اطبع هذه الصفحة


وقفات إيمانية مع حملة المنهج الرباني

تهاني البلوي

 
الصراع بين الحق والباطل ، صراع طويل مرير، ودائما على مدار التاريخ يأبى البغاة المعتدون ، إلا أن يظلموا المؤمنين ويقعدوا لهم في كل طريق ويحاولوا فتنتهم وردهم عن دينهم ، يقول الحق سبحانه يخبرنا عن كيدهم لكي نحذرهم (... وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا )(البقرة: من الآية217) إنهم يحرصون دائما على وأد الحق والنيل منه وهم بهذا يحادون الله ورسوله ، ولذلك يحل دائما بهم الجزاء العادل ، وينزل بهم القانون الأزلي يقول الحق سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة:21،20) وقال سبحانه (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم:42) .. ولهذا الصراع دروس وعبر يجب أن يعيها المؤمنون ولا يغفلوا عنها ، إنه صراع مرّ المذاق ، كثير الجراحات ، فادح التضحيات ، ولقد تحمل المسلمون الأوائل هذا كله ، وأيقنوا أن الصراع كلما اشتدت وطأته ، وأظلم ليله ، كان النصر القريب، وبزوغ الفجر، وانتهاء الظلام وكان أوان تحقق الأمل المنشود .

لابد لحملة الرسالة ودعاتها من التمسك دائما بعقيدتهم فهي الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، ولابد من الإيمان بها والعمل لها ، فإنها أمانة آلت إليهم بعد جهاد وتضحيات ودماء ، ومواقف ضد قوى الشر حاسمة، ويجب أن يبقى هذا الدين العظيم في أيدينا سليما كما نزل من عند الله ، فهو أمانة نورثها للأجيال ، وقد تكون أصدق منا يقينا، وأعمق منا إيمانا ، وأقرب إلى تحقيق النصر وبلوغ الفوز، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ... وحتى يتم ذلك يجب علينا أن نقترب من القرآن حفظا وتلاوة وفهما وتدبرا، وعلما وعملا، يجب أن نفقه القرآن وأن نعمل به وأن نتحرك بمقتضاه ، وأن نعيش قضايا هذا الحق ، فإن أسراره لا تتفتح لمن يتلونه فحسب ، ولكن لمن يتابع توجيهاته ، ويؤمن بموعود الله عز وجل (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)(الروم: من الآية47)( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128(.

نموذج إيماني فريد: يوسف عليه السلام

لقد قص الله على نبيه الكريم ، قصة أخ كريم ، يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ، عليهم جميعا صلوات الله وسلامه ، ولقد عانى يوسف عليه السلام ألوانا من المحن ، محنته مع أخوته ، ومحنته وهو في الجب، ومحنته وهو يباع كالسلعة ، ومحنته كيد النساء له ، ثم محنة السجن ، ومع كل هذه المحن ، وأشقها على نفسه اتهامه بتهمة مزورة ملفقة ، ومفتراه ، دون تحر ولا بحث ، نجده خلف القضبان ووراء السدود والأسوار ، لا ينطوي على نفسه ، ولا يندب حظه ، لكنه يوجه اهتمامه بالحق الذي كرمه الله به ، وبالرسالة التي شرفه بها ، فينطلق لسانه ، يبين لمن معه في السجن ويعلمهم عقيدة التوحيد الصحيحة ، واليقين بالآخرة كما يوضح لهم العقائد الفاسدة (... إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (يوسف : 38،37) ثم يعلن رأيه فيما عليه الناس ويكشف في شجاعة وقوة فينادى من معه ويهز وجدانهم (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:40،39).

إن هذه القصة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في فترة حرجة من تاريخ الدعوة ، بين عام الحزن، بموت أبى طالب وخديجة رضى الله عنها، وبين بيعة العقبة، فكانت بلسما وترويحا عن رسول الله وصحابته، وعن المؤمنين في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة.

ونموذج آخر: مؤمن آل يسن

إنه النموذج الذي اتبع الذكر ، وخشي الرحمن بالغيب فكان له موقف مشرف مع القلوب المغلقة ، المستكبرة على الله وعلى رسله وعلى دعوته ، فهذا المؤمن استمع للحق ، فاستجاب له، وآمن به ، وانفعل بهذا الحق، فلم يستطع السكوت ، ولم يؤثر الصمت في وقت شديد، ومنطق لأعداء الله اشد ينذر بالخطر، إنه استمع لما قالوه لمن سبقوه في هذا الطريق من الرسل ، (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يّـس:18).

