اطبع هذه الصفحة


وقفة مع أحداث الخبر

أبو مصعب

 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
إنّ من المؤسف ما يحدث في أرض الحرمين من تلك العمليات الآثمة والتي صفق لها أعداء الإسلام في الداخل والخارج وفرحوا بها ووجدوا فيها متنفساً لهم وذريعة لبث سمومهم وبسط نفوذهم . فأي مصلحة وأي منفعة للإسلام والمسلمين زعم أولئك الجهلة أنهم قد حققوها جرّاء أحداث الخُبر وبأي حق تُسفك تلك الدماء المعصومة ، بل ما ذنب ذاك الطفل حين ُقتل وهو الذي لم يتجاوز التسع سنوات .
غرقنا في دجى عتِم ِ *** وكنا قبل في القمم ِ
سبات الجهل هدهدنا *** وهذا الغرب لم ينم
وهذا كسب أيدينا *** فمن نعتب ومن نلم
ومما زادني ألماً وحسرة لما علمت أنّ من قام بذلك الجُرم فتية حديثي الأسنان ، كان ممكن أن يكونوا لبِنات صالحة في مجتمعهم ينهضون بالأمة ويعيدون مجدها الغابر ، ولكن ومع الأسف قد غُرّر بهم واستُخدموا كوسائل لتحقيق مآرب أولئك الشياطين الذين أحلوا لهم ما حرم الله وجعلوا عبثهم هذا جهاداً (( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ )) ، والجهاد أرفع وأسمى من أن يكون كذلك ، فإن طلبته فهو فلسطين والعراق وفي الشيشان وأفغانستان وغيرها ، وهو باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولن تشوّه صورته النقية تلك الأعمال الطائشة . ودعونا نستعرض بعض المحاذير الشرعية في هذه العملية والتي ذكرها بعض أهل العلم :
- ترويع الآمنين ، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً )) رواه أبو داود .
- حمل السلاح على المسلمين ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من حمل علينا السلاح فليس منا )) رواه البخاري ، بل أنّ مجرد الإشارة بالسلاح ولو كان مزاحاً جريمة من الكبائر الموجبة للعنة ، يقول صلى الله عليه وسلم : (( من أشار إلى أخيه بحديدة ، فإنّ الملائكة تلعنه حتى ينتهي )) رواه مسلم.
- فإذا كان الإشارة إلى المسلم بالسلاح لا يجوز فكيف بمن يقتله ، يقول تعالى : (( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا )) . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم )) رواه الترمذي والنسائي . ونظر ابن عمر رضي الله عنهما يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال : (( ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ))
- قتل المستأمنين والمعاهدين من غير وجه شرعي ، إمّا لعصمة دماءهم ، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة )) أخرجه البخاري ، وإمّا لما يترتب على ذلك من مفاسد ظاهرة لا تخفى .
وكأنّ التاريخ يعيد نفسه ، فهذه خطبة جمعة للشيخ ابن عثيمين رحمه الله حول تفجير الخبر والذي كان في عام أربعة عشر وأربعمائة وألف للهجرة ، وهي على هذا الرابط
http://www.binothaimeen.com/modules.php?name=Newss&file=article&sid=283 

وهنا يأتي سؤال يفرض نفسه ألا يمكن أن يُفتح مع هؤلاء الجهلة قنوات حوار يمكن عن طريقها تفنيد الشبهات لديهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن بدل من سبهم ولعنهم (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمرا )) فلربما يعودون إلى جادة الحق والصواب وتُحقن بذلك الدماء وكما يُقال في المثل ، أن تضيء شمعة صغيرة خير من أن تلعن الظلام . فإذا لم ينفع معهم النقاش وأصروا على العناد والقتل والإفساد ، عندئذٍ يكون آخر العلاج الكي (( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )) ، ولنا في ابن عباس رضي الله عنهما أسوة في ذلك حينما حاور الخوارج الذين أرادوا الخروج على علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عددهم حينئذ ستة آلاف فرجع منهم ألفان وبقي الآخرون على الضلالة فقُتلوا في معركة النهروان .

