اطبع هذه الصفحة


الشرارة الأولى

د/ عمرو الشيخ

 
((هذا جهاد نصر أو استشهاد ))
بهذه الكلمات الموجزة
وهذا الهدف الواضح
عاش الشيخ حياته ومات

وبها أيضا سمت نفسه وعلا شأنه وارتفع ذكره ...
بقلب صادق ...
وجنان ثابت ...

وحبٌّ يتفانى في إرضاء الله، من أجل كرامة الإنسان ...
انطلق في سماء العروبة مثل شهاب ثاقب، يحمل في ضوئه النور والنار ...
النور الهادي لأهله وشعبه،
والنار الحارقة للأعداء المحتلين أعداء العروبة والإسلام،
فصار للأعداء هدفاً، وللأصدقاء ملاذ ...

رجل عاش رؤية الدين ومفهومه للجهاد، فنذر روحه وزمنه لهذا المفهوم ولتلك الرؤية،وتناهى بهما وجداناً وجسداً.

رجل وطني رائد في وطن محتل،
معلم في مجتمع جاهل مظلوم،
جريء أمام غاز طامع،
فمن هو هذا الشيخ العظيم؟؟
من هو الذى أخاف الأعداء حيا وميتا؟؟
من هو الذى نادى يوما فى أصحابه أن " موتوا شهداء"
وكان أولى من لبى النداء ؟؟

إنه
درة تاج الجهاد (( عز الدين القسام ))

هيا بنا معا فى رحلة إلى سوريا- ذلك البلد الحزين- حيث ولد وعاش لنتعرف على البدايات:-

** بداية مشرقة:-

- يعد عام 13 ...ه‍ الموافق 1883م عاماً مميزاً في تاريخ السجل المدني في بلدة جبلة، إنه عام ولادة محمد عز الدين بن محمود القسام. الذي ولد في أسرة فقيرة مادياً متواضعة اجتماعياً، ثرية بإيمانها وذكرها الحسن.

- وحينما شب عز الدين، رغب والده، على الرغم من ضيق يده، أن يرسله إلى القاهرة للدراسة في الأزهر والتبحر في المعرفة وعلوم الدين.

فانطلق اليافع على ظهر مركب إلى الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة، حاملاً في ضميره وعداً بالنجاح قطعه لوالده، وفي قلبه محبة وافرة لأهله ورفاقه وبلدته.

- أقبل القسام على الدراسة في الأزهر بلهفة العاشق وعقل النابه، وصرف كل يومه متبحراً في أصول الفقه وعلم مصطلح الحديث، عملاً بوصية الحافظ الخطيب البغدادي الموجهة إلى طالب العلم، قائلاً: "إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة والعمل ثمرة".

وإيماناً بهذه الوصية، أمضى حياته معلماً ومتعلماً، يقيناً منه بأن العلم إن لم يتطور يصبح راكداً، وإن لم يبذل للآخرين فلا قيمة له.

- درس القسام في الأزهر علوم الفقه والتفسير والحديث والأصول واللغة العربية، من غير أن يخضع للبرنامج المقرر على غيره من الدارسين. فكان ينتقل من مرحلة إلى أخرى على قدر جهده وتحصيله من العلوم. فهو لم يهدف من دراسته إلى نيل شهادة تدلل على تضلعه في الدين، بل إلى التفقّه فيه وفهم دلالات ألفاظ القرآن والحديث، ليحقق طموحه ويصبح داعية واعياً ومفكراً متنوراً.

***

- عندما شاهد القسام في أثناء وجوده في مصر قسوة الاستعمار الإنكليزي وتسلطه على الشعب المصري وثرواته، ترسخت لديه قناعة بضرورة مكافحة الإقطاع والتخلص من المستعمر لأنهما في رأيه يمثلان وجهين لعملة واحدة، فالظلم إذا شاع وساد يسحق الإنسان ويدمر العمران. وقد ردته هذه المشاهدات غير الإنسانية إلى بلدته جبلة، وذكرته بما يعانيه أهلها من جهل وأمية وتدن في الأوضاع الاقتصادية.