فدعوة الحق عند الضالين شر ، وصاحبها متهم يجب أن يسكت ، وإلا فالرجم والعذاب الأليم ، ومع ذلك فإن مؤمن آل يسن يأتي من أقصى المدينة ، يسعى ويقف أمام قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ، يوجه إليه نفس الدعوة ، ويطلب منهم أن يتبعوا المرسلين ويتحدث إليهم في شجاعة وصراحة عن نفسه وعن أسباب إيمانه ، ثم يهتف (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) (يّـس:25) ... فلم يمهلوه أن قتلوه وها هو يرفعه الله عز وجل إلى دار الخلد بين الخمائل فيها والرياحين ، دار الكرامة (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يّـس:28،27) وهنا يتدخل القدر بحسم ، ليوقف الذين يبغون في الأرض بغير الحق عند حدهم ، لقد صاح عليهم جبريل عليه السلام فخمدوا كما تخمد النار ، صيحة واحدة وانتهى الشر ، وذهب الباطل إلى غير رجعة . قال تعالى (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) (يّـس:29(

إن دماء الشهداء غالية عزيزة عند الله ، ينتقم لها مهما طال الزمن ، وهى التي تنزلق فيها أقدام الظالمين فتهوى بهم إلى القاع ، وبئس القرار .

ما أحوج الدعاة إلى الله أن ينهلوا من سيرة أسلافهم ما يقودهم إلى النصر ، وأن يأخذوا من الماضي ما يعينهم على الحاضر.

ماذا ينتظر المسلمون ؟

إن أهل فلسطين وقد اشتدت قبضة الصهيونية عليهم ليستغيثوا بالمسلمين ويصرخوا ، ويطلبوا النجدة ، ويهيبوا بالمسلمين بعدم الخوف من يهود ، فهل من مجيب ؟

إنهم يرجون من المسلمين أن يتجدد عندهم الأمل في نصر الله للمؤمنين ، وفى وعيده الثابت بقهر اليهود إذا اتحد المسلمون وقوى صفهم ، ويقول سبحانه بصراحة (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم).

إن انتفاضة الشعب الفلسطيني المؤمن كانت كالصاعقة في وجوه الذين ظنوا أن شعب فلسطين قد تقاعس وانتهى ورضى بلعبة المفاوضات وانطلت عليه دعاوى السلام وظنوا أن هؤلاء المجاهدين ما هم إلا مجموعة من الإرهابيين وقطاع الطرق ، لكن الحقيقة أن الانتفاضة قد تمردت على الاستعمار العالمي واليهودي، ومخططات إسرائيل ، وكيد أمريكا والغرب وهؤلاء في وقفتهم الصامدة وهم عزل ، أمام دبابات وطائرات وصواريخ إسرائيل ، ترجع لأسباب عميقة تمتد في أعماق ماضي هذا الشعب المؤمن الذي تراكمت صور الظلم اليهودي والاستبداد في حياته ، على مدى أعوام طويلة ، فلا محالة أن جاءت انتفاضته صادقة ، تحرص على الموت لتوهب لها الحياة ، لقد جاءت انتفاضة أهل فلسطين لتؤكد أن الثورة على الباطل تصنعها الشعوب ، عندما تحاول القوى الاستعمارية أيا كانت المساس بدينها وعقيدتها وشخصيتها وكيانها ومحاولة فصلها عن قرأنها وتاريخها الإسلامي ، الذي لا يقوم هذا الشعب المسلم إلا به ، إنها تحتاج منا جميعا إلى العون بكافة ألوانه ، العون المادى والمعنوي ، عون الحكومات العربية والإسلامية وهى تملك الكثير، مقاطعة كل ما ينتجه الغرب ، وما يصدره إلينا ، مقاطعة ثقافة الغرب ، وحضارة الغرب الزائفة ، التي لا تقدس إلا الانحراف والجنس وتقضى على الأسرة والشباب والعفة والفضيلة ، وتهدم الأسرة .
إن مقومات العالم العربي والإسلامي ليست بالأمر الهين ، فالمقومات البشرية تفوق مليار مسلم ، ومساحة العالم الإسلامي أكبر من ربع العالم كله ، والمقومات الاقتصادية ، والمالية ، والعلمية ، كل هذا وغيره لو أحسن استخدامه لتقدمت الأمة العربية والإسلامية وأصبحت كتلة إسلامية ، ومعسكرا يحقق التوازن بين الشرق والغرب ، وتختفي النقطة السيئة السوداء من الخريطة وهى إسرائيل الباغية المزعومة إلى الأبد .

"ويسألونك متى هو ؟ قل عسى أن يكون قريبا
 

زاد الـداعيـة
  • شحذ الهمم
  • زاد الخطيب
  • فن الحوار
  • فن الدعوة
  • أفكار إدارية
  • معوقات ومشكلات
  • رسائل ومقالات
  • من أثر الدعاة
  • الصفحة الرئيسية