اطبع هذه الصفحة


الجانب الدعوي في السيرة النبوية

د. محمد بن لطفي


مقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعـد:
فإن جانب الدعوة في السيرة النبوية موضوع جدير أن يعرض على الناس ولاسيما الدعاة.
إن جانب الدعوة في السيرة يشمل السيرة كلها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد ومبشر ونذير وداع إلى الله، بل هو سيد الدعاة. يقول الله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا) [الأحزاب: 45-46].
ولذا فلن أعرض في هذه الكلمة لمواقف الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوية أسردها سردًا كاملًا ؛ لأن ذلك يقتضيني عرض السيرة النبوية عرضًا تامًّا من أولها إلى آخرها.. ولكني سأعرض إلى إمكانية استفادة الداعية من السيرة، وإمكان استفادة المدعوين من السيرة.
والموضوع – حتى بهذه الحدود – واسع جدًّا، من أجل ذلك فسآتي ببعض الأفكار والخواطر حول هذا الموضوع.
وأحب أن أذكر في هذه المقدمة صلتي القديمة بالسيرة النبوية.. إن السيرة ليست غريبة عليَّ.. فمنذ أيام الطفولة المبكرة كانت لي صلة بأحداث السيرة عن طريق السماع.. ومازلت أذكر تلك الجلسات المحببة التي كنا نتحلق فيها حول الوالدة نصغي إلى حديثها المحبب وهي تقص علينا قصصًا رائعة من حياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.. تقصها علينا بطريقة جذابة وبأسلوب مفهوم، ولقد كانت تلك القصص أحب شيء إلينا، وكانت والدتي تحسن الحديث، وكانت حافظة لمعظم أحداث السيرة وغزوات النبي صلى الله عليه وسلم ترويها عن والدها الذي كان تاجرًا وطالب علم رحمها الله رحمة واسعة وجزاها عنا خيرًا.
ورحم الله سيدي الوالد الذي كان يجمعنا بعدما جاوزنا مرحلة الطفولة ودخلنا مرحلة الفتوة والشباب، كان يجمعنا في السهرة على قراءة السيرة، وغالبًا ما كان يعهد إليَّ بقراءة الجزء المخصص لتلك الجلسة، وكان لذلك التصرف أثر كبير في نفسي وفي تكويني العلمي. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عنا خيرًا.
ولما بدأت بطلب العلم كان من المواد التي درستها على المشايخ (السيرة النبوية) فقد قرأت على الشيخ كتابًا كاملًا في السيرة، وكنا في الوقت ذاته نقرأ موضوعات من السيرة في الكتب الموسعة كالسيرة الحلبية، وسيرة ابن هشام، والبداية والنهاية لابن كثير وغيرها.
وكنت أعتمد على السيرة النبوية في خطب الجمعة، وفي دروسي في المساجد، ولما رزقني الله أولادًا من بنين وبنات كنت أعقد لهم درسًا يوميًّا، وكان عماد هذا الدرس السيرة النبوية، وقد تعلق الأولاد بهذا الدرس تعلقًا شديدًا حتى كانت عقوبة الذي يذنب من الأولاد حرمانه من حضور الدرس، فكان الولد المحروم يبكي ويوسط أمه ويتعهد بالتوبة، وبأن لا يعود إلى هذا الذنب مقابل أن يسمح له بالحضور.
وكان هذا الدرس نافعًا للأولاد أعظم النفع ولله الحمد والمنة.
وبقيت آنس بالسيرة فأفزع إليها، أقرؤها بني وبين نفسي، وأستشهد بأحداثها في أحاديثي وكتاباتي.

إن الحديث عن السيرة في مجال الدعوة يمكن أن يكون في جانبين:
- جانب الدعاة.
- وجانب المدعوين.
أما الدعاة: فإن لدراسة السيرة واستحضار أحداثها من قبل الدعاة فوائد عدة، تعود عليهم بالتوفيق والسداد في عملهم وبالخير العميم.
(1) إنها تملأ صدورهم بالأمل الواسع عندما يلاقون المصاعب والمتاعب والعقبات، وتنأى بهم عن اليأس، وتدفعهم إلى العمل، وذلك عندما يتذكرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واجه الدنيا التي كانت تموج بالشرك والظلم والعدوان، واجهها بعمل وصبر ورفق وحزم وأمل واسع... فدانت له الدنيا، وخضع لسلطانه الوجود، ولم يمض على وفاته صلى الله عليه وسلم مائة عام حتى كانت دعوته قد عمت الكون المعمور، وأصبحت كلمة التوحيد والتكبير تعلو المآذن من حدود فرنسا إلى حدود الصين: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.
(2) إنها تبين لهم المراحل التي ينبغي أن يسلكوها في الدعوة متأسين بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلقد أخذت دعوته صلى الله عليه وسلم في المدينة منحى يختلف عن المنحى الذي كانت عليه الدعوة في مكة.
(3) إنها توضح الأوليات ومراتب الواجبات والمحرمات، وتحدد لهم الأمور التي يبدؤون بها، وهي الأمور المتصلة بالعقيدة، فلقد ظل معظم اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة بالتوحيد ونبذ الشرك.
(4) إنها تبين للدعاة الصفات الأساسية المهمة التي ينبغي أن يتصفوا بها وترغبهم بذلك. ومن أهم هذه الصفات: العلم، والتخطيط، والتدرج، والتلطف والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والحلم، والشعور بالمسؤولية، والصبر والثبات، والالتزام بما يدعو الناس إليه، والزهد والقناعة، والجرأة في قول الحق وغير ذلك من الصفات مما سنبينه في هذا البحث إن شاء الله.

وأما بالنسبة إلى جانب المدعوين فهناك الأفكار الآتية:
(1) إن في سماعهم لأحداث سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تنمية لحب النبي صلى الله عليه وسلم، وحبه من أسس الإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم:" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده " رواه البخاري برقم (14) عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وروى البخاري عن أنس -رضي الله عنه- بلفظ:" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " رواه البخاري برقم (15)، ورواه مسلم برقم (44)، ورواه أحمد والنسائي وابن ماجة.
ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم أمر قائم في نفوس الناس على الرغم من وقوعهم في انحراف أحيانًا، وهذا يجعل إصغاءهم ومتابعتهم للمتحدث أشد وأقوى وانتفاعهم أعظم.
(2) في سماعهم أحداث السيرة إعانة لهم على التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به.
(3) في سماعهم أحداث السيرة إعجاب بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم وتأثر بالموعظة.
(4) في سماعهم أحداث السيرة إقناع للمسلمين بأن أحكام الدين التي جاء بها الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم حلت للناس مشكلاتهم.
(5) السيرة النبوية تمثل التطبيق العملي لمبادئ الإسلام، وتجعل الأمور المجردة أشياء محسوسة ظاهرة ووقائع في عالم الحس، فهي تجسيد للمعاني الكريمة التي يريد الدعاة أن يقرروها للناس.
(6) السيرة النبوية قصة حياة أعظم إنسان عرفته الإنسانية صلى الله عليه وسلم، ومن الطبائع البشرية أن السامع للقصة عندما يعجب ببطل القصة يحاول تقليده، والقصة شيء تميل إليه النفس، وقصة حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذي غرس حبه في قلوب الناس لها تأثير وأي تأثير.
وسنورد إن شاء الله فصلًا عن أهمية القصة في الدعوة.
 