- ولأنه يرى في العلم السبيل الوحيد لتنمية الثقة بالنفس، وللتحرر من الاستغلال الاجتماعي ووباء الذل والمسكنة، بدأ بعد عودته من الأزهر إلى جبلة، مسيرة تحرير الأطفال والعمال والفلاحين من الأمية، يعلمهم أصول القراءة والكتابة ويرشدهم إلى فضائل الدين ومنهجه الاجتماعي السليم.

- ولأن صوته الجريء أزعج الإقطاع، فضاق به وحقد عليه وحاول نفيه إلى إزمير. وهرباً من الحصار قرر القسام السفر إلى الآستانة، وفي نفسه رغبة تحدوه إلى مزيد من التعلم والإطلاع على الجديد من الآراء والأساليب المتبعة في الدروس المسجدية.

- فإذا كان الجهاد بالسلاح هو همه الأول، فإن همه الثاني هو تخليص الدين من البدع والشوائب التي شوهت وجهه، بفعل الجهل حيناً والإساءة المقصودة أحياناً كثيرة. لكن مقامه في الآستانة لم يطل، لما لقيه من أمية الناس وعدم معرفتهم اللغة العربية وجهلهم تعاليم الدين حتى البديهي منها.

- فرجع إلى جبلة وفي نيته البدء من جديد، ففتح مدرسة يدرس فيها اللغة العربية وعلوم الدين، في النهار للأطفال واليافعين وفي المساء للكبار. وفي جامع السلطان إبراهيم يعطي لمن يرغب دروساً في الحديث وتفسير القرآن. في حين جعل حديثه في خطبة الجمعة مقتصراً على حث الناس وتنبيههم إلى ضرورة التعاون والمحبة والعمل المثمر للتغلب على الفقر والبؤس، وعلى توضيح بعض المسائل التي استعصى فهمها عليهم. فكان بهذا العمل المكثف، يعبر عن احتجاج صامت على تردي الأوضاع في المجتمع، من النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية.

***

إن انغماس القسام في التعليم والعمل الاجتماعي، لم يحجبه عن ممارسة دوره الريادي في محاربة الاستعمار. فبعد الاحتلال الفرنسي لسورية والبريطاني لفلسطين، أحسَّ أن فرصة الجهاد جاءت تسعى إليه. ولا سيما أنه متأثر بأحمد عرابي ومواقفه النضالية في تحرير أرض مصر من دنس الاستعمار البريطاني. وبآراء المصلح المتنور جمال الدين الأفغاني الذي يقول:

"لسنا نعني بالخائن من يبيع بلاده بالنقود، ويسلمها إلى العدو بثمن بخس أو غير بخس، وكل ثمن تباع به البلاد فهو بخس. بل خائن الوطن من يكون سبباً في خطوة يخطوها العدو في أرض الوطن، بل من يدع قدماً لعدو تستقر على أرض الوطن، وهو قادر على زلزلتها". فاتخذ القسام من هذه المقولة تميمة حفزته على إعلان الجهاد ومتابعته.

**بذل وتضحية :-

كان القسام صديقاً للشيخ محمد كامل القصاب، وملازماً له، وقد ساعده بتأمين حاجات الثورة ضد الفرنسيين، الرجال من أهل فلسطين والعمال من المصريين الذين يعملون في حيفا، ومن أهل بلدته جبلة. وعندما ذهب إلى الساحل وأشعل الثورة هناك، باع بيته في جبلة ونقل أسرته إلى الحفة، واشترى بثمن البيت سلاحاً. ودعا كل من يقدر على شراء السلاح أو على حمله إلى الجهاد ومقاومة الوجود الفرنسي في المنطقة الساحلية. وقد تعاون ونسق عمليات الجهاد مع الشيخ صالح العلي والشيخ عمر البيطار في الساحل، ومع الشيخ نافع الشامي وأبيه في إدلب.

وعلى الرغم من الفاقة المادية الخانقة التي كانت تكبل الناس وتحطم معنوياتهم، وتشغلهم عن أي رغبة في التحرر، استطاع القسام بأسلوبه الإنساني وخطبه الحماسية ودروسه الدينية، أن يوقد في قلوب الناس شمعة النضال ويحضهم على مقاومة الشر في النفس وعلى الأرض. وكانت ثورته، الشرارة التي أججت الثورة في منطقة صهيون.

