اطبع هذه الصفحة


عَوْدَةُ ثِقَةِ المُسْلِمِينَ في العُلَمَاءِ والصَّالِحِيْنَ

بِقَلَمِ/ عِمَاد حَسَن أَبُو العَيْنَيْن


إن الله تبارك وتعالى مدح العلم فى آيات كثيرة من كتابه الكريم وبيَّن أن العلماء لهم فضلٌ على غيرهم، وأنهم مصابيح هذه الأمة قال تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر28] وقال أيضًا: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ} [آل عمران18] وقال صلى الله عليه وسلم : "مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"(1) وقال أيضًا: "إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ"(2).
ولما كان العلم والعلماء بهذه المنزلة العالية الرفيعة من ديننا, دأب اليهود والنصارى على وضع الخطط التى من شأنها صرف المسلمين عن دينهم وعلمائهم.

وفى البلاد التى استعمروها وضعوا الأبحاث والتقارير التى تحلل المسلمين وتعاملاتهم مع غيرهم فوجدوا أن المسلمين يتميزون بصفات منها:

1- أنهم متمسكون بالقرآن الكريم؛ لأنه كلام الله وشريعته إليهم، يتأثرون به ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار.
2- متمسكون ببعضهم البعض لا فرق بين أبيض وأسود ولا فرق بين غنى وفقير وأن الكريم فى ملتهم هو المتقي: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات13].
3- متمسكون بالعلماء الذين يقرءون القرآن ويفهمونه ويتدبرونه ويعلمونه للأمة؛ لتسير بخطى ثابتة نحو التقدم والرقي: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة11].

وقد وضعوا الخطط للقضاء على هذه الثلاث:

أما الأولى فلم يستطيعوا إليها سبيلاً، وقد حاولوا مرات كثيرة محو القرآن من الصدور وحرقه وتحريفه وتشويه معالمه، يقول جلادستون(3): (إنه ما دام هذا الكتاب –يعني القرآن- باقيًا في أيدي المسلمين فلن يستقر لنا قرار في تلك البلاد) والحمد لله باءت محاولتهم بالفشل؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظ كتابه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر9].
أما الثانية فقاموا بعمل حواجز وحدود وهمية تفصل المسلمين بعضهم عن بعض وتجعلهم يقتتلون فيما بينهم(4)، كما قاموا ببث بعض الأفكار التى من شأنها أن تفرق المسلمين، وتحولت هذه الأفكار إلى مناهج تُدرس مثل الوطنية والقومية, والله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات10], وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يحكم من المدينة أكثر من ثنتين وعشرين دولة, ويقول الشاعر:

بالشام أهلى وبغداد الهوى وأنا *** بالرقمتين وبالفسطاط إخوانى(5)
وأينما ذُكر اسم الله في بلدٍ ***  عددت ذاك الحمى من صُلب أوطانى
 

وأما الثالثة فقد قاموا بحملة مسعورة مستترة استعملت فيها كل أفانين الدعاية والإشاعة وأساليب علم النفس والاجتماع؛ لتشويه سمعة العلماء حتى تكرههم الأمة وترفض الائتمار بأمرهم أو التأثر بعلمهم وتكاتفت جهود الصليبية واليهودية ومن تبعهما للإجهاز على سمعة علماء الشريعة فى قلوب أبناء الإمة، ولم يأبه العلماء لهذه الحملة فى بادئ الأمر  ولا عامتها ولكنها على مر السنين آتت أكلها الهدامة، وأفاقت الأمة الإسلامية على جيل جديد له نظرة جديدة، جيل آمن بأن العلماء غير صالحين لقيادة ركب الحياة.

قوم رجعيون, جامدون, متخلفون, متعفنون, رجال دين يشبهون كهنوت النصارى, أصبح هذا الجيل يرفض تمامًا فكرة العلماء والانصياع لهم كما أراد أعداء الإسلام له, وتكاتف مع أعدائنا للوصول إلى هذه الغاية وسائل إعلامنا التي أظهرت العلماء والصالحين في أشكال منفرة، وهذه بعض مظاهرها:

شَخْصِيَّةُ الشَّيْخِ
أظهرت وسائل إعلامنا الشيخ الأزهري يمثل الرجعية والتخلف وعمامته التى ألبسوها إلى الحمار في بعض الأعمال (الدرامية) تمثل الغباء والبله, وزيه الفضفاض يمثل المهرج أو الراقص، كما جُعل رمزًا للسخرية فى تنّدُر (أي- قفشات) المثقفين والإعلاميين.
فجعل العامة يقولون: إن المشايخ يأكلون كثيرًا وليس عندهم أدنى حرج من إراقة ماء الوجه من أجل وليمة أو عشاء، وتجدهم إن قاموا إلى المقابر قالوا: هاتوا المشايخ, وإن جلبوا أحد المشعوذين لفك السحر قالوا جئنا بالمشايخ.
ويذكرون أيضًا أن المشايخ تستطيع أن تتلون كالحرباء على أي لون تريدها ولكن ذلك منوط بالمصلحة ولا سيما إن كانت نقدًا، فأنت تستطيع أن تأخذ فتوى تبيح الحرام بفرختين أو بعشرة جنيهات ويقولون: إن رجلاً ذهب إلى مأتم ولما ضجر من قراءة الشيخ وملَّ من الجلوس أخرج عشرة جنيهات من جيبه ملوحًا بها للشيخ وقال له هامسًا فى أذنه هذه عشرة جنيهات لك وأسمعنا (صدق الله العظيم)!.
وقالوا أيضًا: سأل رجل شيخًا فقال: إن كلبًا بال على حائط فما الحكم؟ فقال الشيخ: يُهدم ويُبنى سبع مرات، قال الرجل هذا الحائط هو حائط دارك أيها الشيخ. قال الشيخ: إذًا قليلٌ من الماء يطهره.

