اطبع هذه الصفحة


جحافل التخصص المزعوم

ماجد بن جعفر الغامدي

 
جلس جماعة من الصالحين مثل : الفضل بن موسى ، ومخلد بن الحسين فقالوا : تعالوا نعدّ خصال التابعي عبدالله بن المبارك من أبواب الخير ، فقالوا : العلم .. والفقه .. والحديث .. والأدب .. والنحو .. واللغة .. والزهد .. والفصاحة .. والشعر .. والأنساب .. والتاريخ .. والعبادة .. وقيام الليل .. والحج .. والغزو والجهاد في سبيل الله .. والفروسية والقوة .. وترك الكلام فيما لا يعنيه .. والإنصاف .. وقلة الخلاف على أصحابه ..... ثم استرسلوا في ذلك .
بعد أن يقرأ أحد المتحمسين مثل هذه الصفات العجيبة لشخص واحد يفغر فاه ويظل مشدوهاً كيف يمكن أن يكون كل ذلك لإنسان واحد ؟ ولا يُلام هذا وأمثاله مقارنة بزماننا الذي لا يمكن أن تجد فيه رجلاً موسوعياً مثل أسلافنا وأعزو ذلك إلى : أن البعض ينبهر بألوان المعارف الزاهية فيشرع في التنقل بين علم وآخر ليكن حصاده في نهاية المطاف قالب من الثلج يحمله بين يديه سرعان ما يذوب فلا يمسك بين يديه إلا الماء – إن أمسكه – ونسي هؤلاء أن الثقافة : ( هي ما يبقى بعد أن ننسى كل شيء ) كما يعرّفها الفيلسوف هيريو .
إن الثورة المعلوماتية التي نعيشها الآن تنتج يومياً 1000 كتاب وأكثر من 70000 دراسة هذا فقط يومياً ، وبعد خمس سنين من الآن سيتضاعف العدد إلى الضعفين ، وهذا يعني أنك لن تستطيع أن تعلم بصدور دراسة حول موضوع محدد ، فضلاً عن أن تقرأها أو تطلع على صفحاتها هذا من ناحية واحدة فقط وهي الكتب والدراسات البحثية فكيف لو أضفت إليها الصحف المجلات ، والقنوات الفضائيات ، والحوارات الثقافية ، ثم تذكرت بعد ذلك الشبكة العنكبوتية فماذا تراك تتابع في فن واحد لا غير.
ومما يتحتم علينا في حاضرنا المعاصر أن نبتعد عن العشوائية المقيتة .. وأن لا نعيش هوس الانبهار الساحر .. سريع القناعة سهل الخذلان .. بل ننشد التخصص في شتى الجوانب ، فيتميز المسلم في إجادة علم محدّد رصد سابقه قبل لا حقه بتعمق المحيط المتأمل .

إنّ اختلاف العصر يلزمنا بالتخصص المقنن ، دون الاكتفاء بالقشور .. بل التعمق والتنقيب نريد .. فالخطوط العريضة الكل يعرفها وما الذي يزيد فيه المتخصص إلا أنه يعرف جزئيات علمه المحيط بقاصيه ودانيه .. فالمسلمون منبهرون بحضارة الغرب المتفوقة وحقيقة – الكل يعلمها – أنّا نحن من صنع مفاتح العلوم ثم سلّمناها لهم ليفتحوا الأبواب وليبدعوا بالتخصص الموغل ، حتى رسى بهم العلم على شاطئ الحضارة الراقية .. فالتخصص العميق هو صناعة مثمرة لقيادة الأمم في طريق طويل يحتاج إلى عمل متقن جاد .. فهل نقبل التحدي ونسرع في التحديث فهذا محمد أحمد الراشد يقول : ( لن تكون قيادة الناس إلا بالامتياز والتفوق التخصصي الكمي والنوعي ) .

لابد أن يكون التخصص لكل فرد من الأمة ولا أعني به التخصص الأكاديمي فقط ، بل رسالة يحملها المسلم بين جنبيه في شتّى أموره الحياتية ، فنحن أمام حقيقة لا مناص عنها أننا وفي هذا العصر نقف أمام الحضارة والثقافة الغربية تابعين لا متبوعين .. متعلمين لا عالمين هم أهل التفوق والتقدم ، وما زلنا في الساقة على أمل أن نعود كما كنّا قادة الدنيا في الثقافة والعلم والمعرفة والعمل والعدل .

ويجب على المتخصص أن يراعي هذه الأسس التي ينبغي أن تكون واقعية لا خيالية ، متدرجة ومتوازنة مع الدين ، وقريبة من الطبائع السليمة ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كانت له عناية بالمواهب ، وكان من أهم وسائله في صقلها إعطاء أصحابها الفرصة في تنميتها بتحميلهم مسئوليتها ، ولو نتج عن ذلك بعض الأخطاء ، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول في شأن القرآن : ( أقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب ) ، ويقول عن علم الفرائض : ( أفرضهم زيد بن ثابت ) ، وفي شأن الفتوى يقول : ( أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ) ، رواه الترمذي وصححه ، وصححه ابن حجر والحاكم ووافقه الذهبي .
كل هذا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم وفي الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين ، وهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يأتيه أحد الصحابة وقد رأى كلمات الأذان في منامه قبل أن تشرع ويحب أن يصدح بها ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يحيل الأمر إلى صاحب التخصص بلال بن رباح رضي الله عنه قائلاً : ( إنه أندى منك صوتًا ) .

