اطبع هذه الصفحة


" أيام لا تنسى في سراييفو"

خالد بن ثامر السبيعي

 
لا أدري ما الذي دفعني لجلب الذكريات حتى تراءت أمام عيني تلك الأيام
" أيام لا تنسى في سراييفو"
كان ذلك في التسعينات وفي أوائل الحرب الظالمة الشرسة على البوسنة، حيث ذهبت مع هيئة خيرية وتنقلت في عدة مواقع في رحلة هي من أغرب الرحلات في حياتي، واستقر بنا المطاف في سراييفو المحاصرة.
كيف وصلنا.. تلك قصة أخرى تحتاج إلى مقال أطول. المهم أننا وصلنا إلى مدخل سراييفو، حيث كان الدخول عن طريق نفق تحت الأرض طوله 800 م، هذا النفق لا يستطيع أن يمشي فيه إلا شخصا واحدا.
وفجأة تخرج على مدينة دوبرينيا.. التي كانت تسمى مدينة الأشباح.
بيوت مهدمة... مباني دكتها القذائف... شوارع خالية من البشر... صورة من الدمار والإرهاب الذي ليس له نظير. وبعد فترة من الزمن دخلنا وسط المدينة.
سراييفو... مدينة رائعة كساها الله بالجمال، حيث الأشجار والأنهار والغابات الكثيفة.. تحيط بها الجبال الخضراء إحاطة السوار بالمعصم وتتنافس المآذن والطراز العمراني العثماني الجميل في سماء المدينة لكي تعطي رونقا إسلاميا أصيلا في قارة أوربية لا تعشق إلا تعليق الصلبان ما كان يفسد هذا الجمال وتلك الروعة إلا مدافع الهاون... وقناصة الصرب المجرمين الذين كانوا يشرفون على المدينة من على سفوح الجبال.
فيعيثون في الأرض فسادا وإجراما فواحر قلبي كم سالت دماء بريئة على مسطحات الأرض الخضراء وكم تقطعت أشلاء مسلمة في يوم غائم ممطر لا يوحي إلا بالأمن والأمان.
لن أطيل الحديث عليكم فمأساة البوسنة شاهد على العصر شاهد على من زرعوا الإرهاب في هذا العالم ثم طبقوا بكل حقارة المثل المشهور "رمتني بدائها وانسلت "

ولكني أقف معكم أمام ثلاثة مشاهد كان لها بالغ الأثر في نفسي:
أولها :
شاب أردني كان مشرفا على عدة حلقات للقران الكريم وكان ينتقل في أحياء سرايفو يتابع سير هذه الحلقات المباركة كل ذلك مع وجود قناصة الصرب المتربصين الذي حصل انه أصيب في كتفة أثناء نشاطة الدعوي حتى تسبب ذلك بعاهة في يده وقد شاهدتة بنفسي.
ما هو أعجب من ذلك أنه حينما تماثل للشفاء عاد يزاول رسالته العظيمة التي خالطت شغاف قلبه ولم يتردد حتى لو أدى ذلك إلى عاهات في سائر جسده.
فتأمل أيها الغيور على الدين حال هذا الشاب الذي يدعوا إلى الله في ساحات الخطر وومظان الهلاك وحال كثير منا كيف ركنوا إلى الدنيا ورضوا بالقليل من البذل في ساحات الأمن ومراتع الرخاء
فحي هلا إن كنت ذا همة :::: فقد حدا بك حادي الشوق فاطوي المراحلا

المشهد الثاني:
خرجت لأداء صلاة الجمعة... في وسط سراييفو، فرأيت فتيات متحجبات يخرجن من بيوتهن لأداء الصلاة... فتعجبت من حالهن وقوة إيمانهن، وهن يعلمن خطورة الأمر... وصعوبة الظروف، فعاد بي التفكير إلى فتياتنا في بلادنا الآمنة.. كيف حالهن مع الصلاة ؟ وإلى أي طريق تسير الفتاة التي نشأة في بيت مسلم ومحافظ، بل ومنذ نعومة أظفارهم ومأذنة المسجد تطل على بيتها... حي على الصلاة، حي على الفلاح. لن أكثر من الكلام حول هذا الأمر... وأدع للقارئ الكريم حرية التفكير والتخيل... حول التدرج الخطير في حال المرأة في بلاد المسلمين ومدى الاستجابة السريعة لمخططات الأعداء.

المشهد الثالث:
دعانا أحد الأخوة الفضلاء إلى العشاء في بيته، وكان البيت مظلما لانقطاع التيار عن سراييفو...
وأمام ضوء الشمع الخافت كان الحديث يدور عن أحوال المسلمين في البوسنة ومعاناتهم، وفجأة سمعنا دوي انفجار... فقال الأخ لا عليكم هذه من الأمور المعتادة في سراييفو...
يقول لنا قصة غريبة فقال: حدث في هذا البيت أمر عجيب، وكرامة من الله.
يقول : كانت أختي تدرس بعض الأطفال القران في هذا المجلس .. وأثناء ذلك سقطت قذيفة هاون في فناء البيت، ومن كرم الله علينا أنها لم تنفجر بل سقط الجدار على أختي... مما سبب لها إصابات طفيفة... فالحمد لله على كل حال.
فقلت في نفسي: سبحان الله... هل فهمنا معنى التوكل حقيقة أم أنها كلمات تخرج من أفواهنا... ولم نراها واقعا في حياتنا. فيا ليتنا نعيش مع كتاب الله وآياته العظيمة، اقرأ قول الحق عز وجل (( ومن يتوكل على الله فهو حسبه )) وتدبر وتأمل كنوز هذه الآية الكريمة لكي تصل إلى الحقيقة.

أيها الكرام...
إن أمتنا في خطر... وإن شبابنا في خطر... وإن فتياتنا في خطر.
أمور يضحك السفهاء منها :::: ويبكي من عواقبها اللبيب
فما أحوجنا إلى الغرباء... الذين يصلحون إذا فسد الناس.
شباب ركلوا الدنيا بأقدامهم وأقبلوا إلى الله مسرعين... أجساد تمشي على الأرض وقلوب ترفرف حول العرش، فطوبى للغرباء.
 

خالد السبيعي
  • مقالات دعوية
  • رسالة للدعاة
  • في كل بيت راق
  • الصفحة الرئيسية