وحينما ارتفعت وتيرة مقاومته هو ورفاقه، ضيق الفرنسيون عليهم الخناق، ووضعوا مكافأة مالية لمن يدل على مكانه أو يمسك به. وعندما عجزوا عن استمالته بالترغيب وعن استسلامه بالترهيب، أصدروا عليه غيابياً حكماً بالقتل.

فترك منطقة الساحل، ولجأ هو ورفاقه إلى جبال صهيون وجعلوها ميدان جهادهم.

وعندما تمكن الفرنسيون من معرفة موقعهم، هاجموهم وقتلوا عدداً منهم وفرقوا شمل الباقين. فضاقت الدنيا بالشيخ، ولم يكن أمامه بدٌّ من مغادرة سورية إلى فلسطين. فعبر الأرض اللبنانية البرية والبحرية، وحط رحاله أولاً في عكا، ثم انتقل منها إلى حيفا التي كانت قاعدة الأسطول البريطاني وترسانة أسلحته. ومن جديد استأنف رحلة النضال العلمية والجهادية، فعلَّم الدين واللغة للعمال والفلاحين، وعمل على تحسين أحوالهم المعيشية.

**مدرسة القسام :

إنها مدرسة الرسول القائد ، صلى الله عليه وسلم ، مدرسة جمعت بين التربية والجهاد ، فهو يربي أبناءها على حب الموت في سبيل الله ، والجهاد من أجل نصرة دينه ، وتحرير مقدساته ، وكل الأرض الشامية مباركة مقدسة ، بل كل بلاد المسلمين تفرض علي المسلمين أن يذودوا عنها عدوان المعتدين ، وأن يبذلوا في سبيل تحريرها من أيدي الغاصبين كل غالٍ نفيس ؛ لذلك رأينا القسام يبيع بيته في (جبلة) ويشتري به سلاحاً يوزعه على المجاهدين لقتال الاستعمار الفرنسي ، وتحرير سورية الشمالية منه ، وطرد جيشها المحتل لأرضها.

وفي حيفا وفر ما استطاع من مال ، واشترى به السلاح ، ودرب المجاهدين عليه ، ثم سلحهم به .. طاف كثيراً من القرى ، وتعرف إلى الناس ، واصطفى منهم صفوة اعتمد عليهم ، ورباهم على الدين والفضيلة ، وعلى الزهد والعفة ، وعلى حب الإسلام ونبي الإسلام ، وعلى الجهاد سبيلاً للتحرير ، وعلى حب الموت في سبيل الله ، وترك المظاهرات والمؤتمرات والمفاوضات للزعامات اللاهثة وراء الحلول السلمية والاستسلامية ، وترك لهم الشعر والشعراء ، والخطب (العصماء) والعواطف البلهاء ، وأكب على التخطيط والعمل والتنفيذ بسرية وكتمان وعمل دؤوب لتكوين نواة حركة جهادية ، وسهر عليها ، ولم يضع شيئاً من الوقت ، ولم يبخل بمال أو جهد أو راحة عليها ، فقد كان يعلم أنه في سباق مع الأعداء ومع الزمن ، مع وعي تام لكل ما يتطلبه السباق من أسس علمية سليمة ، ومن مبادئ إسلامية تحدد له الغاية والأهداف والوسائل النظيفة المتاحة على أرض المعركة.

لقد بذل القسام من الجهد والوقت والمال كل ما كان عنده ، ولم يستبق منه لنفسه ولأسرته شيئاً .. كان يخرج مع تلاميذه ليلاً يخرجهم إلى الخلاء إلى المقالع الحجرية التي جند أكثر العاملين فيها ، ومعه المدرب والمدربان ، ليعلموا المجاهدين فك السلاح ، بارودة كان أم مسدساً ، وعلى تركيبه ، وعلى تنظيفه وصيانته ، وعلى استخدامه والتصويب به بدأ من نقطة الصفر معهم ليكون البناء سليماً قائماً على أسس سليمة ، حتى يدوم ويستمر إلى ما شاء الله ، إلى النصر والتحرير.

وكان تلاميذه يزدادون تعلقاً به ، وحباً له ولما يدعو إليه ، فقد رأوا فيه القدوة العلمية ، والمسلم الحق الذي يطابقون بينه وبين ما علمهم وما عرفوا من سمات القادة الربانيين.