إن السيرة النبوية سجلت أحداث حياة أعظم شخصية عرفها البشر، وأكرم رسول من رسل الله صلوات الله عليهم أجمعين.
ومن حسن حظنا وحظ الإنسانية أن نُقلت لنا أحداث حياته صلى الله عليه وسلم على وجه لا نعرفه في حياة إنسان آخر.
وهو صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، والقدوة الفاضلة للمؤمنين. قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) [الأحزاب:21].
وما أشد حاجة المسلمين اليوم إلى أن يتذكروا ما جاء في سيرته صلى الله عليه وسلم ليقتدوا به ويعملوا بما جاءهم به من عند الله من الهدى والحق والخير، فواقعهم واقع مؤلم، وكيد الكفرة ضدهم متعاظم في كل مكان.
وسيكون حديثنا عن الجانب الدعوي في السيرة النبوية الشريفة إن شاء الله في حلقات، وهذا يدعونا إلى أن نحدد المراد من الدعوة لغة واصطلاحاً.
الدعوة لغة:
 قال ابن فارس في " المقاييس ":
[الدال والعين والحرف المعتّل أصل واحد، وهو أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام منك. تقول: دعوت أدعو دعاءً].
 وقال الفيومي في " المصباح المنير ":
[دعوت الله أدعوه دعاءً: ابتهلتُ إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيداً: ناديته وطلبت إقباله. ودعا المؤذن الناس إلى الصلاة، فهو داعي الله. والجمع دعاة وداعون.. والنبي داعي الخلق إلى التوحيد].
 وقال الراغب في " المفردات ":
[والدعاء إلى الشيء: الحثُّ على قصده.. قال تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام) [يونس:25] وقال: (يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار) [غافر:41-42].
والدعاء عند علماء البلاغة نوع من أنواع الطلب، وذلك عندما يكون من الأدنى إلى الأعلى، وأما الأمر فهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء أي يكون من الأعلى إلى الأدنى، وإذا كان من المثل إلى مثله فهو الالتماس.
[إنّ موضوع الدعوة إلى الله موضوع يحتاج إلى أن يعالج من قبل رجالات كبار، يملكون طاقات ضخمة ومواهب فذة، ومعرفة واسعة.. ولا يجوز أن تقابل الحركات الهدامة بروح اللامبالاة التي صار إليها بعض الدعاة بسبب الإحباط الذي أصيبوا به نتيجة للنكبات المتوالية التي وجّهت إلى كثير من الدعاة في عدد من البلاد.
لا بُدَّ من ظهور دراسات عميقة وافية تعالج الواقع الذي يحياه المسلمون، وأوضاع مجتمعهم التي تتبدل حينا بعد حين، إنّ معرفة العصر وتياراته والواقع الاجتماعي والسياسي القائم، والتخطيط وَفْق هذه المعرفة ضرورة من ضرورات الدعوة التي تطمح إلى النجاح].

الدعوة في الاصطلاح:
الدعوة في الاصطلاح دعوة الناس إلى الالتزام بشرع الله. والدخول في دينه. وتكون بالقول والكتابة والمعاملة الحسنة والقدوة..
والدعوة إلى الإسلام تعتمد على المصدرين الأساسيين في الشريعة وهما الكتاب والسنة.
والكتاب: هو القرآن الكريم، وهو كلام الله المعجز ووحيه المنـزل على عبده ورسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف والمنقول بالتواتر والمتعبد بتلاوته.
والسنة: هي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وأوصافه وهي كلّها أمور متصلة بحياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
ولذا فلا بدّ للداعية من أن يجدّ في إعداد نفسه بدراسة أمور كثيرة وأخذ نفسه بسلوك مستقيم.
لابد له من دراسة ما يتصل بالقرآن الكريم والاطلاع على تفسيره ومعرفة علومه. ودراسة ما يتصل بالحديث الشريف وبالفقه وأصوله. ومن أهم الأمور التي تعينه على عمله في الدعوة السيرة النبوية، وكذلك معرفة جيدة باللغة العربية.
وواضح أن مضمون الدعوة الإسلامية أمور متعددة من أهمها العقيدة السليمة، والعبادات، والحضُّ على الوقوف عند حدود الله في كل أمر من المعاملات الخاصة والعامّة، والتخلّق بالأخلاق الفاضلة.
وللدعوة وسائل وآداب، فالكلمة المقولة والمكتوبة من أهمّ وسائل إيصال الدعوة إلى الناس، ثم السلوك والمعاملة الحسنة قال الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) [آل عمران:104].
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: بلّغوا عنّي ولو آية " رواه البخاري برقم (3461). ويقول صلى الله عليه وسلم مخاطباً عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "... ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ". رواه البخاري برقم (3701)، ومسلم (2406).
إن هذه النصوص وأمثالها تغري المسلم بالقيام بالدعوة ؛ فالدعاة هم المفلحون وأجرهم عظيم، والذين يعرفون آية واحدة كثيرون، وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم للتبليغ.
المهم أن يكون ذلك بالرفق واللين، والتيسير والتبشير، وبالحكمة والموعظة الحسنة.. وعلى الداعية أن يتخذ الأساليب المؤثرة الجذابة التي تتناسب مع عصره ومع مستوى المخاطبين، وينبغي أن يعدد طرق العرض وأن لا يجمد على طريقة واحدة لا يحيد عنها، إنّ عليه أن يلجأ إلى الموازنة والمقارنة.. يوازن بين ذاك المستوى الرفيع الذي توحي به أحداث السيرة وبين المستوى القائم، وعليه في أحيان أخرى أن يلجأ إلى بيان انطباق الحادثة المروية على الواقع الذي يحياه السامعون، ويحسن أن يورد الحادثة قصة يعرضها بأسلوب واضح، وبلغة غير معقدة، ويجتنب الغموض والإغراب، ويحلل ما فيها من مواقف، ويعلق عليها تعليقات تتصل بواقع الناس.

الدعوة والتربية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة:

هذه مصطلحات إسلامية متقاربة المعنى، وقد يتداخل مدلول بعضها بالمصطلحات الأخرى، ويحسن توضيح المراد منها وبيان الفروق بينها، فمن هذه المصطلحات (التربية) و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و (النصيحة)، فإذا نظرنا إلى المراد من (الدعوة) و (التربية) وجدنا أن معنى كل منهما يعتمد على معنى المصطلح الآخر.
فالدعوة أعم، لأن الداعية يدعو الناس جميعاً إلى الحق والخير والهدى، فمنهم من يستجيب ويقبل، ومنهم من يعرض.
وقد مثّل الرسول صلى الله عليه وسلم حالة المدعوين مع الداعي بحالة الأرض مع المطر، فمن أنواع الأرض نوع يتلقى الماء ويُنبت الكلأ والشجر، ومنها أرض قيعان تبتلع الماء ولا تنبت شجراً ولا كلأ، ومنها نوع يتجمع الماء فيها فينتفع الناس منها وهي لا تنتفع.
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً: فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء و لا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ". رواه البخاري برقم (22)، ومسلم (2280).
ومن هنا كان مصطلح (أمّة الدعوة) ويدخل في هذا المصطلح كل من وجهت إليه دعوة الإسلام، فمن استجاب كان من (أمة الإجابة).
إذن الدعوة تكون أولاً، فمن استجاب إليك وجب عليك أن تتعهده بالتربية والتعليم والرعاية والتقويم.
والتربية على الخلق القويم دعوة ولكن تكون بعد الاستجابة.
وهاتان الكلمتان بالنسبة إلى المجتمع النبوي في المدينة كانتا متداخلتين.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو أصحابه إلى الخير، ويتعهدهم بالتربية والرعاية.
وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو بين المسلمين، قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) [التوبة:71].
وأما النصيحة فمعناها قريب من الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة " قلنا: لمن ؟ يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " رواه مسلم (55)، وأبو داود (4944)، والنسائي (7/156)، والترمذي (1926).
فقد جعل صلى الله عليه وسلم الدين هو النصيحة، ثم بيّن عموم النصيحة وشمولها، وهي من مقتضيات الأخوة الصادقة التي تجعل المسلم إذا رأى العيب في أخيه وضحه له وكشفه له ليتركه، وهذا ما دل عليه الحديث: " المؤمن مرآة المؤمن " رواه أبو داود (4918)، والترمذي (1929).
وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النصح لكل مسلم أمراً داخلاً في البيعة مقروناً بالصلاة والزكاة كما جاء في حديث جرير بن عبد الله الذي يقول فيه:
بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. رواه البخاري (57) ومسلم (56) وأبو داود (4945).
ويبدو – والله أعلم – أن مصطلح الدعوة أعم هذه الألفاظ، وأنها جميعاً من الدعوة.

