اطبع هذه الصفحة


الهجمة الإعلامية على العلماء (الأبعاد والدوافع وسبل المواجهة)

د.ناصر بن يحيى الحنيني


الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد:
 
فمما لا شك فيه أن للعلماء في الإسلام منزلة عظيمة، ومكانة رفيعة، منزلة واهبها هو الله سبحانه، فقد جاء في التنزيل: (يرفع الله الذي آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وقال جل شأنه: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وكل هذه المنزلة لمن عمل بعلمه من العلماء كما نص على ذلك السلف في تفسيرهم لهذه الآيات، وإلا حقيقة الذي لا يعمل بعلمه فهو غير داخل في زمرة العلماء ولا ينتظم في سلكهم.
 
ومما أنعم الله على بلاد الحرمين المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وتأسيسها على يد الإمام محمد بن عبدالوهاب مع الإمام محمد بن سعود أنها قامت على التحالف بين العلم والسيف، فكان العلماء منذ تأسيس الدولة قائم على تحكيم الشريعة والرجوع إلى العلماء، وهو سر من أسرار تميز هذا البلد في العالم كله وأصبحت هي مرجع الأمة في كل قضاياها الشرعية ثقة واطمئنانا لفتاوى علماء هذا البلد، وأثر العلماء في البلاد كبير وظاهر فما قوة المناهج الشرعية، وكثرة طلاب العلم، والمحافظة الدينية الظاهرة التي هي سمة المجتمع وسمته في المظهر والمخبر هي من الدلائل الظاهرة على قوة تأثير العلماء على المجتمع، وقد تنبه الأعداء في الآونة الأخيرة لما اشتد الهجوم على بلاد المسلمين ثقافيا وفكريا إلى عظيم أثر العلماء في حفظ دين الأمة، وخاصة إذا كانوا مرجعا للناس عند نزول النوازل وعند تغير الأحوال وكثرة المستجدات والتي لا تخلوا من محاذير شرعية يسأل الناس عنها، فكان أثر التغريب في البلد محدوداً وضعيفاً، وقد راهن الأعداء على الانفتاح الإعلامي وثورة الاتصالات على تجاوز الناس للعلماء وأن التغريب سوف يعم المجتمع كله، وإذا بالقنوات الفضائية حتى القنوات التغريبية لا تجد مناصا من استضافة العلماء وإبرازهم رغم كرهها لأن هذه هي رغبة المجتمعات المسلمة، وازداد أثر وتأثر الناس بالعلماء ولله الحمد، فلما عيل صبر الأعداء واستعجلوا التغريب فكان كما قيل (يلعبون على المكشوف) وفي وضح النهار دون حياء ولا خجل ولهذا، نظمت حملات ضد العلماء بطرق مختلفة، والهدف واحد هو إضعاف تأثير العلماء وإبعادهم عن مسار الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وقد تنوعت أساليبهم بطرق شتى يمكن أن نوجز أهداف وأبعاد هذه الحملة الظالمة في التالي:
 
أبعاد الهجمة وأهدافها:


أولاً: إسقاط المرجعية الشرعية: وظهر ذلك جلياً في حوارات إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية بدعوى عدم الهيمنة الشخصية، ومرة برفض الكهنوت في الإسلام، وكل هذا محاولة لأن يتجاوز الناس الرجوع للشريعة بعد إسقاط المرجعية العلمية وتخفيفها في نفوس الناس.
 
ثانياً:
هدم كل الحواجز التي تخفف أو تمنع المشاريع التغريبية التي يدعمها الغرب وينفذها عملاؤهم من العلمانيين أو الليبراليين أو المنخدعين من أصحاب المصالح الخاصة.
 
ثالثاً:
تكوين صورة ذهنية سيئة عن العلماء لدى عامة الناس حتى لا يرجع إليهم، ويخف تأثيرهم مما يجعل العوام لقمة سائغة للتغريب والإفساد الذي يرفع لواءه للأسف الإعلام العربي.
 
رابعاً:
تشويه صورة العلماء وافتعال بعض القضايا التي لا أساس لها من الصحة لدى المسؤولين حتى يضعف تأثيرهم على صاحب القرار ويساء الظن بهم.
 
خامساً:
تكوين رأي لكثير من مشاريع الإفساد والتغريب في البلد بعد إضعاف صوت العلماء وتخفيف أثرهم مما يجعل تمريرها وقبولها سائغاً لدى المجتمع.
 
سادساً:
تطبيق كثير من التوصيات التي أوصت بها المراكز البحثية الغربية والمؤتمرات العالمية التي تعمل ليلاً ونهاراً لمسخ الهوية الإسلامية وإضعاف الأمة.
 