كان القدوة في التضحية والبذل والعطاء ، كان لله وفي الله ، فكانوا كذلك معه ، ولهذا تحملوا حزمه وشدته في التدريب على السلاح في سائر الأحوال ، وعلى الاخشيشان والمشاق.. يأمرهم أن يخلعوا أحذيتهم ويمشوا حفاة فوق الأشواك والصخور ، وأن يتسلقوا الأشجار والجبال ، فتكون المسارعة إلى طاعة الأوامر بحب وطيب ونفس.. يأمرهم بالنوم في العراء في الليلة الباردة والمطيرة ، ويمنعهم من تناول الطعام والشراب ، فينامون بلا وطاء ولا غطاء ، ولا طعام ولا شراب ، استعداداً لما سوف يستقبلهم ويستقبلونه من أيام عوابس ، وليال عجاف .. وكان من أقسى ما يؤمرون به ، أن يناموا في بيوتهم على الحصير ، وزوجاتهم ينظرن إليهم يفعلون هذا مرة مرتين في الأسبوع ، ويطلبن تفسيراً لهذا التصرف الغريب ، وكأنه هجران في المضاجع ، فيسكت الواحد منهم ، ولا يستطيع إفشاء السر الذي ائتمنه عليه الشيخ القائد الآمر.

- كان المبدأ الذي يعتمده شعاراً وسلوكاً ، ويأمر خاصته به : علنية الدعوة ، وسرية التنظيم ، وعلى هذا نشط في زيارة القرى ، والاحتكاك بأهلها ، يلقي دروسه ومحاضراته في مسجدها ومضافاتها وفروع جمعية الشبان المسلمين التي يرأسها، وكانت كلماته تشق طريقها إلى القلوب فتأسرها ، تعلمهم الإسلام وما ينبغي أن يتحلى به المسلم من عزة وكرامة وإباء ، وكيف يدافعون عن أنفسهم وأرضهم وعرضهم ودينهم ضد الغزاة من اليهود والإنكليز المستعمرين المحتلين ، وكان في الوقت نفسه ، يعرف كيف يختار أعوانه ومساعديه ممن يتوسم فيهم الإيمان وما يستتبعه من صدق وإخلاص وتضحية وجهاد في سبيل الله ينظمهم ويفكر معهم في الطريقة المثلى للتحرك في مناطقهم بسرية وكتمان حتى استطاع أن يبث القيادات ويوزعهم في كثير من القرى والبلدات والمدن الفلسطينية ، بل وصل تنظيمه هذا إلى مدينة اللاذقية في سورية ، لتكون قاعدة التسليح فيها.

- وهكذا استمر خمسة عشر عاماً يخطب ويحاضر ويحض على الجهاد ، ويحث على التضحية والبذل والجود بالمال والروح ، وكان يشتري الساحل سراً ، ويدرب عليه من وقع اختياره عليه من الأتباع ، ثم يأمر أعوانه بتدريب من يرونه أهلاً لحفظ السر والكتمان ، على السلاح وعلى القتال ، ويأمر من يلقاه من أصحاب الحمية والدين باقتناء السلاح ، تمهيداً للقيام بثورة حدد أهدافها الثلاثة مسبقاً وهي :

1- تحرير فلسطين من الاستعمار الإنجليزي الذي يعد العدو الأول للفلسطينيين ولسائر المسلمين ، لأنه وعد اليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين عبر وعد بلفور المشؤوم عام 1917م وسمح بهجرة عشرات الآلاف منهم إليها ، ودرب شبابهم ، وسلحهم ، وتغاضى عن السلاح الذي كانوا يستوردونه من أوروبا وروسيا.

2- الحيلولة دون تحقيق آمال اليهود في إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين وإنشاء دولة يهودية على أرضها ، مهما كلفهم من جهد ودماء وأموال ومتاعب.

3- إقامة دولة عربية إسلامية في فلسطين ، تكون نواة لدولة الواحدة التي تجمع العرب والمسلمين وكان شعاره في حركته : (هذا جهاد .. نصر أو استشهاد) يدور على ألسنة المجاهدين في فلسطين.