القصة وسيلة من أهم وسائل الدعوة
 
إذا كانت السيرة قصة رائعة كما ذكرنا آنفاً ، فمن المستحسن أن نورد هذا الفصل في أهمية القصة في مجال الدعوة إلى الله .
يقول الله تعالى : (فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [ الأعراف:176].
للقصة سحرٌ أخّاذ ، وتأثير نفّاذ ، وللنفس تعلّق بها كبير ، يشترك في ذلك الكبير والصغير ، والعالم والأمي ، والحضريّ والبدوي ، والغني والفقير.
ولذلك بدأت الحكايات في فجر حياة الإنسان .. فما من أمة في الأرض إلاّ وقد اهتمّ أبناؤها بالقصص والحكايات ، سواء كانت هذه القصص واقعية أم أسطورية ، وربما كانت هذه الطبيعة البشرية هي التي أملت رواية الأحداث وتناقلها على شكل حكايات ، حتى أصبحت هذه الحكايات هي النواة التي قام عليها علم التاريخ .
وهذه المتعة البالغة هي التي تجعل الأطفال يتعلقون بجدّاتهم اللاتي يحفظن الحكايات الكثيرة المثيرة الجميلة ، وهي ذاتها هي التي جعلت الكبار يتحلّقون حول ( الحكواتي) الذي كان يجلس إلى عهد قريب على نشز من الأرض ، يروي قصة عنترة والملك الظاهر، وغيرهما من القصص ، ويدفعون لقاء ذلك شيئاً من المال لصاحب المقهى الذي يضم هذه المجالس .
وهذه المتعة هي التي كانت السبب في قيام فن القصة والأقصوصة والرواية والمسرحية ، وقد عرفنا هذه الفنون عن طريق الغرب ، وتخصّص في كتابتها ناس موهوبون ... وقام المترجمون بنقل روائع القصص العالمية إلى لغتنا ، وكان لذلك تأثير وأي تأثير .
إن الدعاة إلى الله يحتاجون أول ما يحتاجون إلى الأسلوب الحسن .. إنهم مدعوّون إلى أن يجدّدوا في أساليبهم .. وأن يختاروا أكثرها قرباً إلى نفوس الناس عامّة والناشئة خاصة . أمّا قوّة الفكرة وصلاحيتها للحياة ، فهذه قائمة في هذا الدين الذي يدعون الناس إليه منذ أن أنزله الله تبارك وتعالى .
ومن المؤسف أنّ بعض الأساليب لدى كثير من الدعاة منتقد ، وربما أدت هذه الأساليب إلى غرض مناقض معاكس لما كان يريده الدعاة .. إن كثيراً من هذه الأساليب ينفّر ولا يبشّر ، ويبعّد و لا يقرّب ، ويغوي ولا يهدي .. فما أجدر الدعاة إلى الله أن يراجعوا هذه الأساليب ، وأن يتدبروا قوله تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125) .
وقوله تعالى : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159) .
وقوله تعالى لموسى وهارون : (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:43،44) .
ومن الأساليب النافعة جداً القصّة .
وأكثر الدعاة إلى الله مع القصة في أزمة مستحكمة ، فهم بين طرفين متناقضين ولا يعرفون التوسط :
فهم إما ألاّ يعمدوا إلى القصة أصلاً ، ويقتصرون على تقرير الحقائق الإسلامية ، والأحكام الشرعية ، والأخلاق الحميدة ، ويكون كلامهم تقريريا عليه طابع التجريد ، وقد يورد بعضهم التفريع والتنويع والافتراضات للمسألة كما ورد في كتب الفقه المطولة ، وهذا قد يدخل الملل إلى النفوس ، ولا يؤدّي الغرض المطلوب في التأثير .
وإما أن يعمدوا إلى القصص المكذوبة ، والإسرائيليات الباطلة ، والخرافات الأسطورية يحشون كلماتهم بها ، ويملؤون مجالسهم بها وأحاديثهم وفي ذلك ما فيه من إدخال الخلل في تصور الإسلام ، وإغواء الناس ، وإبعادهم عن طريق الحق .
إن القصّة عندما تؤدّى على الوجه المتقن المحكم المحبوك ، تجعل السامع يتفكّر في المغزى الذي تقوم عليه القصّة ، وتحمله على أن يتأثر بها تأثراً بالغاً وتجعله مقتنعاً بالفكرة لا عن طريق الموعظة والإرشاد والتوجيه .
بل تجعله مقتنعاً بالفكرة كأنه هو الذي وصل إليها دون تأثير من الآخرين .. و هاهنا تكمن أهمية القصة في الدعوة إلى الله ، ذلك لأن النفوس ليست دائماً مستعدة لقبول الموعظة ، ولاسيما إذا كان الواعظ بعيداً عن الحكمة . أما القصة فإن تأمل أحداثها والتفاعل معها ، يحمل المرء على أن يتفكر في مغزاها وعبرتها .
إن القصة التي تعا لج موضوع إنسان كذاب مؤذٍ للناس ، وتتحدث عن رأي الناس فيه ، وعن المصاعب التي يلقاها بعد حين عندما ينكشف أمره للناس ، وعن النكبات التي تحل به عند ذلك إن هذه القصة التي يرويها الداعية تجعل السامع مقتنعاً بالفكرة التي يريد أن يقررها ، وكأن تلك الفكرة نبعت من ذات نفسه .
فهو يردد بينه وبين نفسه أن الكذب رذيلة ، وأن الكذب سبب لشقاء الإنسان الكاذب ، وأن الكذب سبب لنفرة الناس عن الكذاب ... وأن الكذب قد يعرّض صاحبه إلى بلايا ورزايا وأزمات ونكبات .. وقد كان ناجياً منها بعيداً عنها لو أنه أجتنب الكذب .
إنّ هذا الاقتناع الذاتي الذي يتولد عند سامع القصة هو الذي يمكن أن ندركه من قوله عزّ من قائل : (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (لأعراف: من الآية176).
ومن قوله تبارك وتعالى : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111) .
إن في قصص هؤلاء الأنبياء مع أممهم عبرةً لأولي الألباب. هذه حقيقة يقررها القرآن الكريم ، وعلى الدعاة إلى الله أن يعوها حق الوعي ليستخدموا هذه الأداة الفعالة في دعوتهم . أجل ... إن في القصة عبرة دون شك ، ويعظم تأثر الناس بالعبر بمقدار ما يكون المتحدث موهوباً في عرض القصة ، وصياغتها وحبك عقدتها ، وتشويق السامعين إلى متابعتها ، وبمقدار ما يكون اهتمامه بالنواحي الواقعية في هذه القصة .
أما مصادر القصة فكثيرة ... إن في الحياة الواقعية قصصاً مثيرة ، يعجز الخيال عن الإتيان بما يقرب من روعتها ودلالتها وإتقانها وإحكامها ... ولو أنّ القراء الكرام راجعوا أنفسهم فيما قابلوا من أحداث ووقائع ، لوجدوا أنّ لديهم من القصص عدداً كبيراً ليس هناك أمتع منها ولا أنفع ولا أشد تأثيراً منها . وفي أخبار الصحف قصص واقعية مسجلة .. وهي كلها من الحياة .
 
