيرهما فضل كبير ودور عظيم في نصرة الإسلام والمسلمين يجب أن لا يُنسى،فقد بذلوا أرواحهم في سبيل الله، فإن أخطأ أو انحرف بعض المنتسبين إليهم، فلنتق الله أن نُعمم ذلك،أو أن نُلطخ صور الجهاد الناصعة. فشتان بين الجهاد والإرهاب، فالجهاد من أجل إعلاء كلمة الله،وبخلق وأدب المسلم المجاهد، كما قال أبو بكر في وصيته لقائد جيشه يزيد بن أبي سفيان : "إني موصيك بخصال،لا تغدر ولا تمثل، ولا تقتل هرماً، ولا امرأة ولا وليداً،ولا تعقرن شاةً ولا بعيراً إلا ما أكلتم ،ولا تُحرقن نخلاً،ولا تخربن عامراً، ولا تغلّ ولا تجبن"، الله أكبر سجل يا تاريخ، واكتبي يا أقلام، لتسمع الدنيا حق حقيقة الجهاد، فالمسلم عظيم بأخلاقه حتى وإن كان في ساحة الجهاد؛ أما الإرهاب فكلمة محصورة في تخويف الناس دون وجه حق بالقتل والخطف، والتخريب والنسف،والسلب والغصب، والزعزعة والترويع، والسعي في الأرض بالإفساد. فلنتق الله ولنحذر من خلط الأوراق ببعضها.

وخلط الأوراق يؤكد نقطة رابعة، هي: الحذر ممن يصطاد بالماء العكر،ويستغل الفرص لهواه من اتهام الأبرياء، أو تعميم الأخطاء، أو رمي المناشط التربوية والمدارس القرآنية ومناهج التعليم ومنابر الدعوة كلها بالانحراف، فإن هذا مما يُسبب التطرف والغليان خاصة في نفوس الشباب الذين يقرأون ويسمعون الاتهامات الكاذبة تُوجه إليهم وإلى محاضنهم، ولا يملكون إلاّ الاحتقان والانفعال..،فلابدّ أن يعي هؤلاء أن مواجهة الغلو لا تكون بالتنفير من الدين وتشويه أهله،وإظهار أهل العلم والصلاح بصورة منفرة،فإن الشعوب مسلمة، وتحب دينها،وهي متمسكة به مدافعة عنه مهما أرجف المرجفون"ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، فلا بدّ إذاً من اتزان الكلمة والاعتدال فيها، فالطرح المنصف له أثر كبير في الأمن والاستقرار.وقد نبه وزير الداخلية على هذا فقال:"إنني أناشد الإعلاميين أن يبذلوا جهدهم في تقصي الحقائق وأن يتحملوا مسؤولياتهم بأن لا يعطوا الرأي العام الداخلي والخارجي إلا أشياء متأكدين منها..".

خامساً: إن على الجميع وبالأخص العلماء والدعاة والمربين واجباً عظيماً في بيان الحق للشباب،ووصف الطريق الأسلم لهم ؟! وتوعية الناشئة وتبصيرهم بسلامة المنهج، والشباب بأمس الحاجة اليوم لمن يفتح قلبه لهم، ويجلس إليهم، ويسمع منهم، ويلين القول لهم، بدل أن تٌغلق الأبواب في وجوههم، وتعصف بهم الشبهات والضلالات، أو يتركون لفضائيات اللهو والمجون تَرسم طريقهم ؟! فإن أقصى الشمال وأقصى اليمين طرفان متطرفان،والغلو والتحرر كلاهما مذمومان، وشبابنا هم المستقبل فهيا قبل أن لا ينفع حينها الندم، فإنهم أمانة ستسألون عنها يوم القيامة ؟ومن لا يغلي دمه،ولا تلتهب نفسه، ولا تهتز مشاعره لخدمة دينه وأمته،وإنقاذ شباب عقيدته،ميت لا يحس بالأوجاع، ثمل الهمة، مُقعد العزيمة،بليد الذهن،مهما كانت شهادته،وعلت مرتبته،"وما يتذكر إلا من ينيب ".

