اطبع هذه الصفحة


🌱  🌱 أيها الخطباء .. منابركم أمانة

عادل بن عبدالعزيز المحلاوي
@adelalmhlawi


 الحمد لله الذي هدى من الضلالة ، وعلَّم من الجهالة ، والصلاة والسلام على خير الدعاة وأبلغ الخطباء ، نبينا محمد المختار ، وعلى آل بيته الأطهار ، وصحابته الأخيار ، خير نصَحَةٍ للأمة ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد ،،
فإن في عالمنا الإسلامي مئاتِ الآلاف من منابر الجمعة ، يفد إليها كل أسبوع ملايين المسلمين ، ويجلسون أمامها مستمعين منصتين ، ينتظرون توجيهات الخطباء ويتطلعون لإرشاداتهم ، والجميع في عمل صالح وعبادة جليلة يؤجرون عليها .
ومع أن الخطبة فرصةٌ عظيمةٌ للتوجيه ودلالة النّاس إلى الخير ، إلا أن الناظر في واقع المسلمين اليوم يجد ضعف أثرها في النّاس ، فالتفريط في الأوامر ظاهر ، وارتكاب المحرمات بيّن ، والتغيّر من السوء إلى الحسن ضعيف .
نعم ... هناك استجابةٌ من جمع من المسلمين لا تجحد ، واستفادةٌ منهم لا تُنكر ، ولكن ، يبقى التأثير في الغالب ضعيفًا إلى حد كبير والانتفاع دون المأمول .
كثيرٌ من الخطباء يشكون تردي حال الأمة وضعف التدين في أفرادها ، ويبدو أن شكواهم ليست وليدة اليَوم ، فقد جاء في السِّيَرِ أنَّ جمعًا من الخطباء دخلوا على أحد الولاة يشكون إليه سوء حال النَّاس وضعف ديانتهم وارتكابهم للمحرمات ، فرد عليهم قائلاً :
عجبًا لكم يا معاشر الخطباء ، تملكون هذه المنابر كل جمعة ثم تشكون إلي ضعف دين النَّاس !

👈 يا خطباءنا - وأنا واحد منكم - ، ينبغي علينا ألاَّ نبرئ ساحتنا من التقصير وضعف التأثير ؛ فالخطبة لها أثرها البيّن في النَّاس ، ولذا شرعها الحكيم - سبحانه - كل جمعة ، وجعل إتيانها فرضًا ، والاستماع إليها واجبًا ، فأيقنوا أنَّه بقدر إتقانها سيكون أثرها في النَّاس ، أمَّا أن يضعف اهتمامنا بالتحضير ، ونقصر في الأداء ولا نُجوِّد الإلقاء ، ثم نضع اللوم على النّاس ، فهذا أمرٌ نحتاج فيه إلى مراجعة للنفوس .
نعم ... الهداية بيد الله ، ولكنَّ علينا أداء الواجب وبذل السبب وتجويد الوسيلة ، ولنترك النتائج والمسببات بعدُ لخالق النّاس .

👈
يا خطباءنا ، اعلموا أنَّ المسؤولية عظيمة ، وأنَّ الحِمل ثقيل والواجب كبير ، والتبِعة ليست بالهينة ؛ فالأُمَّة مستهدفة من أعداء لا حصر لهم ، والمنافقون يمكرون بها مكراً كُبَّارا ، ويعملون لصرفها عن دينها ليلاً ونَهَارًا ، ولا يألون جهدًا في التلبيس عليها وإخراجها من دينها ، والعمل على سلخها من هُويتها ومسخها ، ولكنْ ، يبقى الأمل معقودًا بكم - بعد الله - وبمنابركم ، لتردُّوا بتوجيهاتكم كل عادٍ ، وتبطلوا كيد كل ماكر .

👈
يا خطباءنا ، أيقنوا أن خطبكم وتوجيهاتكم لن تُؤتي أكُلها ما لم يكن هناك اهتمامٌ عظيمٌ بها وتعظيمٌ لها من قبِلكم أنتم أولاً .
وإلا فأيُّ أثرٍ لخطبةٍ لا يستعد لها الخطيب إلا قبيل صعوده المنبر بساعة أو دقائق معدودة ؟!
كيف سيكون إلقاؤه لها ؟! وهل سيتفاعل معها وهذا حاله مع الإعداد ؟!
إنَّ الخطبة لن تكون ذات أثر إلا إذا عاشها الخطيب بكيانه ، ومازجت روحه وملكت قلبه ، وكانت هي همه الدائم وشغله الشاغل طوال الأسبوع ، يختار موضوعها بحرص وعناية ، ويستجمع فكره عليها بإخلاص وتؤدة ، ويحدث نفسه بأفكارها كلما قام أو قعد ، ويبحث عن أدلتها وشواهدها في مظانها ، وينتقي الدلائل التي تدعم قوله ، ويلتمس البراهين التي تقوي طرحه .