وكتب التاريخ القديم والحديث مملوءة بالقصص المثيرة الكثيرة . وكتب التراجم كذلك فيها قصص رائعة ، وكتب الأدب فيها القصص الكثيرة . وقبل ذلك كله كتاب الله فيه القصص المترعة بالمواعظ والعبر ، وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته والشريفة .
إنّ على الداعية أن يتخير من هذه المصادر المتعددة القصص التي تخدم القضية التي يدعو إليها ، وكلما ربط الناس بأمرين كان أكثر نجاحاً وتأثيراً .
وهذان الأمران هما :
- القصص الدينية الصحيحة الواردة في الكتاب والسنة والسيرة ، فتغلغل العاطفة الدينية في أعماق نفوس جماهيرنا المسلمة كبير كبير .
- وربطهم بالواقع الذي يحيونه ، وضرب الأمثلة الحية المشوقة التي تتفاعل مع أحاسيسهم ومشاعرهم .
إن على الدعاة أن يتخيروا من القصص الصحيح المؤثر الذي يعمل على توليد الاقتناع التام في نفوس السامعين . ولابد من تحري الصحة والصدق ، ذلك لأن كثيراً من الأقاصيص التي يوردها بعض الوعاظ أسطوري سخيف ، فيه الأغاليط الشنيعة ، والأكاذيب المفضوحة البعيدة عن الإسلام ومقاصده ، فتؤدي نتيجة معاكسة ([1]) .
إننا نريد من الداعية أن يكون ناجحاً في دعوته . ومن أهم أسباب نجاحه أن يكون حديثه حديثاً ممتعاً مفيداً مشوقاً ، فلا يجوز أن يُغرق نفسه وسامعيه بالكلام المجرد النظري ، لأنه لو فعل ذلك أمل السامعين ونفرهم ، ويمكن أن يدرأ عن حديث ذاك الملل بأن يضمن حديثه قصة من قصص القرآن أو السنة أو السيرة ، ويعلق عليها ، أو قصة من القصص الواقعية المحبوكة .
وكذلك من أسباب نجاحه أن يضع الشباب خاصة والمدعويين عامة ، في جو يعينه على تحقيق بغيته ، ومن ذلك أن يشغل الشباب بقراءات يوصيهم بها، ويدخل في هذا المجال ترغيبه إياهم بقراءة القصص الإسلامية المؤثرة ، ولو استطاع أن يوزع عليهم بعضها مكافأة للمجدّ لكان ذلك أحسن وأفضل .
وهنا لا بد من أن أدعو الموهوبين من حملة الفكرة الإسلامية دعوة صادقة حارّة إلى أن يقدموا للناس ما يستطيعون من القصص ... إن عليهم أن ينفضوا عنهم غبار الكسل والاسترخاء ؛ فالزمن لا ينتظر المتقاعسين المتثاقلين ، إننا في معركة مع الباطل ، ولابد من العمل المشترك في الميادين المختلفة لنصرة الحق والخير ، ومقاومة الباطل والشر ، ومن يدعو إليهما .
وأكاد أصل إلى أن الكتابة واجب متعين على القادرين الموهوبين إن كانوا صادقين في تبنيهم للإسلام .
إنّ عليهم أن يسخروا هذه المواهب والطاقات لخدمة الإسلام عن طريق القصة . أوليس من المؤسف أن نجد اليساريين والملحدين والمنحلين الساقطين مستخدمين لوسيلة القصة في نشر رذائلهم وضلالاتهم أوسع استخدام بين الشباب والشابات ؟!!
- إنك لتراهم في قصصهم يحمّلون كثيراً من المظالم الاجتماعية القائمة في بلاد المسلمين للإسلام ... وهم يعلمون أن الإسلام بريء من ذلك كله .. بل ما كانت هذه المظالم إلا لأن الإسلام نُحي عن الحياة والحكم في معظم ديار المسلمين منذ عهد بعيد .
- أعرف داراً من دور النشر قامت منذ أكثر من خمسين سنة في بلد من بلاد المسلمين، اتخذت لها مركزاً في طرف المدينة ، وشرعت تنشر القصص المترجمة عن الروسية ، وهذه القصص تعالـج القضايا الاجتماعية من خلال النظرية الشيوعية ، وتنشر أيضاً القصص المترجمة عن اللغات الأوربية ، إن كان كتابها شيوعيين أو يساريين ، تطبعها طباعة أنيقة ، وتخرجها إخراجاً فنياً جذاباً .
ولم يهتم بهذه الدار ولا بعملها أحد من الطيبين المسلمين ، ولا ألقى لها بالاً أحدٌ من رجال الفكر والسياسة من أعداء الشيوعية... بل كانوا يستهينون بها إذا ذكرت أمامهم ، ويسخرون منها وممن يحذر منها . ولم يمض زمن طويل حتى تبين أثر هذه الدار عن طريق القصص ... إذا مهدت لقبول الفكر اليساري ، حتى ظهر جيل من المقتنعين به ، وعرف نفرٌ من الناس أثر الفكر والقصة، ولكن بعد فوات الوقت .
أقول ذلك لأبين خطورة القصة وسلطانها على النفس والعقل، ولو أن رجال الفكر والسياسة من أعداء الشيوعية أرادوا مواجهة هذا، لكان ينبغي عليهم أن يعدوا في مقابلة هذا التضليل والتغرير ما يكشفه ويبين انحرافه ، وأن يقيموا دوراً إسلامية تنشر القصة الإسلامية الهادفة ... فالفكرة لا تقاوم إلا بالفكرة ... ولا مكان للظلام إن بزغت شمس الحقيقة ... وإن ـ شمعة واحدة في غرفة لتطارد فلول الظلام .
- وإنك لتراهم أيضاً يعتمدون في قصهم على الجنس والحب والغرام ، فيوردون المغامرات العاطفية وحوادث الخيانة الزوجية ، بشكل يغري المراهقين بقراءتها . والذين انصرفوا إلى هذا اللون المنحل أكثر من الذين تخصصوا باللون الفكري الهدام اليساري السابق ذكره ، ذلك لأن مثل هذه القصص ، تلقى رواجاً عند المراهقين والدهماء ... لقد قَصَر كثير من كتاب القصة جهودهم على هذا النوع من القصص،وتفننوا فيه فأفسدوا أبناء الأمة وبناتها إفساداً كبيراً .
وإفساد الخلق عن طريق إثارة الغريزة وإلهابها يمهد الطريق لزلزلة الفكرة الإسلامية ، لتحل محلها الأفكار الزائغة التي لا تعبأ بالخلق ولا تقيم له وزناً .
إن أعداء الإسلام يتخذون القصة أداةً يدعون بها إلى باطلهم، ويهاجمون بها حقائق الدين وتشريعاته ، ويزلزلون ثقة الناس بقيمه ومثله . فهل نعي هذا الواقع ؟ وهل نعمل على تغيره ؟
إن كتابة قصة ناجحة من الناحية الفنية والإسلامية ، ربما كانت خيراً من إلقاء مئة خطبة .
إن الموهوبين موجودون ... ولكن هؤلاء الموهوبين بحاجة إلى تشجيع . فعلى أصحاب الصحف والمجلات الإسلامية أن يفتحوا صدور صحفهم ومجلاتهم لهذه الطاقة الناشئة ، وعلى رجال الفكر الإسلامي أن يُسَدِّدوا هذه الطاقات ويُقَوِّموها ويأخذوا بأيديها ، حتى تستطيع أن تسدّ الفراغ الكبير الذي يقوم في عالم النشر عند المسلمين اليوم .
ولنقرأ قوله تعالى بتدبر واع : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) . (يوسف: من الآية111) .
 