- كان الشيخ عز الدين يعمل في سرية وتكتم ، ولا يطلع على خطته إلا خاصة أعوانه ومساعديه الذين كانوا يخططون معه للعمليات التي ينفذونها ضد ثكنات الإنجليز ، ومستوطنات اليهود القادمين من الخارج ليلاً ، ثم يعودون إلى أعمالهم نهاراً ، ويستأنفون أعمالهم العادية ، فلا ينتبه لهم أحد.

- في حيفا خطب في عدد من جوامعها، واستقر في جامع الاستقلال وتولى شؤونه. فكان يبصر الناس بما يبيته اليهود لهم من شر وتدمير، ويحرك فيهم همة الجهاد ويستنهض في أرواحهم شرف الاستشهاد، ويذكرهم بما يخطط العدو لفلسطين، ويقول لهم: "اليهود ينتظرون الفرصة لإفناء شعب فلسطين، والسيطرة على البلاد، وتأسيس دولتهم".

لله درك يا شيخ المجاهدين، كم كانت رؤيتك نافذة، وكم كان حدسك صائباً!

ترى لو بقيت حياً إلى اليوم، هل كنت تضيف شيئاً على ما قلته منذ عقود طويلة من الزمن؟

ومن أعمال القسام الرائدة في فلسطين، أنه استطاع بعد عمل شاق أن يؤسس أول تنظيم جهادي حقيقي، قوامه العمال في المدن والفلاحون في الأرياف. هذه البذرة الطيبة التي أنبتها في أوساط الشعب الكادح، أعطت أكلها في معركة يعبد وفي غيرها من المعارك والهجمات، وأوقعت هزائم في جيش العدو وهددت أمنه.

- بدأ بتأليف القلوب ، ونشر المحبة ، وإزالة الخصومات ونبذ الأحقاد ، وتعميق الوازع الديني في النفوس ، والتوعية بمؤامرات الحكومة البريطانية على فلسطين ، والتوعية بمخاطر هجرة وبيع الأراضي ، وعمل على تكوين قاعدة إيمانية صلبة من المجاهدين ضد أعداء الله سبحانه وتعالى وأعداء رسوله - صلى الله عليه وسلم - . وكان يتصف بقوة الإيمان ، وحسن السيرة والمعاشرة ، وكان لبقاً وخطيباً بارعاً ، وعاقلاً يدرك ماذا يصنع ويفهمه كل الفهم ، غير متسرع ولا مندفع ، وكان يلوم بعض المشايخ وطلبة العلم على أمور منها :

- محاولاتهم وسعيهم الحثيث إلى تجويف الدين وجعله هياكل نظرية مفرغة.
- إبعاد الدين عن السياسة ، واقتصارهم على المواعظ النظرية فقط.
- إغراقهم في التنعم بعيشهم بينما غالبية الشعب تعاني من الفقر والحاجة.
- عدم دعوتهم إلى الجهاد وطرد الإنجليز والصهاينة.
- إنفاق الأموال في تزيين المساجد وزخرفتها بدلاً من الإعداد للجهاد.

فالتف حوله الناس وساعدوه ، وزاد أيضاً عدد الجواسيس عليه ،

**أسلوب فريد :-

- يعتبر القسام صاحب دعوة مستقلة وأسلوب متميز وحركة جهادية رائدة سبقت جميع الاتجاهات في ميدان الجهاد المعاصر في فلسطين.

ويتلخص هذا الأسلوب في تربية جيل من المجاهدين، فكان يعقد اجتماعات سرية مكتومة في بيته وفي بيوت بعض أصدقائه، يحضرها عدد من الأشخاص المغمورين (غير البارزين أو المعروفين في ميدان الحركة الوطنية)، وكان يختارهم من الذين يحضرون دروسه ومواعظه، ويقوم بتهيئتهم وإعدادهم للجهاد، ويكوّن منهم خلايا جهادية، تقتصر عضويتها على نفر من المؤمنين الصادقين الذين لديهم الاستعداد الكامل للتضحية والفداء.