وتظل الوقاية كما يقولون خير من العلاج ، وحتى لا يستفحل الأمر ويتسع الخرق على الراقع ، إليكم بعض الوسائل لعلاج هذه الظاهرة الدخيلة والتي ذكرها الشيخ ناصر العمر حفظه الله على شكل نقاط ، وإن كان المشرفون والتربويون معنيين بهذا إلا أنه لا يمنع أن يمارسها الآباء والأمهات على من حولهم :
1- العمل على نشر العلم الشرعي الصحيح.
2- توجيه الطلاب لمخططات الأعداء وما يريدونه بهذه الأمة، وهذا يحتاج إلى بيان وإيضاح وتوجيه لما يحدث في العالم .
3- توعية الطلاب بالآثار السلبية التي يستدعيها من يخالف طريق الأنبياء ويستعجل حصول المطلوب، فهناك انحراف في مناهج الدعوة والعلاج هو في الالتزام بمنهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلف هذه الأمة بعيداً عن أي اجتهادات تخرج عن ذلك المنهج .
4- توجيه الطلاب للالتحاق بالأنشطة الرسمية ؛ في المدارس ، والمراكز الصيفية ، وجمعيات تحفيظ القرآن ، وجميع الأنشطة التي تأخذ مظاهر العلنية والوضوح في داخل المجتمع ، بعيداً عن الأنشطة التي يكون فيها ريبة أو شك أو غموض أو لا يُعرف القائمون عليها .
5- بيان أسباب هذه الأوضاع من ذنوب ومعاصي وتقصير بالإضافة إلى المنكرات المستشرية والدعوة لإصلاحها بالمنهج الشرعي ، من أجل الخروج من هذه الأحداث بسلام .
6- بيان خطورة جلساء السوء والتحذير من الأصدقاء الذين توجد لديهم أفكار شاذة منحرفة ، سواء كانت من قبيل الإفراط أو التفريط أو الغلو أو الجفاء ، ويجب أن توضع بعض الموازين الشرعية لدى الطلاب ليميزوا بها من صاحب الفكر المنحرف .
7- شغل الطلاب بالعمل الإيجابي فالفراغ مفسدة سواء لمن نزع نحو الغلو أو الجفاء .
إن الشباب والفراغ والجدة *** مفسدة للمرء أي مفسدة
فلا بد أن يكون هناك شغل لفراغ الطلاب وبخاصة في المساء وآخر الأسبوع والعطل كأعطال الأعياد والعطلة الطويلة تحت إشراف واعٍ ، وذلك يفتقر إلى فتح مراكز النشاط الدائمة طول العام ، والمراكز الصيفية التي يشرف عليها الموثوقون من الأساتذة وطلاب العلم ونحوهم ، بغرض تعليم الطلاب ما ينفعهم من علم ومهن وحرف تنفع المجتمع والأمة .
8- بيان فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوجيهه الوجهة السليمة، فبعض الناس لديه غيرة وحماس ، يريد أن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر، التزاماً بقوله تعالى : (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )) ، ولكنه يخطئ في البيان ، فلا بد من بيان فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوضيح ضوابطه، ويكون ذلك بإقامة دورات متخصصة تشارك فيها رئاسة الهيئات، وتشارك فيها الجامعات وكليات الدعوة وغيرهم من المختصين حتى لا يقع انحراف في هذا الباب.
9- لا بد أن يكون المعلم والمشرف وثيق الصلة بطلابه، يفتح لهم صدره، يجرؤهم على أن يُدْلوا بما لديهم، وأن يبثوا ما في نفوسهم بكل صراحة ووضوح، عليه أن يعوِّدهم على مصارحته بما يختلج في صدورهم من إشكالات وشُبَه ، فإن استطاع أن يجيب عليها فبه ، وإلاّ فعليه أن ينقل المشكلة إلى أحد العلماء أو مَن يقدر على إجابة شبههم ، أما إذا تركت الشبهة لدى الشاب وأهمل الإشكال فإنه سوف ينمو شيئاً فشيئاً وسيتحول فيما بعد إلى ممارسة .
10- التحذير من قبول الاتهام لمناهجنا ودعوتنا وما عليه سلفنا، لا بد أن يوضع لدى الطلاب موازين يقيِّمون بها الشُّبَه التي تُثار حول المناهج -أقصد المناهج الشرعية- وحول جمعيات تحفيظ القرآن والدعوة، ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وما عليه السلف والأئمة.
11- التربية على المنهج الشرعي الوسط، لا منهج الغلو، ولا منهج التمييع والتنازل، فمنهج الأمة منهج الوسطية الحقة، ولا بد أن يُربى الشباب على هذا المنهج قولاً واعتقاداً وسلوكاً، وهذا يحتاج إلى يكون المدرس والمعلم والمربي والمشرف قدوة عملية في منهج الوسطية، كما أن عليه أن يربط بالقدوات من السابقين واللاحقين، من المعاصرين ومن قبلهم لبيان أن الإسلام هو منهج الوسطية الحقيقية.

وأخيراً مطلوب من مشرف التوعية أن يكون فطناً، يميز في أي اتجاه يسير طلابه بعيداً عن إساءة الظنون أو اتهام الآخرين، بل المطلوب ألا يكون غافلاً فتزل بسبب غفلته قدم بعد ثبوتها، خاصة وأن الأفكار تبدأ بدايات طبيعية يسيرة، ثم تنمو شيئاً فشيئاً، وقد تستشري بين الطلاب والمشرف غافل لا يعلم ثم تكون المصيبة، وقد لاحظنا أن بعض المربين والموجهين يفاجأ عندما يجد بعض طلابه يحمل أفكاراً غريبة، ولا ينتبه لها إلا بعد أن يستشري المرض، وكان الأولى به أن تكون لديه من الوسائل والحكمة والفطنة ما تنبهه إلى خطورة استشراء هذا الأمر.
نسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه ، وأن يعين إخواننا المعلمين والمربين والموجهين على القيام بمسؤولياتهم في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها الأمة .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
 

حول التفجيرات
  • بيانات
  • مقالات
  • شبهات وردود
  • أحكام التكفير
  • حقوق الوالي
  • كتب وبحوث
  • مبادرة العفو
  • الصفحة الرئيسية