قائمة ببعض القصص التي وردت في كتب الحديث النبوي
 
أحب أن أضع أمام القارئ قائمة في القصص النبوية التي وردت في كتاب : " رياض الصالحين " للإمام النووي . وقد اخترت هذا الكتاب لأن الأحاديث التي اختارها صحيحة عنده أو حسنة ، لأن هذا الكتاب متيسر مطبوع عدة طبعات وهو في مكتبة العالم والطالب وغيرهما .
1- قصة أصحاب الغار ... في باب الإخلاص .
2- قصة الرجل و البعير في الفلاة ... في باب التوبة .
3- قصة الرجل الذي قتل مائة نفس ... في باب التوبة .
4- قصة الثلاثة من الصحابة الذين خلفوا ... في باب التوبة .
5- قصة الساحر والملك والغلام ... في باب الصبر .
6- قصة أبي طلحة وأم سليم ... في باب الصبر .
7- قصة نبيّ من الأنبياء والغنائم و الغلول ... في باب الصدق .
8- قصة الأبرص والأقرع والأعمى ... في باب المراقبة .
9- قصة الرجل الذي سقى الكلب ... في باب بيان كثرة طرق الخير .
10- قصة آدم وإبراهيم ... ومحمد ... في باب الأمر بأداء الأمانة.
11- قصة جريج ... في باب فضل ضعفة المسلمين .
12- قصة الرحم ... في باب بر الوالدين .
13- قصة زينب امرأة ابن مسعود ... في باب بر الوالدين .
14- قصة أويس القرني اليمني ... في باب زيارة أهل الخير .
15- قصة عمرو بن عبسة ... في باب الرجاء .
16- قصة جوع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ... في باب فضل الجوع .
17- قصة أبي هريرة وقدح اللبن ... في باب فضل الجوع .
18- قصة الحوت الضخم ... في باب فضل الجوع .
19- قصة أكل أهل الخندق من طعام جابر ... في باب فضل الجوع .
20- قصة أكل الكثير من طعام أبي طلحة ... في باب فضل الجوع.
21- قصة السحاب الذي سقى حديقة رجل ... في باب الكرم والجود.
22- قصة الرجل الذي أطعم الضيوف طعام أولاده ... في باب الإيثار .
23- قصة أيوب والذهب ... في باب التنافس في التنافس في أمور الآخرة.
24- قصة عَرْض عمر بنته حفصة على أبي بكر وعثمان ... في باب حفظ السر .
25- قصة أبي هريرة ... والشيطان ... في باب الحث على سور وآيات .
26- قصة الرجل الذي اشترى بيتاً ووجد فيه جرّة ذهب ... في باب المنثورات والملح .
27- قصة المرأتين أكل الذئب ولد إحداهما ... في باب المنثورات والملح.
28- قصة الناس في المحشر وشفاعة النبي ... في باب المنثورات والملح.
29- قصة إسـماعيل وإبراهيم في مكة ... في باب المنثورات والملح.
30- قصة رؤيا رآها الرسول صلى الله عليه وسلم ... في باب تحريم الكذب.
31- قصة المرأة التي دخلت النار في هرة ... في باب النهي عن تعذيب الحيوان .

إن تأثير الشخصية الفذة في الناس أمر ملموس مقرر، لا يختلف فيه اثنان من العقلاء، وإن للشخصية الكبيرة، وللزعيم الكبير دوراً عظيماً في انتشار الدعوات، وإقامة الدول، وذيوع المبادئ التي تحملها هذه الشخصية وذاك الزعيم . ولا نستطيع أن نفصل بين عناصر القوة والنجاح في الفكرة ذاتها، وبين حاجتها إلى الزعيم العظيم الذي يجمع القلوب عليها .
فالقوة الكبيرة تأخذ بألباب الجماهير، والبيان ساحر لأفراد الأمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحراً "، والخلُق الكريم يجذب الناس إلى صاحبه .
بل إنّ الدعوات التي تقوم على أساس إنكار خصائص الفرد، وعلى إذابة كيانه في بوتقة المجتمع لم يكن لها بدٌ من اتخّاذ الشخصيات والزعماء على نحو يفوق الحركات الاستبدادية حتى استطاعت أن تأخذ طريقها إلى النجاح المؤقت .
وهكذا فإنّه يبدو لدارس الحركات الاجتماعية والحركات السياسية عظم شأن الشخصية القيادية في الدعوات مهما كانت حقيقة هذه الدعوات .
إنّ من فضل الله علينا وعلى الدنيا كلها أنّ دعوة الإسلام اجتمع فيها صوابُ الفكرة، وعظيمُ صلاحيتها للحياة، وحيازتُها لجميع عناصر القوة والنجاح، والشخصية العظيمة: شخصية سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم أبطال الإنسانية على مرّ العصور، نقول هذا معتمدين على كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يقول ربنا تبارك وتعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [التوبة:128] .
ويقول الله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) [الأعراف:156 –157].
ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ) [الأحزاب:45-46] .
ويقول الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4].
وقد شهد بذلك معاصروه ومعاشروه ومن جاء بعدهم من أتباعه ومخالفيه، أجل لقد شهد بذلك ناس لا يشاركوننا الدين .
وقد أُلّفت مؤلفات جَمعت أقوال هؤلاء، ويحسن أن نذكر أنَّ بعض هؤلاء كانوا من ألدّ أعداء الإسلام، ولكنهم لم يستطيعوا إلاّ أن يعترفوا بعظمة هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
 
من هذه الكتب: كتاب أصدره الشيخ أحمد بن حجر (قاضي قطر) بعنوان: " الإسلام والرسول في نظر منصفي المشرق والغرب " الطبعة الأولى 1397هـ .
ومن ذلك كتاب أصدرته جمعية التمدن الإسلامي بدمشق بعنوان: "النبي صلى الله عليه وسلم، كلمات بأقلام نخبة من الباحثين والأدباء المسيحيين المنصفين" طبع في مطبعة الترقي بدمشق 1384هـ 1964م .
ومن ذلك كتاب أصدره الشيخ حسين عبد الله باسلامة بعنوان: "الإسلام في نظر أعلام الغرب ".
ومن ذلك ما أصدرته الندوة العالمية بعنوان: " قالوا عن الإسلام " إعداد عماد الدين خليل .
 