سادساً: يجب أن لا نتغافل عن أسباب رئيسة لمثل هذه التصرفات ، حتى وإن كنا لا نوافق عليها ، فإن مشاعر الإحباط واليأس عند الكثير من المسلمين وخاصة الشباب المليء بالفورة والغليان ، والذي لا يرضى بالذل والهوان ، وهو يرى كل يوم الإرهاب الأمريكي وتسلطه على العالم الإسلامي دون احترام لأنظمة عالمية ، ولا قرارات دولية ، بل انتقائية وتعسف مقيت ، ويرى كل يوم الإرهاب الصهيوني وإذلاله وقتله للشعب الفلسطيني ، دون أن يكون هناك ردود أفعال جادة من الحكومات والأنظمة العربية،ثم هو يسمع أيضاً السخرية بمعتقداته ومقدساته، وربما يقرأ لأقلام متطرفة تحاول تهميش الدين في حياته، كل هذه الأسباب وغيرها واقع يعيشه المسلم،ثم لا يدري كيف يعمل أو ينفس فهو بين عجز وقهر، وغيرة وكبت،وهكذا يتحول الغليان إلى غلو وتطرف،ومن ثم القفز فوق الواقع عند البعض فتجد أنهم يطالبون ويبحثون عن حلول عاجلة وسريعة، وربما غير ممكنة، وهذا كله استعجال في تغيير واقع الأمة،ولا شك أن الغيرة على واقع الأمة والانزعاج مما وصلت إليه من الذلة والمهانة شيء مطلوب،بل واجب على كل مسلم ومسلمة،لكن بسلامة منهج وصحة معتقد،فمتى عملتَ وبذلتَ الصواب الذي بوسعك أن تعمله، فقد أديت ما عليك، وليس شرطاً أن يكون التغيير على يديك، أو أن تراه بعينيك، ولا شك أن الغلو يحارب بنشر العلم الصحيح والفهم المستقيم، ويعالج بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم السلف الصالح.وبالصبر والحكمة،وبذل المستطاع وفنّ الاحتواء والحوار والتوجيه، وعلى هذا المسار يجب أن يكون توجه الكتاب والمفكرين ووسائل الإعلام والمربين..وإلا سنكون كمن يصب الغاز على النار.

سابعاً: بلادنا تعيش مرحلة خطيرة ومنعطفا صعبا، فلا بد من تماسك صفنا، ووضع أيدينا بأيدي ولاة أمرنا من علماء وأمراء،ولا يظن البعض أن هذا يعني السكوت عن المنكرات، وترك قول كلمة الحق،بل إن هذا من أعظم معاني التماسك، فالنصيحة وبذلها خاصة للمسئول من أعظم أبواب الخير.. وهي التي لا يُغل عليها قلب امرئ مسلم، وهو مسلك سلفنا الصالح للإصلاح والتعمير، لا التفجير والتدمير،ولا إيغار القلوب ولا الاستعداء..فهل يتربى على هذا المسلمون..وهل نربي عليه أبناءنا وشباب أمتنا، فأفضل أبواب الجهاد كلمة حق عند مسئول..

وأخيراً: اتقوا الله إخوة الإيمان، واحذروا المعاصي، فإنها شؤم ولها آثار وعواقب،فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب،ولا رُفع إلا بتوبة ، فتوبوا إلى الله توبة صادقة من جميع الذنوب، واعلموا يقيناً أنه ما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب في التوحيد ،ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه في التوحيد،فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك ووسائله،ولا ينجي منها إلا التوحيد،وهو سبب الأمن الأول ،كما قال تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) [الأنعام 82 ].وبختام هذه الكلمات يعلم الله أني لم أتفوه بها إلا ديانة وأمانة، في وقت كثرت فيه الأهواء، والأقاويل والآراء، والدخول في النيات والمقاصد،وسوء الظن وكثرة النجوى،وكلها أمراض خطيرة تعصف بالصف المسلم، (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ) ،ولكن أوصي نفسي وإخواني بالاعتصام بالكتاب والسنة ففيهما نجاة وأي نجاة .نسأل الله لنا ولكم ولكل مسلم الثبات على التوحيد حتى الممات،كما نسأله جلّ وعلا أن يُديم أمن بلادنا وسائر بلاد المسلمين، وصلى الله وسلم على الأمين،والحمد لله رب العالمين .

د. إبراهيم بن عبد الله الدويش
15/3/1424

 

حول التفجيرات
  • بيانات
  • مقالات
  • شبهات وردود
  • أحكام التكفير
  • حقوق الوالي
  • كتب وبحوث
  • مبادرة العفو
  • الصفحة الرئيسية