اطبع هذه الصفحة


سجناء لوجه الله تعالى

د. طارق الطواري


صحيح أن في السجن لوعة وحرمانا ويبقى السجن قيداً وإغلالاً وقد عبرعن ذلك يوسف عليه السلام إذ قال " وقد أحسن به إذ أخرجني من السجن " ، ولا شك أنه لا يعيش همً المسجون إلا من يحبه وخاصة أمه وزوجته وربما أخص أصحابه ، كما أن السجين يشعر بالظلم والقهر والإضطهاد من قبل من هو كفؤ ومن ليس بشيء . والسجين قيد أوامر سجانه في لباسه ومنامه وأكله وحركته ، والسجين يعاني من الفراغ القاتل والوساوس والضيقة والهموم التي تهجم عند الغروب وتعشش في الزنزانة فلا تفارقه إلا صباحاً ، ويطرب السجين لسماع المبشرات والرؤيا التي يراها أو ترى له ويجتهد في الدعاء على من ظلمه ويقضي السجين يومه في قتل وقته والخلاص من الفراغ القاتل إما بالقراءة أو التفكير أو التسلية ، ويشعر السجين بالحرمان من أهله وأمواله وخصوصيته كما أنه يشعر أن روح الانتقام تتنامى عنده خاصة إن كان يشعر بالظلم والاضطهاد ، كما أن السجين يعاني من تغير نظرة مجتمعه وأهله وزملائه إليه فقد تطلب المرأة الطلاق للضرر وقد ينحرف الأولاد وقد تهدم سمعته وسيرته الحسنة بمجرد دخوله للسجن ، فيخرج وهو يشعر بأنه قد خسر كل شيء ولا طعم ولا معنى للحياة إلا بتصفية الحساب أو العيش على حطام الذكريات ، لكن ثمة وجه أخر للسجن إنه سجن الدعاة المجاهدين في سبيل الله ومن سجن لأجل فكر يحمله أو تعاطف مع قضية ما أو قرابه لأحد الدعاة ومثل هؤلاء قد غصت بهم السجون شرقاً وغرباً حتى أنشأت الشباك والبركسات والسجون المؤقتة من كثرتهم ، فغالبهم لا يعلم عن تهمته سوى التعاطف أو الإقتناع في فكرة كانت مباحة في يوم من الأيام ثم أصبحت اليوم محرمة ، إن هؤلاء المسجونين لوجه الله لا يعرفون في سجونهم إلا الصبر والسلوان والتعاطف والتكاتف والتراحم والدعاء على الظالم والاقتراب من الله أكثر وأكثر ، فلطالما تكلم الناس عن الصبر وعرفنا معاني الإخاء والمودة وفضل الإحسان إلى الآخر لكن السجون هي الميدان وساحة التطبيق وأنت لا تتصور السعادة الغامرة التي تعم نفوس الدعاة إلى الله المسجونين حينما يلتقون في وقت الصلاة أو عند دورات المياه ، كما أن مشاغل الدنيا التي فرقتهم تلاشت فأصبحت اللحمة الواحدة والهدف الواحد والعزيمة الواحدة ، إنها مدرسة أول سنة سجن وهي مدرسة يوسف عليه السلام و تربية الدعاة ، قال الله تعالى ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) إنها المدرسة التي تبني العقيدة الصحيحة عمليا لا نظريا تبني في نفوسهم الرضا بالقضاء والقدر واليقين بالله والصبر على مقادير الله والالتجاء إليه والتضرع له بأسمائه وصفاته ، وتصفي النفس من أدران الدنيا وتزهد فيها وترخص في سبيل الله كل غالي ، فيخرج الداعي من السجن وهو أقوى شوكة وأكثر عزيمة وأكبر همة وأقرب إلى الله بل في القمة ، وثمة سجن ثالث لكن المؤمنين إنه الدنيا ، كما قال صلى الله عليه وسلم ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) رواه مسلم .
فكلما أن السجين لا يشتغل في الطعام والشراب ولا يجعله قصده وهدفه بل ذلك على سجانه فكذلك المؤمن الصادق في الدنيا رزقه على الله وهو مشغول في عبادته و كما أن السجين يمشي على طريق وترتيب السجان فكذلك المؤمن في الدنيا يمشي على طريق وترتيب الله عز وجل ، والسجين يتطلع دوماً لمغادرة السجن ليلقى من يحب وكذلك المؤمن يتطلع لمغادرة الدنيا للقاء الله والنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين كما قال بلال ( واطرباه غداً نلقى الأحبة محمد وصحبه ) والمساجين يتواصون بالصبر والتحمل وكذلك أهل الإيمان يتواصون بالصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى مقادير الله المؤلمة ، وكما أن السجين لا يشعر بالتملك في السجن وإنما هي له ولغيره من بعده وكذلك المؤمن يشعر أن الدنيا له ولغيره من بعده ، وكما أن المساجين يخدم بعضهم بعضا فكذلك أهل الإيمان يخدم بعضهم بعضا في الدنيا ، وكما أن المساجين يبكون إذا فارقوا أحداً من أصحابهم فكذلك أهل الإيمان يبكون أن فارقوا أحد أحبابهم من الدنيا راحلاً إلى الآخرة ، وكما أن المساجين يوصون الخارج من السجن بالسلام على أهلهم فكذلك أهل الإيمان يوصون من حضرت روحه السلام على أرواح المؤمنين ، والسجين الذين سيعدم بعد السجن يخير فيما يريد ويطلب ما يشاء لأنه ميت أم السجين الباقي الذي وراءه إفراج لو طلب لضرب ولا يخير وكذلك الكافر فإن وراءه إعدام وعذاب فهو يتمتع في الدنيا وأما المؤمن فليست له هذه المتعة الكبيرة مقارنة ما أعد الله له من متعة أخرويه ، والسجين غير مرفه في عيشه وكذلك المؤمن في الدنيا ، ويفرح السجين إن رضي عنه سجانه بل يشتري وده ويطلب رضاءه وكذلك المؤمن يفرح إن رضي الله عنه ويطلب ذلك ويشتريه ، والسجين يتوقع في كل لحظه إن يخرج إلى الحرية أو ينقل وكذلك المؤمن يتوقع الموت ولقاء الله في كل لحظه فهو مستعد لذلك والسجين يشعر بالغربة في سجنه وكذلك المؤمن يشعر بالغربة في دينه مع انتشار الفساد ، وكثير من المساجين يحاولون الهروب والانتحار لكن يثبتهم أهل العقل وكذلك الناس في الدنيا يحاولون الهروب والانتحار ويثبتهم أهل الإيمان والسجان لا يحب السجن ولله المثل الأعلى والله لا يحب الدنيا فهي ملعونة إلا ذكر الله أو عالم أو متعلم ، فالكل في هذه الدنيا مسجون فمنا من هو مسجون في سجن ذنوبه ومنا من هو مسجون في سجن بلائه ومنا من هو مسجون في صدره ومنا من هم مسجون وراء القضبان لكنه طليق في الجنان ، ولكن رابطة الإيمان تجمعنا فمن في غونتناموا أحرار وطلقاء بإيمانهم وبصبرهم ومن في سجون الظلمة شرقا وغربا أحرار كما قال عنهم شيخ الاسلام ابن تيمية ( ما يفعل أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري أينما رحت فهي معي لا تفارقني أنا سجني خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي شهادة ) ، ومن يمشي في الشوارع مسجون لحبس نفسه على الطاعة لكنه سعيد طليق بالعمل الصالح إلى أن نلقى الأحبة محمد وصحبه وليدع كل منا للآخر لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ...

 

مقالات الفوائد