لقد اجتمعت - بحمد الله وفضله – لدعوة الإسلام كل عوامل النجاح، فكتب الله لها ولحملتها الفوز والغلبة، ومن أهم هذه العوامل توفيق الله وتأييده وشخصية الزعيم العظيم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن هنا علينا أن نتعرّف إلى هذه الشخصيّة العظيمة، وذلك بالوقوف على سيرته الشريفة صلوات الله وسلامه عليه، وأن نعمل على أن تبقى توجيهاته القيمة التي نقلت إلينا في السنة المطهرة حيّة في ضمائرنا وعقولنا، وتكون هادية لنا في مسيرة الحياة .
ولن تجد الناس في دنيا البشر بطلاً أو زعيماً يوازي سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، أو يستطيع أن يقترب من الذروة السامقة التي تبوأها صلى الله عليه وسلم ... لقد صنعه الله على عينه، وأحاطه برعايته وعنايته وتأييده، وأكرمه بالنبوة والرسالة لقد اجتمع في شخص هذا الزعيم المفدّى صلوات الله وسلامه عليه الشرف الرفيع، والخلُق الزكي، والنبوة والرسالة، والعظمة والأصالة .
إنً سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم صفحة مشرقة في تاريخ الإنسانية قاطبة، ارتفعت الإنسانية به إلى مستوى سامٍ راقٍ لم يتح لها أن تبلغه بأحد من الناس قبله، ولن تبلغه بأحد بعده أبداً .
لقد عدت سيرته صلى الله عليه وسلم منارة تُطل على قافلة البشرية الحائرة القلقة المشرفة الآن على الانهيار بسبب اندفاعها وراء الشبهات والشهوات، منارة تناديها وتضيء لها سبل الهدى والطهر والاستقامة .
وسيرته صلى الله عليه وسلم هي التطبيق العملي لمبادئ الإسلام، تجد تلك المبادئ حيّة فيما تطلع عليه من أحداث تجلّى فيها المثل الأعلى للحياة السامية، تتوازن فيها دواعي المادة والروح، والدين والدنيا توازنا لا يجور فيه جانب على جانب .
من أجل ذلك كله كانت دراسة السيرة النبوية ضرورة لا بُدّ منها للداعية المسلم .
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة والقدوة المثلى للمسلمين عامة وللدعاة خاصة . يقول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) [الأحزاب:21] .
ولا يتمّ التأسّي به ما لم تتضح معالم سيرته في أذهان المعتدين والمرشدين .
إنّ عرض الداعية أحداث في مجال الدعوة يبين أن هذه الأحكام الشرعية والمبادئ الإسلامية التي تضمنتها قامت حقائق ملموسة في واقع الحياة في حقبة سعيدة من الزمان في حياة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، وكانت أكرم حقبة عرفها التاريخ .
إن السيرة النبوية تكفل لنا إيضاح الوسط الروحي المتألق الذي عاشت فيه هذه المبادئ الإسلامية، وتبين كيف انطلقت في حركتها السريعة تسود الدنيا المعمورة في وقت قصير قصير .
إنّ السيرة تبث الحيوية في الدعوة، وتوقظ في الناس الروح الدينية الكريمة، وتخلص الدعوة من الجفاف والنظرية .
إن واقع المسلمين اليوم مؤلم لبعدهم عن حقيقة دينهم، وهم بحاجة إلى إصلاح يتغلغل إلى أعماق قلوبهم، فيبدّل ما في نفوسهم وأذهانهم .
وإنّ بشائر الخير، وأمارات التقدّم، تبدو بين حين وآخر باعثة على الأمل، وتحيي موات القلب، وتنشط الهمة، وتحفز إلى العمل، وتنتظر هذه البشائر من يدفعها ويرشدها ويأخذ بيدها، هذا ومن أهم وسائل بعث الأمم المتخلفة، وبث الحياة في كيانها الضعيف، ونفض غبار التأخر والكسل عنها، وإيجاد اليقظة الواعية البنّاءة، ونشر صفحات الماضي المجيد لهذه الأمم، وإحياء بطولاتها في أذهان أبناء الأمة وناشئتها، وحضهم على متابعة السعي وبذل الجهد لاستكمال ما بنى الآباء والأسلاف، وإذا أردنا أن ننظر في أمجادنا وبطولاتنا فلن نجد مثل السيرة النبوية في هذا المجال على الإطلاق .
ولذا فإنّ على رجال الفكر، وأرباب القلم، أن يُولوا السيرة النبوية ما تستحق من الاهتمام والدراسة – عليهم أن يقدموها للناس بأسلوب سائغ مؤثر جذاب – بالمحاضرات والخطب والدروس والمقالات، والأحاديث الإذاعية والندوات التلفزيونية وبالأسلوب القصصي، ويستخدموا لذلك كل وسائل النشر الممكنة .
قال عبد الرحمن عزام: "من الأبطال من احتازوا باتساع دائرة تأثيرهم وسلطانهم ... أولئك هم المبرزون في تاريخ الإنسانية، وأولئك هم الذي كان لإصلاحهم الخلود والأثر الباقي، وأعظم هؤلاء هو محمد صلى الله عليه وسلم " . [بطل الأبطال ص5]

إنّ جانب الدعوة إلى الله في السيرة النبوية يشمل السيرة كلها ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد ومبشر ونذير وداعٍ إلى الله .. بل هو إمام الدعاة وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه يقول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب 45-46] .
عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة . فقال عبد الله : أجل ، إنّه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) وحرزاً للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سمّيتك المتوكل ، لست بفظٍّ ولا غليظ ، ولا سخّاب في الأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتّى يقيم به الملّة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، فيفتح به أعيناً عُمياً ، وآذاناً صُمّاً ، وقلوباً غُلفاً " . رواه البخاري برقم (4838)، وأحمد (2/174) .
وهذا وصف ينطبق عليه صلى الله عليه وسلم ، هذا وقد روى ابن أبي حاتم -ونقله عنه ابن كثير في تفسيره - هذه الآية نصاً جميلاً عن وهب بن منبّه معناه صحيح نورده هنا لصحة معناه ، ودقة وصفه لسيدنا رسول الله الداعية الرسول ، قال وهب : إنّ الله أوحى إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل : ... أَبعثُ أميّاً من الأمّيّين ، أبعثه مبشراً ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق ، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه من سكينته ، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه ، أبعثه مبشراً ونذيراً ، لا يقول الخنا ، أفتح به أعيناً كُمهاً ، وآذاناً صمّاً ، أسدّده لكلّ أمر جميل ، وأهب له كلّ خلق كريم ، وأجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة منطقه ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خلقه ، والحق شريعته ، والعدل سيرته ، والهدى إمامه ، والإسلام حلّته ، وأحمد اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلّم به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة ، وأعرّف به بعد النَّكرة، وأكثر به بعد القلة ، وأغني به بعد العيلة ، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلّفُ به بين أمم متفرقة ، وقلوب مختلفة، وأهواء مشتّتة ، وأستنقذ به فئاماً من الناس عظيمة من الهلكة ، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، موحدين مؤمنين مخلصين ، مصدقين لما جاءت به رسلي ، ألهمهم التسبيح والتحميد ، والثناء والتكبير والتوحيد ، في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم يصلّون لي قياماً وقعوداً ، ويقاتلون في سبيل الله صفوفاً وزحوفاً ، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي أُلوفاً ، يطهرون الوجوه والأطراف ، ويشدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، رهبانٌ بالليل ، ليوثٌ بالنهار ، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين ، أمته من بعده يهدون بالحق ، وبه يعدلون ، أُعزُّ من نصرهم ، وأؤيّد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على منْ خالفهم أو بغى عليهم ، أو أراد أن ينتزع شيئاً ممّا في أيديهم ، أجعلهم ورثة لنبيهم ، والدعاة إلى ربهم ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ويوفون بعهدهم ) . [انظر تفسير ابن كثير . سورة الأحزاب الآيتان ( يا أيها النبي إنا أرسلناك ) الآية] .
إنه نص جميل ـ وردت فيه جملة من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوية ، وورد فيه ذكر لفضله العظيم على أمته التي هداها الله به ، فكان فيها بفضل الاقتداء به صفات الدعاة الصادقين .
أجل إنّ السيرة النبوية تمثل التطبيق العملي لمبادئ الإسلام ، على يد نبي الله وخير خلقه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .
إننا نجد في أحداثها المشرقة الكريمة مبادئ الإسلام حيَّةً متحركة ... إنَّ الكلام النظريّ المجرد قد يقنع الفكر عندما يكون حقاً ، وعندما يكون عرضه موفًّقاً ، وعندما يكون السامع على مستوىٍ جيد من الفهم والإدراك ، ولكنه لا يولّد في المرء الحماسة ، ولا يحدث التعاطف والاندفاع لتحقيق مضمون هذا الكلام ، أمّا عندما يدعم هذا الكلام النظريّ واقعٌ حيٌّ تجسّدت فيه مبادئ هذا الكلام ، وبرز ما فيه من مُثُلٍ بين ظهراني الناس يبصرونها ويعايشونها ، فإنّ ذلك يفعل في النفس فعل السحر ويدفعها إلى تحقيق الخير ، وتنحية الشر ، وإحقاق الحق ، وإزهاق الباطل .
نعم .. إنّ السيرة النبوية سدّت ثغرة في هذا المجال لا يسدّها غيرها .. ذلك لأنّ عرض مبادئ الإسلام وعرض النظرات الإسلامية في شتى جوانب الحياة بعيداً عن الواقع يُفوّت على الناس أن يدركوا سرّاً من أسرار هذه الشريعة ، وخاصة من خصائصها .
إنّ هذه الشريعة هي النظام الوحيد الذي يجمع بين الواقعية والمثالية، وإنها هي الحل الوحيد لعلاج مشكلات الإنسان المادية والمعنوية .
إن إدراك هذه الخاصة ينتهي بالإنسان إلى الاعتقاد الجازم أن هذه الشريعة منزلة من عند الله دون شك ، ويجعله يدرك عظمة هذه الشريعة في مجال الفكر والخُلُق والاقتصاد والسياسة والعبادة والتشريع .
إنّ دراسة السيرة وتمثلها واستيعابها يكفل إيضاح الوسط الروحي السامي الذي قامت فيه المبادئ الإسلامية حية متحركة ، ونهضت اعتماداً عليها حضارة ودولة وفي ذلك تقويم وتربية وعون على التأسي والاقتداء .