👈
الخطيب الناصح لنفسه وأمته - معاشر الخطباء الأجلاء - يسعى دائمًا لتطوير نفسه ؛ ليكون ذلك أدعى لقبول خطابه وأقوى في التأثير ؛ فالنفوس مجبولة على احترام من يقنعها بالشواهد ، مائلة إلى من يجذبها بحسن البيان ، والخطيب الناجح يفرض نفسه على مستمعيه بقوة موضوعاته وصدق كلماته .

👈
الخطيب الناصح لنفسه ولأمته - معاشر الخطباء الأجلاء - لا يقتصر من الموضوعات على ما يوافق هوى نفسه فحسب ، ولكنه ينظر أي الموضوعات أولى بالطرح فيتناولها بحسب حاجة المسلمين وما يصلح شأنهم ؛ ولذا ينصح كثير من الخطباء الكبار بجدولة خطب العام حتى لا يُهمِل الخطيب موضوعًا أو ينساه ، مع تقديم الأولى في واجب الوقت والحدث لينفع المسلمين .

👈
الخطيب الناصح لنفسه ولأمته - معاشر الخطباء الأجلاء - يعلم أنه كلما كان قريبًا من الناس كان هذا أدعى لقبول نصحه وتقبل توجيهاته ، ولذا فهو يبذل نفسه لهم في كل حين ، ويكون قريبًا منهم في أفراحهم وأتراحهم ، وإليه يرجعون في ملماتهم ومشكلاتهم ، وله بذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ، فقد كان يزور أصحابه ، ويتفقد أحوالهم ، ويسأل عن غائبهم ، ويعود مريضهم ، ويعلم جاهلهم ، ويعين من نابه شيءٌ من نوائب الدهر .

👈
الخطيب الناصح لنفسه ولأمته - معاشر الخطباء الأجلاء - كثير الاتصال بالله ، عظيم الافتقار إليه ؛ لأنه يحمل همّ صلاح النَّاس ، وهو صاحب رسالة عظيمة ، ويسعى لهدف سامٍ ، مع يقين أنه لا نجاح له الا بتوفيق الله له ؛ ولذا تجده كثير الضراعة لربه ، شديد الرغبة لمولاه ، يسأله أن يجعل لكلامه الأثر البالغ في النفوس ، وأن يكون لخطبه عند المستمعين القبول .

👈
أيها الخطيب الموفق ، أنت في مهمة الأنبياء ، أشرف المهام وأعلاها قدرًا ، فتذكّر أنّ لك الأجر العظيم بتوجيهاتك ونصائحك ؛ وأيقن أنَّك مؤثر في المستمعين - لا محالة - فكم من أشخاص صرحوا بأنهم ما عملوا الطاعة الفلانية إلا بعدما سمعوها من خطيب ، بل بعضهم ظل متمسكًا بطاعةٍ من الطاعات عشرات السنين بعد تذكير الخطيب بها .
ولا يخفى عليك أنّ لك أجر كل طاعة كنت سببًا في هداية الناس إليها ، خصوصًا عظائم الطاعات كالصلاة والزكاة والبر والصلة ، وأجر كل توبة كنت سببًا فيها ، وأجر كل معصية كنت المانع منها ، فاحمد الله على هذا الفضل ، واسعَ في ترقية خطبتك ليزداد نفعك .

👈
ختامًا خطيبنا المبارك ، لئن كان الأعداء يملكون قنوات شتى ومغريات عدة ، فأيقن أنّك تملك أقوى منابر التوجيه التي متى ما أتقنتها وأحسنت فيها ، فستكون الغلبة لأهل الحق - وأنت منهم - لأنّ الحق يعلو ولا يُعلى عليه ، وتأييدك آتٍ من ربك الذي أحب من عباده الطاعة وجعلك سببًا في تحبيب الناس فيها ، وهو لا يرضى لعباده الكفر والمعاصي ، وأنت ساعٍ في تنفير الخلق منها فكيف لا يؤيدك ؟!
ويبقى منك - أيها الموفق - السعي الجاد لإيصال رسالتك غضةً طرية ، معتمدًا على مولاك ، متوكلاً عليه ، عظيمًا اتصالك به ، شديدًا التجاؤك إليه .
ولا يخفى على شريف علمك أنَّك مأجور بمجرد نصحك ، مثابٌ على خالص وعظك ، والهادي هو الله الكريم .

🌹 وفقك الله وأعانك وسددك .
 

كتبه أخوك المحب /
عادل بن عبدالعزيز المحلاوي
خطيب جامع الصائغ بأملج
تويتر @adelalmhlawi

 

منبر الجمعة
  • إعداد الخطبة
  • فقه الخطيب والخطبة
  • فن الإلقاء
  • نصائح وتوجيهات
  • مكتبة الخطب
  • الخطباء 1
  • الخطباء 2
  • المواسم المناسبات
  • أحكام يوم الجمعة
  • الصفحة الرئيسية