اطبع هذه الصفحة


ليس بالبلد إلا هذا الولد

أبو شاكر


هذه العبارة مقصودها حالنا هذه الأيام حيث اقتصر الكثير منا في أعمالنا الدعوية والخيرية على نوعية معينة من الشباب فلا يصلح لأن يكون في هذا العمل إلا فلان وفلان من الناس ولا يصلح للتفكير والتخطيط والإبداع إلا فلان وفلان ونسينا أو تناسينا أن الله قد وزع المواهب بين عباده فهذا يستفاد منه في الأفكار وهذا يستفاد منه في النقد البناء وهذا يستفاد منه في الحركة والجهد وهذا يستفاد منه في الشعر وهذا يستفاد منه في الكتابة الصحفية وهذا يستفاد منه في الأعمال الخيرية والدعوية فكل له موهبة وكل له تميز ومن الخطأ أن يقتصر في جميع الأعمال على فئة معينة من الناس ومن الخطأ أن تبقى حكرا على بعض الفئات فالأمة محتاجة لجميع الطاقات كما أن الشباب الذين في مقتبل العمر في سن البلوغ لديهم من الحماس ومن الطاقة والجهد والإبداع ما ليس عند غيرهم ولست هنا بصدد ضرب الأمثال في الذين برزت مواهبهم وأعمالهم من الشباب الذين في سن البلوغ في زماننا المعاصر ولكن يكفبك أن تعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم البارزين الذين أخذوا العلم وتقلدوا المناصب في فترة من الفترات هم يعدون اليوم في عرف بعضنا صغارا وإليك الأمثلة في ذلك :

1. هذا أسامة بن زيد رضي الله عنه أمّره النبي صلى الله عليه وسلم على جيش ضم كبار الضباط وأمراء الجيش ورجال المهاجرين و الأنصار وشيوخ العرب والشخصيات البارزة آنذاك ومن أبرزهم أبوبكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين وكان عمره ثمانية عشر عاما فكان نعم القائد مع ما قال فيه الناس عندما أمّر عليهم وكيف رد عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم في ما قالوا .فهل يا ترى أسامة بن زيد كان أكثر دهاء ودربة في القتال وكفاءة من غيره؟ بدون شك لا ! ولكن لماذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم على الجيش أظن أن لذلك مقاصد ولعل من تلك المقاصد أن يعي القادة من بعده أن عليهم أن يثقوا بالشباب وأن يحملوهم المهام التي تعينهم على الدربة والمراس ليقودوا الأمة في المستقبل .

2. وهذا مصعب بن عمير رضي الله عنه عندما احتاج النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث سفيرا إلى المدينة اختاره لهذه المهمة العظيمة وكان في ريعان الشباب ولم يقل صلى الله عليه وسلم حينها إن هذه مهمة عظيمة وينبغي أن توكل إلى رجل له من المواصفات المتعددة منها كبر السن و... ولكنه كان درسا للقادة من بعده صلى الله عليه وسلم كسابقه .

3. وهذا عتاب بن أسيد رضي الله عنه عندما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمر رجلا على مكة وهو خارج منها بعد الفتح مباشرة أمّره عليها وعمره لا يتجاوز العشرين عاما على الرغم من أن مكة حديثة عهد بإسلام وفيها من كبراء قريش ورجالها من فيها ولكنه درس ثالث للقادة من بعده صلى الله عليه وسلم .

4. وهذا يحيى بن أكثم عندما ولي قضاء وعمره عشرون سنة أو نحوها واستصغره أهل البصرة قال : ( أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجهه النبي صلى الله عليه وسلم قاضيا على مكة يوم الفتح و أنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجهه النبي صلى الله عليه وسلم قاضيا على اليمن وأنا أكبر من كعب بن سورة الذي وجهه عمر بن الخطاب قاضيا على أهل البصرة ) .

5. وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول من أسلم من الشباب وشارك في بدر وقتل من صناديد قريش من قتل وهو دون الخامسة والعشرين .

6. وهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه الذي قام بواحدة من أعظم المهام في التاريخ وهي جمع القرآن كان آنذاك دون الثانية والعشرين وكان من كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دون هذه السن .

7. وهذا عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم كم كانت أعمارهم .

8. وهذا عمرو بن سلمة رضي الله عنه جعله النبي صلى الله عليه وسلم يؤم قومه وكان حينئذ أقرأهم للقرآن وهو لم يتجاوز السابعة .

9. ولو تذكرت معي لوجدت أن النبي صلى الله عليه وسلم يجيز قتال غلمان الصحابة معه عند البلوغ فقد روى الطبراني فقال: كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يعرض غلمان الأنصار في كل عام، فمن بلغ منهم بعثه، فعرضهم ذات عام فمر به غلام فبعثه في البعث، وعُرِض عليه سمرةَ بن جُندب من بعده فرده، فقال سمرة: يا رسول الله! أجزت غلامًا ورددتني، ولو صارعني لصرعته، قال: «فدونك فصارعه» قال: فصرعته فأجازني في البعث. ومما أخرجه البخاري في كتاب ( فرض الخمس ) أن غلامين في غزوة بدر سألا الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن أبي جهل ليدلهما عليه ليقتلاه لأنهما علما أنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم فدلهما عليه فقتلاه فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلبه لأحدهما بعدما تأكد من الذي بادره منهما 0 بل هما لم يسمح لهما بدخول المعركة إلا بعد أن صار في دخولهما نزاع حيث أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما فقال الآخر كيف تجيزه وأنا أصرعه فدعاهما للمصارعة فصرع الآخر الأول فأجازهما وكانا دون الخامسة عشرة سنة .

ومن هذه النماذج التاريخية يتبين لنا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاد توظيف طاقات الشباب الخلاقة، واستطاع أن يزرع في نفوسهم الثقة بالنفس، والإرادة القوية، والعزيمة الفولاذية.. مما جعلهم يقومون بأدوار كبيرة، ويتحملون مسؤوليات خطيرة ؛ كان لها الفضل الأكبر في نشر راية الإسلام خفاقة في بقاع الدنيا.

لقد رَبى النبي صلى الله عليه وسلم جيلاً مؤمناً و ملتزماً بمفاهيم وقيم الإسلام، وكان الغالب في هذا الجيل شريحةِ الشباب. فعادة ما يتفاعل الشباب مع كل جديد، وهم أكثر الناس تأثراً، وأسرعهم استجابة، وأشدهم تفاعلاً ؛ بخلاف جيل الكهول و الشيوخ الذين ـ في الغالب ـ ما يقفون حجر عثرة أمام أي تغيير أو إصلاح، وأشد الناس تمسكاً بالقديم، ورفضاً للحديث والجديد ، وأكثر انشغالا بالعيال وحرصا على الدنيا من الشباب .

فمتى تتغير نظرتنا إلى الشباب ومتى نؤهلهم لقيادة الأمة ؟! ونحن إن لم نهتم بهذه الشريحة من الشباب الذين هم في مقتبل العمر ولم نستغل طاقتهم المتفجرة فيما ينفع الأمة لاستغلهم غيرنا وربما كان الاستغلال في باطل إما في فساد وانحراف أخلاقي وإما في انحراف فكري وفي الحالين سيكونان وبالا على الأمة .

وإنه لمن العجب أن تعلم أن (40%) من ممن يعملون في الأعمال التطوعية في إمريكا هم من الغلمان الذين لم يتجاوزوا بعد مرحلة البلوغ فهل نتعظ .
 

زاد الـداعيـة
  • شحذ الهمم
  • زاد الخطيب
  • فن الحوار
  • فن الدعوة
  • أفكار إدارية
  • معوقات ومشكلات
  • رسائل ومقالات
  • من أثر الدعاة
  • الصفحة الرئيسية