وبعد هذا يمكن أن نستعرض بعضاً من وسائل وطرق الهجمة الإعلامية ضد العلماء والتي يمكن أن نوجزها فيما يلي:
 
وسائل الهجمة الإعلامية وبعض صورها:


أولاً:
ضرب آراء العلماء بعضهم ببعض، فمرة تنشر فتوى لعالم يبيح التأمين التجاري، ثم تنشر فتوى من يرد عليه ويبين خطأهم وهكذا، وهنا يستفيد من تعمد هذا أمرين: الأول: إظهار أن العلماء على غير كلمة سواء وأنهم شذر مذر، وثانياً: تمرير الآراء الشاذة وسقطات بعض العلماء على أنها رأي مستساغ وخلاف معتبر.
 
ثانياً:
استغلال زلات بعض من ينتسب للعلم وإظهار زلاته التي يستفيدون منها في بعض مخططاتهم التغريبية، أو على الأقل إظهار من يخالفه بأنه متشدد وغير منفتح وغير مراعي لتغير العصر، وخذ على سبيل المثال فتوى من أجاز الاختلاط، أو التأمين التجاري، أو جواز إتيان السحرة والكهنة والدجالين.
 
ثالثاً:
اتهامهم بالتشديد وعدم التيسير على الناس من خلال أقلام مجهولة في الصحف أو شبكة الانترنت أو حتى من خلال مداخلات لأناس يتفق معهم سلفاً أو تفتعل حالات حرجة وأن العلماء لم يقدروها قدرها زوراً وبهتاناً وتلبيساً على السذج والعوام.
 
رابعاً:
أن العلماء لم يستطيعوا مواكبة التقدم التقني والانفتاح الحضاري مع الشعوب الأخرى وأن فتاواهم لا تصلح لهذه المرحلة، وهذه دعوى تحتاج إلى دليل وبرهان وغاية ما فيها أمثلة نادرة أو قديمة لا وجود لها الآن.
 
خامساً:
اتهامهم بأنهم يعادون كل شي غير مألوف لديهم وما ليس من عادات البلد، ولا شك أن العالم قد يتريث في الشيء الجديد حتى يستبين له أمره، وليس في هذا عيب، بل العالم موقع عن رب العالمين ويحتاج إلى التأني حتى لا يقع منه الخطأ والزلل فيضل بسببه فئام من الناس.
 
سادساً:
مما يُتهم به بعض العلماء أنهم علماء السلطة وأنهم لا يراعون حقوق الناس وهمومهم وإنما رغبة السلطة وما يملى عليهم من صاحب القرار، وهذا الكلام فيه تهويل ومبالغة وذلك لعدة أمور:
 
1- أن الهجوم الأكبر طال العلماء الذي لا علاقة لهم بالسلطة.
2- أن العالم لا يعاب أنه يعمل في السلطة ولكن ما نوعية فتاواه ومواقفه.
3- أن الغالب في هذه التهمة تستخدم لتنفير الناس وليس لإصلاح الوضع وإلا فما الفائدة من نشر هذا الكلام وترديده عند عامة الناس.

أخيراً:


ما هي أخطار هذه الهجمة وآثارها على المجتمع؟

أولاً:
اتخاذ رؤساء جهال يفتون بغير علم فيضلون ويضلون، وهذا هو الواقع وللأسف في بعض القنوات الفضائية كنشر فتاوى إباحة الاختلاط وإتيان السحرة والكهنة، وبعض البرامج التي تشكك في ثوابت الأمة وأصولها بدعوى الوسطية والاعتدال.
 
ثانياً:
استمراء المنكرات وعدم التحرج من الإعلان بها، وخاصة المجمع عليها وليس المختلف فيها اختلافاً سائغاً، فالناس إذا لم تلتفت إلى العالم وتحذيره وإنكاره فسوف يستمرئ الناس المنكر ويصبح عندهم مألوفاً، أما إذا حفظت مكانة العالم ونشرت فتاواه ومقالاته وبياناته وكلماته في وسائل الإعلام ووصل صوت الحق تحرج الناس من المنكر وإن وقعوا فيه وقعوا وهم في خجل وحياء.
 
ثالثاً:
تغريب المجتمع وصبغه بالصبغة غير الإسلامية في مظهره الخارجي ومعاملاته وسلوكيه الداخلي، وهذا الآن يسعى فيه على قدم وساق حفظ الله الأمة والبلاد والعباد من شر أعداء الدين.
 
رابعاً:
علمنة المجتمعات الإسلامية وإبعاد الدين وتأثيره عن واقع حياة الناس بعد إبعاد وإضعاف صوت وتأثير العلماء وحملة الشريعة عن واقع الحياة.
 
خامساً:
افتتان الناس بالطروحات التغريبية بعد إسقاط وتشويه الحلول الشرعية التي يرفع لواءها العلماء وحملة الشريعة، وخاصة مع طغيان المادة وضعف الديانة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 
سادساً:
نمو ظاهرة التكفير والغلو بين شباب الأمة بعد إسقاط المرجعية العلمية المعتبرة، ولهذا يتحمل الوزر الأكبر لظاهرة الغلو أولئك السفهاء أصحاب الأقلام المأجورة الذين مافتئوا يطعنون في علماء الأمة ودعاتها صباح مساء ومطالبة إقصائهم عن واقع تأثير الحياة.
 