كم وللأسف ترى من أولئك المتعالمين بتخصصاتهم وتسمعهم في المجالس يتشدقون بتخصصهم الدقيق في بعض الجزئيات وهم على ضربين : عالم بالجزئيات مضيّع للأصول والثاني عالم بالأصول لا يفهم شيئاً من الجزئيات .. وثلة قليلة من جمع بين الأصول العامة والجزئيات الدقيقة ، و هؤلاء المتعالمون سرعان ما تنكشف رداءة عملتهم الزائفة الخادعة ، فتارة بمعلوماته القديمة التي قد نسخت بواقع طرأت عليه مستجدات أفضت به إلى القياس فما إن يتحدث حتى يظهر الصدأ جلياً على كلامه المتآكل المهتري .. ثم تخالجك زفرات مكلومة تردد داخل أحشائك آهات ما زلت أسمع صداها قائلة : إنه واحد من جحافل التخصص المزعوم !!

وثمة قضية يحدث فيها لبس كثير : وهي أن المسلم متبحّر في تخصصه ،فهل يعني هذا عدم إطلاعه على غير فنه ؟ إن باب العلم أوسع من أن يُحجّر بل إني أرى من الواجب عليه أن يكون بدراية بالواقع ومتطلباته وأن يُلمّ بنتف من فنون أخرى ، وأن يدرك قشورها ومفاتيحها مواكبة وثقافة وإطلاعاً ، فديننا الإسلامي دين الشمول فيجب علينا أن نعيش الحياة بتكامل .. فالقاعدة تقول : ( تعلّم شيء عن كل شيء تصبح مثقفاً .. وتعلّم كل شيء عن شيء تصبح عالماً ) لأن الواقع يجعل موقفنا من التخصص : أن نستزيد ونتعلم ونتابع كل مستجد مع التقنيات المستمرة والعقول المفكرة وأن نتعلم لنعمل وننتج ونرتقي بأمتنا .
إن الترهل الذي تثاقل بأمتنا منذ زمن من أنجع أدويته التخصص .. ولذا علينا أن نرحل من العموم إلى الخصوص ويكون ذلك فيما يحتاجه الناس فيداوي عللهم ويشفي أسقامهم ، فبيئة المجتمع هي أكثر ما يجعلنا نختار الأفضل عندما نقف حائرين بين خيارات تخصصية متعددة .. فكم ممن يحمل درجات علمية عالية ثم للأسف أنها مريخية ويشتاظ غضباً أن لا يُأبه له .

لا بد أن يكون عند أرباب الدعوة قدرة على استثمار الطاقات ، ومعرفة بالاحتياجات ، ليس من الحكمة بحال من الأحوال ولا من الفطنة بسبب ولا بنسب أن نطلب من كل الناس أن يكونوا خطباء مفوهين ، أو كتاب مبدعين ، أو علماء فقهاء ، بل ينبغي أن نعرف أن هناك حاجات كثيرة ، وأن هناك طاقات معينة ، لا بد أن توجد ، وأن توضع في مثل هذه الحاجات ، ولا بد أن نعرف أن الاحتياجات هي احتياجات الحياة كلها ، فالأمة المسلمة تحتاج إلى الذي يُجوّد الخط ، كما تحتاج الذي يصلح البناء ، كما تحتاج إلى الذي يكون ممن يكثر سواد الأمة فحسب . كل يمكن أن يؤدي دوراً ، أما إذا قلنا : ليس إلا هذه الأدوار فإننا سنخسر كثيراً من الطاقات .

هذا وذاك يقودنا إلى خلاصة المنهجية الرائدة : أمتنا في أمس الحاجة إلى المتخصصين فهذا بعلمه الشرعي ..و هذا في دأبه على تربية الأجيال .. وهذا بفقهه الدعوي .. وذاك بطبه .. والآخر بإجادته للعلوم البحتة .. وسادس بإعلامه الإسلامي المتزن .. وهذا بأدبه ونثره وشعره .. وآخر بذوقه الفني الراقي .. وذاك في علوم الإدارة الحديثة .. وعاشر في الجمعيات الخيرية ..... وهكذا ، كل على ثغر يعمل بجد دائب .. وتخصص عميق .. مع فقه للواقع ودراية بنتف من شتى الفنون وإجادة تامة للعلم التخصصي حتى يضحي متمرساً عليه ومرجعاً ثقافياً فيه ..

ثم إني أوجه نداء مستغيث أن أفيقوا يا رجال أمتنا أعيدوا الأمجاد عيشوا واقعكم كفاكم من تخبط في غياهب النظريات الداجية انتقلوا بأفكاركم الصحيحة وقيمكم السامية إلى عقول مجتمعاتكم وانقلوها لهم بما يفهمون ويعيشون دون تنازل عن القيم والثوابت من أجل مجاراة الواقع وضغوطه المستمرة .. فالله الله في مجتمعنا فأنتم من عرفتم الطرق المثالية فطبقوها وأقيموا الحجة على العالمين ، فالناس تنتظر زحفكم المرتقب والأمة ما زالت ترمقكم بعين المؤمل ، فكونوا عند حسن الظن ..

ماجد بن جعفر الغامدي – الطائف
كاتب إسلامي
mmjaafr@hotmail.com
 

زاد الـداعيـة
  • شحذ الهمم
  • زاد الخطيب
  • فن الحوار
  • فن الدعوة
  • أفكار إدارية
  • معوقات ومشكلات
  • رسائل ومقالات
  • من أثر الدعاة
  • الصفحة الرئيسية