إن السيرة النبوية تبيّن الصفات الأساسية المهمة التي ينبغي أن تكون في الداعية وهذه الصفات كثيرة نذكر منها ما يأتي :

1- العلم : فلقد كان صلى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه أحكام الدين ، ويدعوهم إلى التعلّم بالقول والفعل :
فمن قوله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى التعلم :
قوله صلى الله عليه وسلم : "طلب العلم فريضة على كل مسلم " رواه ابن ماجه برقم (224) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً ، سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة ... " رواه مسلم برقم (2699)، وأبو داود برقم (4946) ، والترمذي برقم (1930).
وقوله صلى الله عليه وسلم : " العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر " . رواه أبو داود برقم (3641) ، والترمذي برقم (2682) ، وابن ماجه برقم (223) ، وأحمد برقم (5/196).
ومن فعله صلى الله عليه وسلم تحقيق ذلك وحضّه على تعلّم الصلاة عملياً كما جاء في الحديث : " صلوا كما رأيتموني أصلي " رواه البخاري برقم (6008) ، وتعلم مناسك الحج عملياً كما جاء في الحديث: " خذوا عني مناسككم " رواه مسلم برقم (1297) ، وأبو داود برقم (1970) ، وحضّه على تعلّم الكتابة والقراءة كما جاء في حادثة فداء الأسرى فقد روى أحمد ([2]) بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة .
2- التخطيط : تعلمنا السيرة أن على الدعاة أن يصدروا في أعمالهم عن تخطيط، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطط ويحكم التخطيط، فمن ذلك ترتيبه الهجرة .
لقد خطّط رسول الله صلى الله عليه وسلم لهجرته إلى المدينة ، ورسم الخطة ، وحدّد الوقت ، وأعّد العدّة من الدليل، والزاد ، والراحلة على النحو الذي تذكره كتب السنّة ، وكتب السيرة .
لما اشتد الأذى على المسلمين في مكّة ، وأصبح لهم مُهاجَر في المدينة بعد أن ظهر الإسلام شرَع أفراد من المسلمين يهاجرون إليها بصورة فردية ، وقد أراد سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يهاجر ، فلما علم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استبقاه وأشعره أنه ربما سيكون صاحبه في هذه الرحلة .. فاستعد أبو بكر لذلك ، فاشترى راحلتين وشرع يعلفهما، ولم يرض النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يدفع ثمن الراحلة التي سيركبها...
ولما جاءه الإذن من الله بالهجرة أتى سرّاً إلى بيت أبي بكر وأخبره بعزمه على الهجرة، فطلب أبو بكر الصحبة فوافق النبي صلى الله عليه وسلم وفرح أبو بكر رضي الله عنه فرحاً شديداً حتى صار يبكي من الفرح .
ولإحكام الخطة أمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه أن يبيت مكانه كي لا يقع الشك في وجوده ، ذلك أن المشركين كانوا يحاصرون البيت يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد تعاهدوا أن ينقضّوا عليه إذا خرج ويضربوه بسيوفهم ضربة رجل واحد كي يضيع دمه في القبائل ، فكانوا يرددون النظر من خلال شقوق في الجدار ، وكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يؤدي الأمانات إلى أهلها.
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده من مكة ليلاً، وتقابل مع الصّديق خارج مكة ، وانطلقا .
وكان استأجر عبد الله بن أريقط ، وهو رجل خبير بالطرق ليدلَّهما على الطريق ، وأعطاه الراحلتين وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال .
وانطلق صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه ومعهما عامر بن فهيرة الذي كان يتبعهما بغنم كي يخفى على أثرهما.
وأعدّ صلى الله عليه وسلم لهذه الرحلة عدتها من الزاد، فوضع في جراب، وقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه نطاقها وربطت به على فم الجراب .
وأقاما في الغار ثلاث ليال حتى ينقطع عنهما الطلب ، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت معهما ، ثم يقوم من آخر الليل ويعود إلى مكة فيصبح بها ليقف على كيد المشركين ثم يأتي الغار في المساء ويذكر لهما ما سمع من القوم .
وهذا التخطيط لا يتعارض مع التوكل على الله ، ذلك لأن الأخذ بالأسباب مطلوب ، ثمّ بعد ذلك يكون التوكل على الله ، وقد قال رسول الله صلى عليه وسلم لمن سأله أيعقل ناقته أم يتوكل على الله ويتركها هكذا : فقال صلى الله عليه وسلم : " اعقلها وتوكل " . رواه الترمذي برقم (2517).
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين ، وقد خطّط هذا التخطيط العظيم لرحلة الهجرة ، إنّ هذا درس للدعاة إلى الله .. إن عليهم أن يصدروا في برامجهم الدعوية عن تخطيط مدروس محكم اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز أن تكون أعمالهم ردود فعل لما يفعله الأعداء المخالفون فقط ، بل عليهم أن يكون عملهم قائماً على الخطة التي وضعوها بعد معرفة الواقع والظروف التي يعيشون فيها . وبالله التوفيق وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .
 