سابعاً:
اختلال الأمن بكل أنواعه من خلال:

1- الاجتهادات الفردية البعيدة عن النظر الشرعي وتقدير المصالح، وذلك بعد خلو الساحة للجهلة وأنصاف المتعلمين وإسقاط المرجعيات العلمية المعتبرة.
2- كثرة الفساد وضعف الإيمان بعد إضعاف صوت العلماء  فتكثر الفئات المنحرفة مما يجرئ السفهاء على الاعتداء على الأعراض  والأموال.
 
بعد هذا نتحدث عن الحل وهو سبل المواجهة لمثل هذه الحملة وكيفية إعادة مكانة العلماء الشرعية في المجتمع ويمكن أن نوجزها فيما يلي:
 
سبل المواجهة لهذه الحملة الظالمة:


أولاً:
الإبراز الإعلامي لعلماء الأمة من خلال:

أ- التعريف بهم وبجهودهم وتاريخهم، وهنا نشكر بعض القنوات الإسلامية التي ساهمت في التعريف ببعض علماء الأمة ورموزها من خلال برامج متنوعة كما هو الحال في قناة المجد الفضائية مثل برنامج (حياة إنسان –صفحات من حياتي –المجد العلمية وبرامجها المتنوعة).

ب- الدفاع عنهم بشكل جماعي ومعلن حتى يهاب جانبهم وبيان الحكم الشرعي في الوقوع في أعراضهم.

ج-
تمكينهم من وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية للتعليم والإفتاء بشكل أكبر، وعدم الاكتفاء بالمبادرات الشخصية من بعض النشيطين من العلماء بل السعي في إبرازهم والتأكيد على من كان متورعاً منهم على أن يبرز ولو بصوته وقلمه من خلال الإذاعة والانترنت.
 
ثانياً:
تكوين صورة ذهنية جيدة للمجتمع عنهم من خلال:

أ- إبراز فتاواهم التي تعالج المشاكل المعاصرة، وحبذا لو تبادر بعض القنوات في عقد برنامج خاص لعرض فتاوى العلماء في النوازل المعاصرة كفتاوى المجمعات الفقهية في النوازل المعاصرة أو بعض الأبحاث والدراسات المنشورة لعلماء الأمة وطلاب العلم فيها.

ب- السرعة والمبادرة في الإجابة على النوازل والمستجدات، والعناية بها حتى لا يتجاوز الناس العلماء إلى بعض الحلول المشوهة والتي تخالف الشريعة.

ج- الدفاع عنهم ضد حملات التشويه التي يمارسها الإعلام ضدهم.

د- إبراز محاسنهم وفضلهم من خلال الإعلام والكتابة عنهم.

هـ- إظهار مواقفهم ضد الظلم والاعتداء على الحقوق، وأنهم أحرص الفئات على إعطاء الحقوق لأصحابها، ويجب أن يناصح العلماء لإبراز مواقفهم في هذا الجانب لقطع الطريق على من يتهمهم بإهمال هذا الجانب، وإن حصل تقصير منهم فيجب مناصحتهم في ذلك فإن هذا من إسداء المعروف لهم.

و-
إظهار مواقفهم وبياناتهم وفتاواهم في قضايا الأمة المصيرية (قضية فلسطين وغيرها).
 
ثالثاً:
المطالبة بمحاكمة ومعاقبة من يهاجمهم فهم أولو الأمر مع المسؤولين في البلد، وأن يحتسب أهل المعرفة بالمحاماة والقضاء لتدوين محاضر ترفع رسمياً في طلب معاقبة من يعتدي على العلماء بغير حق.
 
رابعاً:
التواصل معهم لتثبيتهم والوقوف معهم معنويا وحسيا.
 
خامساً:
مناصحة من وقع منهم في زلة ففي المناصحة خير له وللعلماء الآخرين، والعالم بشر يحتاج للنصح والتذكير ففي وقت المحن والفتن قد تختلط الأمور حتى على بعض من ينتسب للعلم وطلابه.
 
سادساً:
تنسيق المواقف والفتاوى في القضايا المصيرية؛ حتى لا يظهر العلماء أمام العامة وأمام أعدائهم بصورة التنافر والتدابر بل يبرزون بصورة التآلف ووحدة الكلمة.
 
سابعاً
: الحرص على الفتاوى الجماعية -في القضايا الكبرى- ما أمكن، فهي أبعد عن الخطأ وأدعى للقبول لدى الناس.
 
ثامناً:
إظهار مؤازرة الرأي العام للعلماء مما يثبت المترددين ويقمع المعتدين.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مقالات الفوائد