اطبع هذه الصفحة


ولا تمنن تستكثر

غالية عبدالله محمد - الشارقة


يروى أن هارون الرشيد قدم الرقة فانشغل الناس خلف عبد الله بن المبارك وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة وأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فلما رأت الناس قالت : ما هذا ؟ قالوا : عالم من أهل خرا سان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك . فقالت : هذا والله المُلك لا مُلك هارون الذي لا يجمع الناش إلا بشرط وأعوان .
فماذا كان شأن ابن المبارك حتى نال هذه المنزلة ؟
يقول أحد مرافقيه : كنت مع ابن المبارك يوماً فأتينا على سقاية والناس يشربون منها فدنا منها يشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه ، فلما خرج قال لي : ما العيش إلا هكذا حيث لم نعرف ولم نوقر ، قال : وبينما هو بالكوفة يُقرأ عليه كتاب المناسك وانتهى إلى حديث وفيه قال عبد الله بن المبارك وبه نأخذ ، قال : من كتب هذا من قولي ؟ قلت : الكاتب الذي كتب فلم يزل يحكه بيده حتى درس – أي محي الكلام – ثم قال : ومن أنا حتى يُكتب قولي)

* * * * *

إن عطاء العالم للدعوة ، تضحيته وجهاده ، بذله وكفاحه وإنفاقه للأوقات والأموال .. ينبغي أن ينظر إليه المؤمن نظرة استصغار بالتقصير ، لأن الشعور بالتقصير هو طريق المؤمن نحو الأفضلية دائماً ولأن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بعدم استكثار عمل الخير ، لأن في ذلك مدعاة للفخر والاعتزاز
و التراخي والراحة وترك العمل .. وليعلم الداعية أن لا راحة له إلا عند أول قدم يضعها في الجنة .
وقال تعالى مخاطباً رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم – بأن لا يستكثر بذله في سبيل الله تعالى قائلاً ( ولا تمنن تستكثر ) المدثر: 6
أي لا تمنن يا محمد بعملك وعطائك وبذلك وجهادك في سبيل الله وتستكثر العمل لله تعالى ، لأن العمل لله تعالى وسام شرف ورفعه لك ..
وفيه اختبار من المولى جل جلاله لك ولغيرك من الناس .
وقوله تعالى ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) المؤمنون : 60
والمعنى : يعطون العطاء وهو خائفون وجلون ألا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط العطاء .

وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : يا رسول الله (يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال : لا يا ابنة الصديق ، ولكنهم الذي يصلون ويصومون ويتصدقون وهو يخافون أن لا يتقبل منهم .
فالمؤمن لا يستكثر عمله لله تعالى بل يتذلل إلى الخالق بأن يتقبل تلك الأعمال ..

فالواجب على الداعية المسلم والمربي الفاضل أن يحرصوا على العمل والعطاء والبذل لهذا الدين . وكما قيل ( من كانت همته ناهضة وعزيمته صادقة لا يستكثر شيئاً لله تعالى )

وليعلم الداعية أنه ما دام إنساناً فهو معرض للعجب بأي عمل يقوم به ، أو نعمة يغدقها الله عليه ، لذلك علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم قوله " ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين "
والقرآن الكريم يعلمنا هذا الخلق من خلال أنبيائه ورسله ، فهذا – سليمان – عليه السلام – يرى ذلك الملك الذي لم يعطه الله أحداً من خلقه ، فلا يتعالى ولا يعجب ويطغى ولا يكل هذه النعم إلى نفسه طرفة عين بل يتذكر المنعم وينكسر بين يديه حين يقول ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى ولدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) النمل : 19
( وقفات تربوية / عبدالحميد البلالي )

 

زاد الـداعيـة
  • شحذ الهمم
  • زاد الخطيب
  • فن الحوار
  • فن الدعوة
  • أفكار إدارية
  • معوقات ومشكلات
  • رسائل ومقالات
  • من أثر الدعاة
  • الصفحة الرئيسية