وعندما تم إنشاء القوة المجاهدة بشكل متكامل، كانت مقسمة إلى وحدات مختلفة المهام، حيث لكل وحدة دور خاص بها تتولاه، وهذه الوحدات هي:

الأولى: وحدة خاصة بشراء السلاح.
الثانية: وحدة خاصة للاستخبارات ومراقبة تحركات العدو البريطاني واليهودي.
الثالثة: وحدة خاصة بالتدريب العسكري.
الرابعة: وحدة خاصة للدعاية في المساجد والمجتمعات، وأبرز أعمالها الدعوة إلى الجهاد.
الخامسة: وحدة العمل الجماهيري والاتصالات السياسية.
السادسة: وحدة جمع المال من الأعضاء والأنصار، ورعاية أسر المعتقلين والشهداء.

ولماّ قطعت الحركة شوطاً من الإعداد تم فيه تهيئة المقاتلين للجهاد، ابتدأ رجال القسام بتنفيذ عمليات فدائية ضد المستوطنات اليهودية عن طريق إعداد كمائن والهجوم على أفراد محددين ومستوطنات معينة، بهدف دفع اليهود في الخارج إلى وقف الهجرة إلى فلسطين.

ولم تكن أعمال القسام مهاجمة المستعمرات فحسب وإنما قاموا بمجموعة أعمال أخرى ذكرها الأستاذ أميل الغوري في كتابه (فلسطين عبر ستين عاماً) فقال: (أماّ الأعمال التي قام بها القساميون فكانت من أروع ما قام به المجاهد في فلسطين، وعلى الرغم من كثرتها وتعدد أشكالها ومظاهرها، فإنها ظلت محاطة بالسرية والكتمان إلى مدى كان معه أكثر الناس يجهلون مصدر هذه الأعمال، بل كانوا لا يعرفون إطلاقاً بوجود حركة القساميين، وكان من هذه الأعمال: ملاحقة وتأديب الذين يخرجون عن الشعب ومصالحه، مثل التعاون مع الحكومة ضد الحركة الوطنية، والتجسس لحساب المخابرات البريطانية، أو بيع الأراضي لليهود أو السمسرة عليها للأعداء. وكان من أعمال القساميين العديدة الواسعة النطاق، التصدي لدوريات الجيش والشرطة، وقطع طرق المواصلات والإغارة على ثكنات الجيش ومراكز الشرطة، ومهاجمة حرس المستعمرات اليهودية، وزرع الألغام والمتفجرات فيها).

وفي الوقت الذي اعتبرت فيه أعمال القسام بمثابة الروح التي سرت في أوصال الأمة، فحركت الهمم وشدت العزائم، وحفزت الناس إلى العمل، كانت الحكومة البريطانية تعلن عن مكافآت ضخمة لمن يدلي بأية معلومات عن منفذي هذه الأعمال، لأنها فعلاً ألقت الرعب في قلوب اليهود الذين رأوا ولأول مرة عملاً جديداً من حديد ونار، وهذه لم يتعود عليها اليهود في فلسطين... وازدادت الحكومة البريطانية واليهود ذعراً وبثوا الأرصاد، ونشروا الجواسيس في الليل والنهار، وصار الاعتقال لمجرد الشبهة.

لذا أصبحت تحركات جماعة القسام تلاقي صعوبة شديدة، إذ استطاعت الشرطة الإنجليزية الحصول على معلومات بشأن عدد أفراد الجماعة وأسمائهم وأسلحتهم، نتيجة التحقيقات المكثفة التي قامت بها، وكذلك استطاعت الحصول على معلومات تساعدهم أكثر وأكثر على تحديد مكانهم.

** وترجل الفارس :-

وأخيراً وفي أحراش يعبد في منطقة جنين يوم 20 نوفمبر عام 1935، حددت الشرطة البريطانية مكانهم وهاجمتهم بقوات عسكرية كبيرة ودارت معركة رهيبة بين المجاهدين والشرطة، صمد فيها رجال القسام، وقاتل شيخهم قتال الأبطال، وظل يكافح حتى خر صريعاً في ميدان الجهاد شهيداً كريماً في سبيل إعلاء كلمة الله فوق أرض فلسطين، واستشهد معه بعض إخوانه المجاهدين، وجرح آخرون وتم أسرهم.