شَخْصِيَّةُ المَأْذُونِ

وصورة أخرى لا يكاد يخلو منها فيلم أو مسرحية، صورة رجل شرعى الهندام له عمامة كبيرة تثير الضحك ولحية صغيرة تشمئز من منظرها القلوب وجبة فضفاضة كالمهرج على جسم نحيف كالبرص، هذا المأذون يحمل فى إحدى يديه كتابًا كبيرًا دليل على العلم وفى الأخرى مسبحة دليل على الذكر.
هذا الرجل فى كلامه تشدق بالغ باللغة العربية وهو لا يعرفها حيث ينصب الفاعل ويرفع المفعول رافسًا للغة العربية ناطحًا إياها وبعد عقد الزواج يقول مهمهمًا: (الفاتحة بسمحماحيم حممممم ولا الضالين آمين) ولا يتورع هذا الرجل أن يرمق العروس بعينيه من تحت النظارة الكبيرة، كل هذا لم يأت عبثًا إنما جاء بخطة محبوكة؛ لتشويه صورة العلم والعلماء.

التِّلِفْزِيُّونَ فِي رَمَضَانَ

ولم يتورع التليفزيون فى شهر رمضان خاصة أن يقدم أمراءَ وملوكَ المسلمين أمثال عمرو بن العاص وهارون الرشيد وصلاح الدين فى صورة محبين للغناء ومحبين للراقصات والعاهرات ويقدمهم فى صورة رجال حالقي لحاهم، وقد يكون هؤلاء الرجال على قناة أخرى في دور الرجل الشرير، فكيف يميز المشاهد بين هذه الأدوار؟! إنه بالطبع سيلبس هذه الشخصية على تلك وتضيع رموز الأمة، حتى إذا تكلم عالم عن الجهاد وأن هؤلاء الحكام والملوك والأمراء نصروا وجاهدوا وحاربوا كان كلامه في غير محله، ولا يجد صدى فى قلوب سامعيه!.

الصّحَافَةُ

قامت راقصة مصر الأُولَى روز اليوسف في الستينات من القرن المنصرم بإصدار مجلتين سياسيتين أسبوعيتين تدعوان إلى الإلحاد والكفر والزندقة والإباحية.
يجد القائمون على المجلة -والتي أسمتها الراقصة باسمها- فرصة سانحة عند إقالة العالم الجليل حسنين محمد مخلوف من منصبه فى مركز الإفتاء فيدأبون سنتين كاملتين على نشر ما يسمى (كاريكاتير) أسبوعيًا تملأ نصف صحيفة عنوانها الدائم (الشيخ متلوف)، تكيل الشتائم والسباب واللعان للشيخ!.
وفى يوم من الأيام طالب الشيخ محمد الغزالى أن تُستمد القوانين من الشريعة الإسلامية فقامت الصحف ولم تقعد وخاصة صحيفة الراقصة ومثلت الشيخ راكبًا على حمار وقد وقعت جبته بفعل الجاذبية الأرضية وهو يصيح: (نرفض القوانين الأوروبية) وهذه مغالطة؛ لأن الشيخ لم يكن يرفض قوانين العلم المادى والقوانين الكونية الإلهية فى الرياضيات والطبيعة والكيمياء، إنما يقول: إن التعويل على الشريعة فى الحكم بين العباد.
كان من آثار ذلك الغبش أن جعل قطاعًا كبيرًا من الناس بعيدًا كل البعد عن المساجد، وإن دخلها وأنصت إلى الخطب والمواعظ سرعان ما ينسى ما سمع وإن سمع فلا يقنع من هؤلاء المشوهة صورهم عنده، فيجد بينه وبين العلماء حائلاً بسبب هذا الإعلام الرهيب ويجد نفسه دائمًا على خوف ووجل منهم.
ولكن نقول -وَكُلُّنَا ثِقَةٌ فى الله- إن الصحوة الإسلامية هذا اليوم ما هى إلا إذن من الله تبارك وتعالى أن تنهض هذه الأمة وأن يتغير الحال ويتبدل المقال، فبعد هذا التشويه المنظم والخطط الشنيعة تجد جحافل الشباب المؤمن التقى الطاهر الساجد لله والتي ما كُنت تراها فى أى عصر مضى لولا فضل الله، وتجد هذا الإقبال من العامة على قنوات تلفزيونية بعينها تُعنى بنشر الإسلام الصحيح وتُعرض عن القنوات الأخرى، ما كنت تتوقع حجمها لولا فضل الله ورحمته.

ولعلي في هذا المقام أن أُشبه الصحوة الإسلامية بالكرة المطاطية التي كلما اغتاظ أعداء الإسلام منها ضربوها بقوة في الأرض فارتفعت إلى علو، ويكون مقدار علوها على قدر شدة ضربهم إياها.
فأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يبارك في الصحوة وفي علمائها إنه نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


------------------------------------------------------
(1) (صحيح): البخارى 71، مسلم 1037، ابن ماجة 221.
(2) (صحيح): أبو داود 3641، الترمذي 2682، ابن ماجة 223، صحيح الجامع 6297.
(3) رئيس وزراء بريطانيا عام 1882.
(4) اتفاقية (سيكس بيكو) التي بمقتضها تم تقسيم البلاد العربية من قِبل العدو الفرنسي والإنجليزى.
(5) هذا البيت لأبى تمام حبيب بن أوس الطائى 188-231ه والثانى بتصرف، الرقمتان: روضتان بناحية الصمان، الفسطاط: مجتمع أهل الكوفة.

 

مقالات الفوائد