اطبع هذه الصفحة


تلميع وترقيع!!

لبنى شرف / الأردن


نعيش اليوم حياة تتسم بالسرعة، فنحن ـ كما يقولون ـ نعيش في عصر السرعة، ونسمع بين الفينة والأخرى عن اختراعات في مجالات عدة، ميزتها الأساسية اختصار الوقت، وهذا شيء جيد ومطلوب ولكن بشرط عدم الضرر، كأن تكون لهذا الاختراع آثارٌ سلبية على الصحة مثلاً.
ولكن هناك مجالات لا تصلح معها السرعة، بل ومن الخطأ الفادح أن نتعامل معها بسرعة، وأهمها مجال التربية، فالتغيير الإنساني يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، والأبحاث والدراسات في هذا المجال تستغرق من أصحابها سنوات عديدة.
يقول الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق: (نقول لهؤلاء المستعجلين، هل تظنون أن التربية كالصناعة المادية، حيث تضع الخامة من المعدن أو القطن أو الصوف في جانب، لنتلقاها في جانب آخر سيارة وثلاجة وقماشاً؟؟ هذا خطأ كبير، لأن التربية الإنسانية الفعلية بطيئة بطء النمو الجسماني، فتربية الأفكار والعقائد وآداب السلوك يحتاج من الزمن ما يحتاجه النمو الجسماني وأكثر).
لقد مكث النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعد بعثته ثلاثة عشر عاماً في مكة يربي أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ ويرسخ فيهم العقيدة الصحيحة، والتي هي أساس البنيان، فطهرت القلوب والعقول، وسمت الأرواح، فجاء مجتمع المدينة مجتمعاً فريداً من نوعه، لأن الذي بناه جيل فريد، تربى على يد خير خلق الله أجمعين، وهو خير مرب، وخير قدوة ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وبهذه العقيدة الصحيحة، وبهذا الإيمان اليقظ، استقام المسلمون على أمر الله .
ونحن اليوم نفتقر إلى هذه التربية الإيمانية، وحياتنا أصبحت عبارة عن ترقيعات لا أكثر، نركز على جانب وننسى جوانب، نهتم بالفروع ونهمل الأساس، مع أن الإسلام نظام يشمل جميع جوانب الحياة، من القاعدة وحتى القمة، فالأمر ليس تعديل هنا وترقيع هناك، بل لابد من الاهتمام أولاً بالتأسيس الصحيح حتى يكون البنيان متيناً، فلو كانت الجذور سليمة خرج النبات طيباً، ولكن لو كانت الجذور متعفنة، خرج النبات نكِداً، وليس من الحكمة تلميع ورقة نبات مريض، ولكن الحكمة هي علاج أساس المرض، واقتلاعه من جذوره. قال إياس بن معاوية: (إن الشيء إذا بُنِيَ على عوج لم يكد يعتدل).
ثم إننا لن نلفت الأنظار إلى روعة ديننا إذا بقي الأمر مجرد ترقيعات. يقول سيد قطب: (إن النفس البشرية فيها الاستعداد للانتقال الكامل من حياة إلى حياة، وذلك قد يكون أيسر عليها من التعديلات الجزئية في أحيان كثيرة، والانتقال الكامل من نظام حياة إلى نظام آخر أعلى منه وأكمل وأنظف انتقال له ما يبرره في منطق النفس، ولكن ما الذي يبرر الانتقال من نظام الجاهلية إلى نظام الإسلام إذا كان النظام الإسلامي لا يزيد إلا تغييراً طفيفاً هنا، وتعديلاً طفيفاً هناك؟).
إن التربية المنشودة ليست دروساً تُلقى وحسب، وليست دورة هنا ودورة هناك أو ندوة على إحدى الفضائيات، أو برنامجاً إذاعياً، فهذه كلها ليست سوى وسائل للثقافة العامة، كالسنوات التي يقضيها الطلاب في المدارس، فهم يقضون أربعة عشر عاماً تقريباً من عمرهم الذهبي في تحصيل رؤوس أقلام، وليتهم يحصلون على علم ديني أو معرفي يتناسب مع هذه السنوات الطويلة التي يقضونها في مدارسهم!!
أعود فأقول أن التربية المنشودة هي ـ كما يقول الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله ـ: (جوٌّ يُصنع، وإيحاء يغزو الأرواح باليقين الحي، والعزيمة الصادقة)، وهذا لن يتأتى إلا بقدوات حية، فالتربية بالقدوة من أقوى أساليب التربية.
وربما لو تكاتفت واتحدت جهود المعلمين والمربين، والأئمة والخطباء، في المدارس والجامعات، والمساجد، ومراكز تحفيظ القرآن، وغيرهم ممن يطمحون إلى تحقيق التربية الإيمانية الصحيحة، فوضعوا المناهج، ورسموا الخطط، وعادت حِلق العلم في المساجد، فربما بهذا نصل أو نقترب من الغاية المنشودة، فتجميع الطاقات خيرٌ من تبعثرها، واتحاد الكلمة خير من تشتتها.


فرب صغير قوم علموه *** سما وحمى المسومة العرابا
وكان لقومه نفعاً وفخراً *** ولو تركوه كان أذى وعابا
فعلِّم ما استطعت لعل جيلاً *** سيأتي يحدث العجب العجابا

 

مقالات الفوائد