نقل الشهداء إلى حيفا، وتمت الصلاة عليهم في جامع الاستقلال، وشيعت جثامينهم الطاهرة بتظاهرة وطنية كبرى نادت بسقوط الإنجليز ورفض الوطن القومي اليهودي.

كان لاستشهاد القسام أعمق الأثر في شباب فلسطين في الثلاثينات والأربعينات، كما أصبح القسام رمزاً للتضحية والفداء، مما جعل بعض المؤرخين يعتبرونه بحق شيخ ثوّار فلسطين.

وحين ترجّل الشيخ عز الدين القسَّام عن أكف مشيعيه وأعناقهم، ووسِّد لحده ألقى خطبته الأخيرة؛ فدوَّت كلماته الصامتة في سمع الزمان ولا زالت، فالرجل الذي تنقل بين مصر وسوريا وفلسطين خطيبًا مفوهًا وعالمًا شرعيًا ينشر الهدى والتعاليم السمحة، غدا مفجر أول ثورة فلسطينية مسلحة ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية.
وفي اليوم التالي للجنازة كتب الأستاذ والمؤرخ الفلسطيني أكرم زعيتر يقول:

" لقد سمعتك قبل اليوم خطيبًا مفوهًا، تتكئ على السيف وتهدر من فوق المنبر، وسمعتك اليوم خطيباً تتكئ على الأعناق، ولا منبر تقف عليه، ولكنك والله اليوم أخطب منك حيًا".

**من كلماته الخالدة :-

" أيها المؤمنون أين نخوتكم؟ أين أيمانكم؟ أين هي مروءتكم؟
إن الصليبية الغربية والصهيونية اليهودية تريد ذبحكم كما ذبح الأمريكان الهنود الحمر .. تريد إبادتكم أيها المسلمون حتى يحتلوا أرضكم من النيل إلى الفرات ويأخذوا القدس ويستولوا على المدينة المنورة ويحرقوا قبر الرسول(ص)" ..

***
((هذا جهاد :- نصر أو استشهاد))

***
(( موتوا شهداء ))

***

** وقبل النهاية تبقى كلمة :-

لم يمت القسام بل ظل يسري في وجدان الشعب العربي الفلسطيني المسلم سريان الدم في العروق، وسريان النور في النهار.

لم يمت القسام لأن شباب الاستشهاد الذين انتفضوا في فاتحة عام 1988، بعد 53 سنة من غياب القسام جسدا..شباب الاستشهاد الطوعي الفلسطيني أعلنوا أنهم يتيمنون بالقسام، وأنهم قساميون، وكتائبهم الضاربة تحمل اسم الشهيد الجليل عز الدين القسام، وتعرف اختصارا باسم (كتائب القسام).

وفى النهاية ما أقسى أن نختم ونحن نستمع إلى الكلمة التى كتبها يوما أحد القادة السياسيين وأراها تنطبق علينا :-

" ثورة القسام ثورة علينا جميعا شبابا وشيوخا وكهولا. إذ يقول كل واحد منا في قلبي إيمان وفي نفسي إخلاص وعزيمة، ولكني مثقل وورائي عائلة كبيرة أخاف عليها إن خرجت أن يتخطفهم الذل والعار والموت، وليس عندي ما يدفع عوادي الزمن. يسمع القسام وصحبه هذا فيثورون عليه ويخرجون... يخرجون عمن؟ عن أعشاش فيها قطع من اللحم كأفراخ العصافير ينتظر كل منها معيله ليلقي في منقاره ما يسد جوعه ويروي عطشه. فيندفع القسام وصحبه من تلك الأعشاش لتثبيت المبدأ، وإحقاق الحق، واعلاء شأن الإيمان. ونحن نرى منهم ذلك لا يسعنا إلا أن نشعر بتبكيت الضمير واحمرار الوجوه، فندعو الله أن ينير قلوبنا بهذا الإيمان".


فاللهم أنر قلوبنا بالإيمان
وأحينا مجاهدين
وأمتنا شهداء
 

زاد الـداعيـة
  • شحذ الهمم
  • زاد الخطيب
  • فن الحوار
  • فن الدعوة
  • أفكار إدارية
  • معوقات ومشكلات
  • رسائل ومقالات
  • من أثر الدعاة
  • الصفحة الرئيسية