إنّ السيرة النبوية لتبيّن للدعاة إلى الله أنّ من الصفات الأساسية التي عليهم أن يتصفوا بها التخطيط .. وأن على الداعية أن يصدر في أعماله كلها عن خُطَّة مدروسة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ضربنا لذلك مثلاً في الحلقة السابقة ما فعله صلى الله عليه وسلم، من التخطيط المحكم لهجرته إلى المدينة المنورة.
ومن التخطيط الذي تطالعنا به السيرة النبوية أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يترك فرصة ولا مجالاً للدعوة إلا سلكه .. فلمّا قوبل من قومه بالإيذاء والتكذيب والإعراض ، والعناد وتعذيب أصحابه ، حتّى بلغ بهم الأمر أن يهموا بقتله، شرع صلى الله عليه وسلم يبحث عن مجال آخر ، فذهب إلى الطائف، وعمد إلى نفرٍ من ثقيف ، فدعاهم إلى الله ، فلم يقبلوا دعوته ، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به.. فلجأ إلى بستان هناك وقال : " اللهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي ، وقلّة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إنْ لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سُخْطك . لك العتبى حتّى ترضى، و لا حول ولا قوة إلا بك".
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة وقومه أشدّ ما كانوا عليه من العداء ومفارقة دينه إلا قليلاً ممّن آمن به من المستضعفين ، فكان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب في المواسم يدعوهم إلى الله ، ويخبرهم أنه نبيّ مرسل ، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتّى يبيّن لهم ما بعثه الله به .
وفي " سيرة ابن هشام " تفصيل لتلك القبائل التي عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عليها . فمن ذلك النص الآتي :
( قال ربيعة بن عباد الديلي : إني لغلامٌ شابٌ مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول :
" يا بني فلان إني رسول الله إليكم ، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي ، وتصدقوا بي ، وتمنعوني حتّى أبيّن عن الله ما بعثني به" .
قال : وخلفه رجل أحول وضيء ، له غديرتان ، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا له ، قال ذلك الرجل : يا بني فلان إنّ هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزّى من أعناقكم ، وحلفاءكم من الجن ... إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه .
فقلت لأبي : يا أبت من هذا الذي يتبعه ويردّ عليه ما يقول ؟
قال : هذا عمّه عبد العزّى بن عبد المطلب، أبو لهب) (1).
• وعرض نفسه على بني كلب، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم .
• وأتى بني حنيفة فدعاهم إلى الله، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردًّا منهم .
• وأتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله، وعرض نفسه عليهم فردّوه.
• وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كّلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الله من الهدى والرحمة ، وهو لا يسمع بقادم يَقْدَمُ مكة من العرب له اسم وشرف إلاّ تصدَّى له ، فدعاه إلى الله ، وعرض عليه ما عنده .
• ومازال الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم يعمل وفق هذه الخطة ، ولا يداخله اليأس على الرغم ممّا كان يلقى من الإعراض والصدّ .. حتى خرج في الموسم على عادته يدعو ويعرض نفسه على القبائل .. فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج .
فقال لهم : " من أنتم ؟ " .
قالوا : نفر من الخزرج .
قال : " من موالي يهود ؟ " .
قالوا : نعم .
قال : " أفلا تجلسون أكلمكم ؟ " .
قالوا : بلى .
فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجلّ ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن ... فلمّا كلمهم رسول الله ودعاهم قال بعضهم لبعض : يا قوم والله إنّه للنبّي الذي تتوعّدكم به اليهود ، فلا تسبقنّكم إليه . فأجابوه وصدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام . ودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم إلى المدينة .. ثم انصرفوا إلى بلادهم .
فلمّا قدموا المدينة ذكروا لقومهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام حتّى فشا فيهم ، فلم تبق دار من دور الأنصار إلاّ وفيها ذكرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوا رسول الله بالعقبة – وهي العقبة الأولى – فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ، وذلك قبل أن تفرض الحرب عليهم .
وبيعة النساء هي الواردة في سورة الممتحنة، وذلك في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الممتحنة:12].

قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه :
كنت فيمن حضر العقبة الأولى وقد بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وقال : فإن وفيتم فلكم الجنّة ، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحدّه في الدينا فهو كفّارة له ، وإنْ سُيرتُم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عز وجلّ إن شاء عذّب ، وإن شاء غفر(2).
وأرسل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير العبدري، وعبد الله بن أم مكتوم – وهو ابن خالة خديجة – يقرآنهم القرآن، ويفقهانهم في الدين .
وكان مصعب رضي الله عنه رجلاً حكيماً يعرف كيف يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وحسن التأتي ، وقد سبق له أن هاجر إلى الحبشة وعاد ..
ونزل مصعبٌ على أبي أمامة أسعد بن زرارة ، وصار يدعو إلى الله الناس جميعاً من الأوس والخزرج وغيرهم ، ويبدو أنه نجح في الدعوة، واستجاب له الجم الكثير .
وبينما هو في بستان مع أسعد بن زرارة فوجئ بدخول رجل قوي يريد الإساءة إليه .
ذلك أن سعد بن معاذ رئيس قبيلة الأوس قال لابن عمه أُسيد بن حُضير : ألا تقوم إلى هذين الرجلين – يريد مصعباً وابن أم مكتوم – اللذين أتيا يسفّهان ديننا ، ويغريان الضعفاء من قومنا بالدخول في دينهما، فقم وازجرهما .
فاستجاب أُسيد لدعوة سعد ، وقام يحمل حربته، وجاء إلى البستان الذي فيه مصعب .. فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب : هذا سيد قومه ، وقد جاءك فاصدق الله فيه ، فلما وقف عليهما قال : ما جاء بكما تُسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كان لكما بأنفسكما حاجة .
فقال مصعب : أو تجلس فتسمع ، فإن رضيت أمراً قبلته ، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره .
فقرأ عليه مصعب القرآن ، فاستحسن دين الإسلام ، وهداه الله وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ورجع إلى سعد ، فسأله سعد عمّا فعل .
فقال : والله ما رأيت بالرجلين بأساً .
فغضب سعد، وقام لهما متغيظاً ، ففعل معه مصعب كسابقه ، فهداه الله للإسلام أيضاً .
ورجع سعد لرجال من بني الأشهل – وهم أهله وهم بطن من الأوس – فقال لهم : ما تعدّونني فيكم ؟
قالوا : سيدنا وابن سيدنا .
فقال : كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا .
فلم يبق بيت من بيوت بني عبد الأشهل إلا أجابه .
ولمّا كان وقت الحج في العام الذي يلي البيعة الأولى قدم مكة كثيرون منهم.
وهكذا نجحت خُطَّة الرسول العظيم في دعوته .

-----------------------------------------
([1])  وقد بينت خطر هؤلاء القصاص الجهلة وإساءتهم لحقائق الدين ومعانيه الكريمة في مقدمات كتب القصاص التي نشرتها وحققتها وهي ( أحاديث القصاص ) لابن تيمية و ( الباعث على الخلاص ) للحافظ العراقي و ( تحذير الخواص ) للسيوطي و ( القصاص والمذكرين ) لابن الجوزي.
([2])  مسند أحمد الطبعة القديمة 1/247 ، وفي طبعة شاكر 4/47 برقم 2216 ، وانظر طبقات ابن سعد 2/22 ط بيروت ، والبداية والنهاية 5/256 ط هجر ، والمنتقى لعبد السلام ابن تيمية برقم 4387 ، كتابنا : الحديث النبوي ط 8 ص 40-41 .
(3) سيرة ابن هشام 2/64-65 ، ورواه أحمد في المسند 3/492 و 4/341 ، وروى نحوه طارق بن عبد الله المحاربي كما جاء في المستدرك للحاكم 2/611-612 ، وابن حبان 14/6562
(4) سيرة ابن هشام 2/76 ، وهذا الحديث أخرجه البخاري برقم 18 ومسلم برقم 1709 .
 

زاد الـداعيـة
  • شحذ الهمم
  • زاد الخطيب
  • فن الحوار
  • فن الدعوة
  • أفكار إدارية
  • معوقات ومشكلات
  • رسائل ومقالات
  • من أثر الدعاة
  • الصفحة الرئيسية